لماذا إرتفعت أسعار النفط بعد فشل إتفاق الدوحة؟

طباعة
وفقا لقانون العرض والطلب يوقف المنتجون عادة إنتاج السلع عندما تفوق كلفة إنتاجها سعرها في السوق، إلا أنه حين يتعلق الأمر بالنفط الأمريكي، فسنجد بأن الانهيار العالمي في أسعار النفط لن  يكون متوافقاً مع التخفيض الكبير في حجم الإنتاج. وتشير البيانات الى أنّ التأثير الأكبر الناجم عن هذا الأمر هو من نصيب الاستثمارات في آبار النفط الجديدة، لاسيما وأن المنتجين الأمريكيين قاموا بتقليص الإنفاقات الرأسمالية وتهميش دور منصات حفر الآبار النفطية، التي تراجع عددها الى 350 منصة فقط، أي ربع العدد الذي كانت عليه في أكتوبر عام 2014. ويؤدي تراجع الأسعار وتقليص لأعداد حفارات النفط الصخري الى معاناة قطاع النفط الأمريكي الذي شهد مكاسب كبيرة في الوظائف والأجور خلال حقبة زيادة الإنتاج  التي بدأت في 2012، وفيما تشهد الاستثمارات في الإنتاج جفافاً ملحوظاً، يواصل النفط تدفقه من الآبار التي تم حفرها مسبقاً. أما الإنتاج الكلي، فقد انخفض بنحو 6% منذ بلوغه ذروته في العام الماضي، إلا أن كثيرا من المنتجين قد اختاروا الاستمرار في عملية الضخ حتى وإن بقيت الأسعار حول مستوى 40 دولاراً للبرميل، أي عند ثلث مستوياتها في يونيو 2014. المفارقة أنه عندما كانت أسعار النفط تنخفض في الماضي بسبب فائض المعروض، كان المنتجون الرئيسيون مثل المملكة العربية السعودية يقومون بخفض الإنتاج لتقليص المعروض ودعم الأسعار، غير أنّ دخول منتجي النفط الصخري من الولايات المتحدة وكندا على خط الضخ الاضافي، ردّ منتجو البترول الاحفوري في الشرق الأوسط بزيادة الضخ آملين في أن يسهم انخفاض أسعار النفط في إبعاد المنتجين الأمريكيين عن الساحة. لكن استراتيجية منتجي النفط التقليدي جاءت عكسية بحسب تحليلات غربية، بعد إبطاء الإنتاج في امريكا الشمالية،  ما دفع الكثير من الدول المنتجة للنفط للتوجه نحو إبرام إتفاق لتجميد الإنتاج، إلا أن 18 دولة مصدرة بما في ذلك روسيا، لم تتمكن عقب اجتماع الدوحة من التوصل إلى اتفاق من شانه أن يجعل الإنتاج مستقراً عند مستويات يناير. تجدر الإشارة إلى أن المنتجين في أمريكا لا يكترثون بتخفيض الإنتاج، حيث يربط محللون اقتصاديون حالة عدم وضوح وقف  الإنتاج مع تراجع الأسعار دون سعر التكلفة الى جملة من العوامل. فبالنسبة للمبتدئين، تختلف كلفة إنتاج البرميل الواحد من النفط على نحو واسع من بئر إلى آخر، حيث يعتمد ذلك على التكلفة الأولية لإيجاد وتطوير حقل النفط إلى جانب تكاليف أخرى مرتبطة بالاقتراض وبعمليات الحفر وبالصيانة. ومن اللافت أن بعض عمليات التوسع في الإنتاج الأمريكي للنفط قد جاءت بفضل ما يعرف بالآبار الناضبة، حيث تم اكتشافها بفضل تقنيات الإنتاج الحديثة التي أضفت حياة جديدة إلى المواقع المهجورة، وبذلك اعتُبرت الكثير من هذه العمليات مربحة حتى مع الأسعار الحالية في السوق.

وبحسب تحليل للمجموعة العالمية لأبحاث واستشارات الطاقة Wood Mackenzie، فإنّ كلفة استخراج مليوني برميل من النفط من باطن الارض يوميا هي اعلى بكثير من قيمتها في السوق . وهنا يتراود إلى الأذهان سؤال حول أسباب مواصلة المنتجين ضخ النفط؟ والإجابة بأن الكلفة المرتفعة الناجمة عن توقف بعض المنتجين واستئنافهم الضخ مرة اخرى قد دفعتهم إلى مواصلة الإنتاج وتخزين الفائض أملاً في أن ترتفع أسعار النفط من جديد. ونتيجة لذلك، امتلات مرافق تخزين النفط العالمية، فارتفعت مخزونات الخام والمنتجات النفطية في الولايات المتحدة الأمريكية  إلى 20% وهي النسبة الأعلى التي وصلت إليها في خمسة أعوام منذ أن بلغت الأسعار ذروتها، وفي الوقت الذي يواصل فيه الإنتاج نموه، يشهد الاستهلاك العالمي انخفاضاً جزئياً بسبب التباطؤ الاقتصادي في الصين وفي أنحاء كثيرة من دول العالم النامي. وقد قرر عدد من المنتجين التوقف عن ضخ النفط إلى ان تغدو توقعات السوق أكثر وضوحاً، أما أضخم عمليات تخفيض الإنتاج فقد كانت من نصيب حقول النفط الرملية وحقول النفط الساحلية المتواجدة في كل من كندا والولايات المتحدة وبريطانيا وفقاً لمجموعة ماكينزي. ويواصل إنتاج النفط العالمي ارتفاعه، وبصرف النظر عن الإنتاج السعودي، فإن العراق الذي يعد ثاني أضخم منتج في منظمة أوبك يقوم بزيادة الإنتاج، كما ان الصادرات الإيرانية تعود إلى الساحة مجدداً بالتزامن مع رفع العقوبات التي كانت مفروضة على طهران. وكانت الكثير من التساؤلات دارت حول أسباب إرتفاع النفط في ايام التداول الأولى من هذا الأسبوع رغم فشل إجتماع المنتجين في الدوحة. كبير محللي الطاقة والسلع في بنك باركليز مايكل كوهين الذي ذكر بأن توازن العرض والطلب هو المحرك الرئيسي للنفط، وفي الوقت ذاته، لازالت الصورة ضبابية مع استمرار الطلب على النفط، وذلك في وقت بدأت  دول منتجة للنفط من خارج منظمة أوبك كالولايات المتحدة بالتكيف مع السوق التي تعاني من تخمة المعروض. ولاحظ كوهين تراجعا في إنتاج النفط يتراوح بين 50 و100 الف برميل يوميا خلال الأشهر الماضية، تزامن مع إرتفاع الطلب الاستهلاكي على منتجات مثل البنزين ووقود الطائرات، فيما لا يزال الطلب في القطاع الصناعي في تناقص مستمر وحاد. ويتوقع المتشائمون تراجع أسعار النفط وسط فشل اجتماع الدوحة.