بين الندم على الأمومة و ... كذبة سعادة الأمومة

طباعة

عام 1977 كتبت أليس شفارزر احدى ابرز الناشطات النسويات نصا شهيرا جاء فيه "اقوى القيود التي توجهها النساء هي الاطفال..الامومة اشبه بالصليب، نحمله حين يجب علينا ان نفعل ذلك، ولكن هل يحمله احد مختارا؟".

وفي 2016 يهز المجتمع الالماني نقاش حاد حول ما ان كانت الأم تندم على الانجاب ام لا، بحيث ان هذه الفكرة صارت تحول دون حمل كثير من النساء. واطلقت هذا النقاش الباحثة اورنا دوناث المتخصصة في علم الاجتماع باصدارها كتابا حول هذه القضية عام 2015 بعنوان Regretting Motherhood او الندم على الأمومة. وجمعت دوناث التي سئمت ان يقال لها "ستندمين على عدم انجاب طفل" شهادات من 23 سيدة يعبرن عن موقف معاكس، اذ انهن ورغم الحب الشديد لاطفالهن يفضلن الآن لو أنهن لم ينجبن. يروي الكتاب شهادات متضاربة للامهات عن تجربتهن بعيدا عن الحديث المعتاد عن سعادة لا يشوبها شيء. وقد حقق الكتاب نجاحا في الخارج لكن في المانيا، حيث يتدنى معدل الولادات يبدو ان النقاش حول هذه المسألة سيطول. جملة من الكتب ظهرت حول الموضوع نفسه منها كتاب "كذبة سعادة الامومة" للكاتبة سارة فيشر، وكل اسبوع تجدد مقالات صحافية وحلقات تلفزيونية احياء النقاش، اضافة الى التغريدات التي تتداول على موقع تويتر مع وسم "الندم على الامومة". في المانيا "اكثر من ثلث النساء اللواتي تابعن دراسات عليا يفضلن عدم الانجاب، وهو وضع فريد من نوعه في اوروبا" بحسب ما تقول الاكاديمية بربارا فينكن التي تدرس منذ العام 2001 ما تسميه "اسطورة الأم الالمانية". وترى فينكن ان دراسة اورنا دوناث تؤثر في المانيا لانها "تزعزع اسس فكرة السعادة الناجمة عن الانجاب في مجتمع يطلب من النساء كل شيء، ويطلب النساء فيه من انفسهن كل شيء". ويسود اعتقاد في المجتمع الالماني بان رفاه الطفل يعتمد على والدته لذا لا يحبذ الالمان ان تستمر النساء في التركيز على اعمالهن وتوكيل مهمة الاعتناء بالاطفال خلال النهار الى الرجال او الى مؤسسات متخصصة. وتقول بربارا فينكن "لسنا في فرنسا، هناك يمكن للحامل ان ترضع طفلها لوقت قصير ثم تعود الى عملها وحياتها الاعتيادية بعد ثلاثة اشهر من الانجاب فقط"، بينما في ألمانيا تعود الام الى عملها بعد نحو سنة على الانجاب، وبعضهن لا يعدن الى العمل قبل ثلاث سنوات يطلق عليها لقب "الام الغراب". ومنذ وصول انجيلا ميركل الى السلطة، يمكن ملاحظة بعض التغيرات ففي عهد هذه المستشارة القلقة حول تدني مستوى الولادات في بلدها، ضاعفت من دور الحضانة وساندت عطلة الابوة التي يأخذها الرجال للاهتمام باطفالهم. لكن هذا التغير لا يخلو من الانتقادات والاعتراضات على غرار الحملة العنيفة التي شنتها صحيفة "بيلد" ضد "النساء الحاكمات" اللواتي يركزن على عملهن وحياتهن الشخصية "وارتداء السراويل والرياضة" على حساب تربية الاطفال. وكتبت الصحيفة الاكثر انتشارا في اوروبا "هؤلاء النساء هن اشبه بالرجال لم يعدن امهات، لم يعدن معنيات بان يسهرن الليل لطمأنة الطفل حين يصاب بالرعب من البرق والرعد". ودعت مقالات الى اعتماد حل وسط بين صورة الام التي تفني نفسها لتربية اطفلها وبين صورة المرأة التي لا يعنيها شيء سوى راحتها الشخصية، وكتبت صحيفة "داي زيت": هكذا يصبح الاطفال عامل اعاقة للام في بحثها عن تحقيق ذاتها. وما زالت فكرة انخراط الاباء بشكل اوسع في العناية بالاطفال لا تحتل مساحة عامة كبيرة، وقد اظهرت دراسة حديثة ان الفائض في مهمات المرأة لا يتعدى ثلاث ساعات بما في ذلك حين تكون موظفة بدوام كامل، رغم ذلك تترك معظم النساء اعمالهن عند الانجاب ويمتنعن عن اي نشاط لثلاث سنوات بعد الانجاب، ولذا يبدو مفهوما التوجه النسوي الذي يدافع عن حق المرأة بعدم الانجاب.