الأردن يطور اعتماده على الطاقة المتجددة وصفقة ضخمة مع الصين ستعلن قريباً

طباعة
مقابلة خاصة مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني: سؤال: أودّ استهلال كلامي بالحديث عن الفرص الاستثمارية بمليارات الدولارات والتي سيحصل عليها الأردن الآن؛ وأنتم تحاولون فعلياً إعادة الإقلاع باقتصاد الأردن،  فما هي خططكم للقيام بذلك؟   الملك عبد الله الثاني: ليس الأمر هنا عملياً إعادة إقلاع. ففي كلّ مرّة تشهد المنطقة خلالها أزمة معيّنة، فإن الأردن يجد نفسه قادراً على التكيّف مع تحديات المنطقة. ولطالما كنّا دولة مستقرة، بل نحن أكثر استقراراً نسبياً من غيرنا، رغم كل ما هو حاصل. لذلك فإن الأردن بصدد تحضير نفسه للأعوام العشرة القادمة، وتحديد الموضع الذي سنتخذه لأنفسنا لنحقق الاستفادة ونقدّم ما هو مطلوب لشعبنا وللمنطقة.   والأمر يتعلّق هنا بقطاعاتنا التقليدية القوية جداً، كالسياحة وصناعة الأدوية والتعليم، فضلاً عن القطاعات الجديدة كتكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجدّدة، وهما المجالان الرئيسيان اللذان سيدفعان بالأردن قدماً، بوصفهما القطاعين الجديدين اللذين سيفاجئان الناس.   سؤال: يحاول المستثمرون البحث عن أماكن ليضعوا رؤوس أموالهم فيها، وهم يدرسون المخاطر، وبطبيعة الحال طالما أن المقاتلين في العراق وسوريا يحققون مكاسب على الأرض، هل بوسعكم أن تطمئنوا المستثمرين إلى أن الأردن بلد آمن؟ وهل سنشهد استمراراً لتلك الأزمات في هذه البلدان؟   الملك عبد الله الثاني: أعتقد أننا في الأردن نمتلك تاريخاً حافلاً من الاستقرار في عموم المنطقة وعلى مدار عقود، ومهما كانت الأزمات المحيطة بنا. كما يجب أن تتذكّروا بأنّه على الرغم من كل ما هو حاصل حولنا، إلا أنّ الأردن كان قد أبلى بلاءً حسناً، حيث سجّلنا نمواً وبنسبة تفوق 3% خلال العامين الماضيين، ونتوقع تسجيل 4% خلال العامين أو الأعوام الثلاثة القادمة. كما أن احتياطياتنا في البنك المركزي عند أعلى مستوياتها التاريخية.   عندما تنظرين إلى المنطقة، وأنت ذكرتِ سوريا والعراق، تجدين بأن العراق لطالما كان سوقاً قوياً جداً بالنسبة لنا. وأنا أعتقد أن الحكومة العراقية، وبالتعاون مع قوّات التحالف ستفتح الطريق الواصل بين عمّان وبغداد هذا الصيف. وهذه سوق قوية للغاية سيُعاد افتتاحها.     لذلك أعتقد أن هناك من يتطلّعون إلى الاستثمار في الأردن، وأنا لا أتحدّث فقط عن السوق العراقية التقليدية، وإنما هناك اتفاقات للتجارة الحرّة مع دول الخليج، وهي من أسواقنا التقليدية. ولطالما نظرنا إلى ما يتجاوز حدود المنطقة، فالأمر لا يقتصر على النظر إلى الأردن. ونحن لدينا اتفاقات للتجارة الحرّة مع الولايات المتّحدة الأمريكية، وكندا، وقريباً مع المكسيك. إذن، القارّة الأمريكية كانت محطّ اهتمام بالنسبة لنا. كما زدنا اهتمامنا بدول آسيا مثل الهند والدول الأبعد منها.   وبسبب تطوير الميناء البحري في مدينة العقبة، فإن هناك تحرّكاً جديداً الآن للنظر إلى منطقة القرن الإفريقي ونبحث في كيفية تطوير دول شرق إفريقيا. إذن مرّة أخرى، نحن أمام فرص تبرز، والناس باتوا يطرقون باب الأردن.   سؤال: بالنسبة للتحدّيات الداخلية هنا، (عشرون) 20% من السكّان حالياً هم من اللاجئين. وأنتم تواجهون أزمة مياه كما أنكم في واقع الأمر من الدول المستوردة الصُرفة للنفط. فكيف تتعاملون مع هذه المشاكل؟   الملك عبد الله الثاني:  يتمثّل التحدّي في أن 20% من سكّاننا هم من اللاجئين. ونحن نحصل على الكثير من الدعم من المجتمع الدولي. وأعتقد أن معظم الناس لا يتفهّمون بأن 85% من اللاجئين لا يقيمون في مخيّمات لللاجئين، بل هم خارجها؛ وبالتالي فإن هذا عبء على الاقتصاد الأردني. أي أنّ 25% من الناتج المحلي الإجمالي هو عبء يتعيّن علينا تحمّله للاعتناء باللاجئين. وهذا يشكّل نوعاً من التحدّي الإضافي لنا.   ولكن، كيف نوازن ذلك مع الاحتياجات الطاقية الموجودة لدينا؟ بسبب النقص في الغاز الذي نحصل عليه من مصر، كان يتعيّن علينا التحرّك بسرعة. ولطالما كان هذا هو السرّ الذي يميّز الأردن، أي قدرته على التكيّف مع كل التحدّيات التي كنا نواجهها. وهذا هو السبب الكامن وراء الاستثمار الهائل الذي ترونه في الطاقة البديلة.   نحن في طريقنا إلى عقد صفقة كبيرة مع الصينيين تتعلّق بطاقة الرياح والطاقة الشمسية، وبما يقدر بألف ميغا واط. هذا هو المجال الذي سيتّجه الأردن نحوه. سوف تشهدون قفزة هائلة في الطاقة المتجدّدة في الأردن في المستقبل القريب.   سؤال: حدّثني عن تلك الصفقات الاستراتيجية. ذكرت الصفقة مع الصينيين وهي أمر مثير جداً بالنسبة للأردن، فما هي الصفقات الأخرى التي سنراها قيد التحضير؟   الملك عبد الله الثاني: من الواضح أن لدينا مشاريع للطاقة النووية على بساط البحث تخص منشأتين لتوليد الطاقة، ومشاريع للطاقة المتجددة مع عدد من الدول، لكن المشروع الكبير حالياً مع الصين. نحن بالتأكيد أوّل بلد في المنطقة بدأ وعلى مستوى الحكومة، وتحديداً في الديون الملكي وفي معظم المؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية بالاتجاه نحو جعل كل المركبات الإدارية تعمل على الكهرباء.   أطلقنا مبادرة مؤخراً لتشغيل 50 مدرسة بالطاقة المتجدّدة كما أن جميع مدارس الأردن العامّة والبالغ عددها ثلاثة آلاف مدرسة ستعمل على الطاقة المتجددة خلال العامين المقبلين. وبالتالي أعتقد أن هذا الأمر يبيّن طريقة تفكيرنا وكيف نحاول التأقلم مع الظروف.   سؤال: هذه أرقام مذهلة. إذاً رسالتكم إلى المستثمرين هي ألا يخافوا من الفوضى الإقليمية؟   الملك عبد الله الثاني: لطالما قلنا من قبل بأنّه كلما كانت هناك مشاكل في المنطقة، فإن الأردن لا يتذرّع بهذه الظروف لكي لا يمضي قدماً. فسواء تعلّق الأمر بالإصلاح الاقتصادي أو الإصلاح السياسي، أنا دائماً أخبر شعبي بأن الأمور تسير كما هو معتاد وبأننا لا يجب أن نخجل في الاستمرار. وعندما تحصل الأزمات، فإن ذلك هو الوقت المناسب لنغتنمه وندفع الأمور إلى الأمام. لذلك... أعتقد أنكم ستشهدون حضوراً قويّاً إلى المنتدى الاقتصادي العالمي من القطاع الخاص من جميع أنحاء العالم للاستفادة من 17 إلى 19 مليار دولار أمريكي من الفرص الاستثمارية التي سيُعْلِنُ المنتدى عنها.   سؤال: أخيراً، ما هي المكاسب التي تعدون بها روّاد الأعمال والمستثمرين عندما يأتون إلى الأردن، ولماذا يجب أن يختاروا الأردن، عوضاً عن دبي مثلاً؟   الملك عبد الله الثاني: إن ما جعل الأردن يثبت نجاحه على الدوام، هو استثماره في رأس المال البشري، والذي كان أهم صادراتنا على الدوام، وأنا لديّ رؤية على المدى البعيد تقوم على استرجاع رأس المال البشري الأردني من الخارج. فبلدان عديدة في المنطقة تقوم على المواهب البشرية الأردنية. وهذا هو رأسمالنا الذي نملكه. وأعتقد أنه هو ما يميّزنا عن الدول الأخرى.   عندما تنظرين إلى قطاع التكنولوجيا والمعلوماتية، تجدين بأن 70 إلى 75 في المئة من المحتوى العربي يخرج عملياً من الأردن. فالعديد من بين أهم عشر شركات ناشئة هي من الأردن. وفي مجال السياحة الطبية، نحن في المرتبة الخامسة عالمياً. وكل ذلك مردّه إلى المواهب الأردنية. وبما أن ذلك هو شيء محلي أصيل وليس مستورداً، فأعتقد بأنه هو ما يميّز الأردن عن الدول الأخرى.   عندما يأتي الشركاء من الخارج للاستثمار في الأردن، فإنهم سيجدون في الأردن شريكاً قوياً وفتيّاً وملمّاً بالتكنولوجيا بوسعهم الاستثمار فيه. وأعتقد أن هذا هو ما يميّز الأردن عن العديد من دول المنطقة.   سؤال: أين ستكونون في الأردن بعد عشر سنوات من اليوم، وماذا سيكون دور ولي العهد؟   تعلمين بأن ابني ملتزم جدّاً بتطوير الشباب. ونحن سنحاول على الدوام دفع الأمور إلى الأمام في مجال التكنولوجيا الجديدة. لقد كانت المعلوماتية والطاقة المتجدّدة هي الأمور التي ناقشناها مؤخراً. فالأردن سيحاول الاستفادة من العصر الرقمي لأن لدينا مجموعة فتية جداً ومتعلّمة جداً من السكّان.   لذلك أعتقد بأن الأردن يظلّ مركزاً للأفكار والتطوير، سواء تعلّق الأمر بصناعة الأفلام أو غير ذلك من التكنولوجيات الناشئة. أعلم أن الآخرين يحاولون تقليدنا فيما نفعله، لكنها مفاجأة جميلة على الدوام بأن يكون الأردنيين هم السبّاقين على الدوام. فنحن نصمّم التطبيقات الإلكترونية، ونجري مسابقات للتطبيقات لطلاب الثانويات. وأعتقد أننا البلد الوحيد الذي يفعل ذلك في الشرق الأوسط. وهذا برأيي يشير إلى مواصلة استثمارنا في الأجيال الشابّة، بحيث يكونوا سابقين على الآخرين بخطوتين على الأقل.   سؤال: إذا نظرنا إلى قضية السكّان الشباب الآخذين بالتزايد، والفرص التي يطرحها ذلك، وفي ضوء اضطرابات المنطقة، فما أهمية أن يقوم الأردن بالشيء الصحيح؟   الملك عبد الله الثاني: هذا أمر هام، وها أنت تطرحين مجدداً مشكلة أو تحدياً يحتاج العالم إلى أن يفهمه بخصوص عموم المنطقة. فنحن لدينا أكبر مجموعة من الشباب في التاريخ تدخل إلى الساحة في أرجاء الشرق الأوسط، ويبلغ عددهم 350 مليون إنسان وهم يبحثون عن فرص عمل؛ فإذا ما تراجعنا خطوة إلى الوراء ونظرنا إلى تحدّيات الشرق الأوسط، فإن خلق الوظائف ومنح الشباب مستقبلاً وأملاً هو ما يحتاج المجتمع الدولي إلى إدراكه. ومع مكافحتنا لعدم الاستقرار في المنطقة، ومواجهتنا للإرهاب العالمي، فإننا بحاجة إلى شركاء أقوياء في العالم لأن هؤلاء الشبّان والشابّات بحاجة إلى الإيمان بالمستقبل.   لذلك بالنسبة لنا في الأردن، من المهم جدّاً أن نتأكّد من وجود شبكة الأمان تلك، وأن نمنحهم المستقبل الذي يحتاجونه. ولكن المهم هو كيف نجعل ذلك يعمّ أنحاء الشرق الأوسط.