جويك: انخفاض النفط فرصة لنقل الخليج من اقتصاد النفط الى الصناعة

طباعة
تناولت "منظمة الخليج للاستشارات الصناعية" (جويك) في تقرير اقتصادي التداعيات والخيارات المتاحة لدول الخليج في مواجهة انخفاض أسعار النفط، حيث أشارت إلى أن النفط يشكل حوالي 47% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج. وذكر التقرير أنه على الرغم من تأثر دول المجلس بالصدمة الأولى للأزمة المالية العالمية التي حدثت في نهاية 2008، والتي أدت لانخفاض قيمة الاستثمارات المالية الأجنبية للصناديق السيادية الخليجية، التي بلغت حوالي 1.4 تريليون دولار آنذاك، فإنها تمكنت من امتصاص تداعياتها واستيعاب هزاتها الارتدادية والتعافي من آثارها في وقت قياسي، عجزت عنه بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا واليونان، وقد ساعدها في ذلك توافر الفوائض المالية كأرصدة احتياطية، واستئناف التدفقات المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط. 53 مليار دولار استثمارات أجنبية في الصناعة وأوضح التقرير أن القطاعات الاقتصادية في دول المجلس، خاصة قطاعات الصناعة والإنشاءات والتجارة، شهدت ازدهارا لافتا للنظر خلال العقد الماضي، وخاصة في السعودية والإمارات، وباتت دول المجلس تشكل رقما مهما في عالم التجارة والاستثمار، خاصة في محيطها العربي، لاسيما أنها تشكل نقطة ربط بين الدول العربية ودول جنوب شرق آسيا، فقد شهدت تزايدا ملحوظا في وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال السنوات العشر الماضية (2005 - 2014)، حيث ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية التراكمية الوافدة بمعدل نمو مركب بلغ حوالي 19.9% سنويا، وهو ضعف معدل النمو السنوي للاستثمارات العالمية، والتي بلغ معدل نموها حوالي 9.6% خلال الفترة نفسها، وحاز قطاع الصناعة الخليجي استثمارات أجنبية بلغت حوالي 53 مليار دولار. كذلك فإن متانة الاقتصادات الخليجية جعلت منها ملجأ آمنا لرؤوس الأموال الأجنبية إبان الأزمة المالية العالمية وما بعدها، خاصة أنها كانت تمتلك البيئة الاقتصادية الملائمة، ومستعدة لاستقبال الاستثمارات الهاربة من عاصفة الأزمة، لتبلغ قيمة الاستثمارات التي استقطبتها دول المجلس بعد 2008 حوالي 285.2 مليار دولار في 2009، مشكلة حوالي 1.6% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المتراكمة الوافدة لدول العالم. 416 مليار دولار فوائض وقد حققت دول المجلس خلال الفترة من 2005 - 2014 فوائض مالية كبيرة، بلغت حوالي 416.3 مليار دولار في 2014، تم إنفاق جزء كبير منها على البنية التحتية، ما وفر سيولة لدى النظام المصرفي، مكنت من تنمية استثمارات القطاع الخاص. ووفقا للتقرير تمكنت دول المجلس من تقديم الدعم المالي لاقتصاد ات عربية أخرى عانت من تداعيات ما سمي بالربيع العربي مثل مصر والأردن واليمن. ويتبين مما سبق الأهمية التي يحظى بها النفط كمحرك أساسي لعملية التنمية في دول المجلس، ودرع اقتصادية واقية ضد الأزمات والهزات الاقتصادية، مما لا يدع مجالا للشك أن الانخفاض الحالي لأسعاره ستكون له آثار سلبية على الاقتصادات الوطنية لدول المجلس، خاصة على المديين المتوسط والقصير، ويحتم على دول المجلس البحث عن مصادر جديدة لتمويل موازناتها العامة، خاصة بعد توقع انخفاض الإيرادات النفطية إلى حوالي 287 مليار دولار خلال العام الحالي في حال بقاء أسعار النفط كما هي عليه الآن. ورغم النتائج المتواضعة لجهود التنويع الاقتصادي في دول المجلس، فإن السعي نحو التنويع خلق مناخا إيجابيا يمكن أن يكون ساحة للعمل الاقتصادي غير النفطي في حال تدهور الإيرادات النفطية، فقد أدى النمط الاقتصادي الذي تم تبنيه خلال العقود الماضية والهادف لتنويع القاعدة الإنتاجية إلى تطوير البنية التحتية لدول المجلس، وتحديث التشريعات الاقتصادية والتطوير المؤسسي، وتأهيل القطاع الخاص للعب دور أكبر في عملية التنمية، وقيام دول المجلس بتبني إستراتيجيات تنموية جادة لزيادة القدرة التنافسية وتحرير الاقتصادات الوطنية. كل ذلك سينعكس إيجابيا في الحد من تداعيات انخفاض أسعار النفط، بالإضافة إلى ما يتوجب اتخاذه من قرارات إستراتيجية تتعلق بإصلاحات اقتصادية، تتمثل بالرفع التدريجي للدعم، وخاصة الدعم المقدم للمحروقات، والتحول نحو الطاقة المتجددة، وتعميق دور القطاع الخاص بشكل أكبر في التنمية، وإشراكه في صنع القرار بشكل فعال، وتأهيل المواطنين الخليجيين للانخراط بشكل أكبر في العمل بالقطاع الخاص، وتنويع القاعدة التصديرية، وفرض ضرائب على الدخل والأرباح. إن تحدي انخفاض أسعار النفط وتوقع استمرار انخفاضه بشكل أكبر، حسب تقديرات بعض المؤسسات الدولية ذات الاهتمام، يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية لدول المجلس للإسراع في الانتقال من الاقتصاد النفطي إلى الاقتصاد القائم على التصنيع، مستخدمة عناصر القوة الأخرى التي تمتلكها من موقع جغرافي متوسط، وإمكانيات الانتقال للطاقة البديلة، وتنوع في سوق العمل، إذ إن هذا الانخفاض يضع دول المجلس أمام تجربة حية لما قد يحصل مستقبلا، عندما يتحول العالم إلى الاعتماد بشكل كلي على مصادر الطاقة المتجددة، وانخفاض اعتماده على النفط، أو عند نضوب النفط في أسوأ الأحوال، ويمنحها الفرصة وبشكل إجباري لإعادة تنظيم اقتصاداتها بشكل يتناسب مع السيناريوهات المستقبلية، التي طالما أرقت المخططين وصناع القرار في دول المجلس.