إلى أين يتجه سوق الأسهم البريطانية بعد Brexit؟

طباعة
ربما لم يكن يتخيل أحد ان كلفة الطلاق تكون باهظة بهذا الشكل المبرح. طلاق بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. الطلاق الأكثر كلفة في التاريخ.. موجة بيع حادة.. الأسوأ على الاطلاق 3 تريليونات دولار أمريكي.. خسرتها اسواق المال العالمية على مدار يومان فقط، الجمعة والاثنين 27 24 و27 يونيو/حزيران بعد الإعلان عن نتيجة الاستفتاء وفوز معسكر انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.. او كما تم تسميته طلاق بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفقا لمؤسسة (S&P Global) فإن هذا الانهيار للأسواق المالية يعد الأسوأ على الاطلاق، والأسوأ منذ الازمة المالية العالمية 2008 حيث لم تشهد الأسواق خسائر مماثلة لتلك التي شهدتها بعد نتائج استفتاء بريطانيا. يوم الجمعة وحده شهدت الأسواق العالمية خسائر بقيمة 2 تريليون دولار امريكي مسجلا أسوأ موجة بيوع في يوم واحد منذ سبتمبر 2008 عندما خسرت الأسواق حوالي 1.9 تريليونات دولار امريكي. الخسائر الأكبر جاءت من الأسواق الامريكية حيث فقدت نحو 1.3 تريليونات دولار أمريكي على مدار اليومين، بينما يظهر مؤشر بلومبرج للمليارديرات ان 400 من اغنى المستثمرين في العالم تعرضوا لخسائر مجتمعين بقيمة 127 مليار دولار الأمريكي مع هبوط الأسواق يوم الجمعة، و مبلغ إضافي قدره 53 مليار دولار امريكي يوم الاثنين.. ربما عطلة نهاية الأسبوع بعد نتيجة الاستفتاء، لم تشفع للأسواق وتهدئ من روع المستثمرين، بعد حالة الخوف التي انتابت الجميع من صدمة نتائج استفتاء وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. وتجنب المخاطرة والهروب إلى الاصول الآمنة او الأقل خطراً كان بمثابة الحمى المسيطرة على الجميع. تراجعات أسواق الأسهم البريطانية موجة البيوع سيطرت على معاملات لندن أيضا لمدة يومين، مؤشر FTSE100 شهد تقلبات عنيفة يوم الجمعة لينخفض حوالي 550 نقطة قبل ان يقلص من خسائره عند الاغلاق مسجلا 6138 نقطة ويخسر فقط 200 نقطة وبنسبة 3% تقريبا، لكن تمتد موجع البيع إلى يوم الاثنين، ويخسر المؤشر حوالي 5.6% على مدار اليومين فقط. كما هو الحال بالنسبة لمؤشر FTSE 250 لكن كان الانخفاض اشد وطأة، حيث خسر في اليوم الأول (الجمعة) حوالي 7%، بينما يواصل الانخفاض لليوم الثاني (الاثنين) ويخسر المؤشر 13.7% على مدار اليومين ويغلق عند مستوى 14967 نقطة والادنى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014.. ويشهد أداء أسوأ من مؤشر FTSE100! تعويض الخسائر في ظل عمليات التصحيح استطاع مؤشر FTSE 100في الأسبوع المنتهي في الأول من يوليو/تموز ان يصحح كامل التراجع السابق الإشارة إليه، ويغلق على ارتفاع عند مستويات 6504 نقطة مرتفعا لأكثر من 8% ويحقق أفضل أداء اسبوعي منذ ديسمبر 2011.في المقابل استطاع مؤشر FTSE 250 من تقليص خسائره ويحقق ارتفاع اسبوعي قدره 2.3%. لماذا شهد مؤشر FTSE 100 أداءً أفضل من مؤشر FTSE 250؟ الامر بكل بساطة متعلق بمدى تعرض الشركات داخل كل مؤشر لأداء الاقتصاد البريطاني، الرسم البياني التالي يوضح مصادر إيرادات الشركات المدرجة في كل مؤشر:

من أين تأتي إيرادات الشركات المدرجة في مؤشر FTSE 100؟

نلاحظ من الرسم البياني ان 80% من ايرادات الشركات المدرجة في مؤشر FTSE 100 تأتي من خارج بريطانيا وبنسبة 20% فقط من داخل بريطانيا، ويعني ذلك الشركات متعددة الجنسيات والشركات التي تعتمد على الصادرات. مثال على ذلك مثل شركة Rio Tinto و BHP Billiton التي تعملان في مجال التعدين في وقت تعتمد فيه بشكل كبير على مدى نمو الاقتصاد الصيني بجانب الطلب على السلع (المعادن). بينما اما بالنسبة لقطاع التصدير فشركة BAE Systems تعتبر نموذج التي تقدم حلول تقنية لوسائل الدفاع، وبالتالي فإن انخفاض الإسترليني قد يكون مفيد بشكل ما او بآخر لدعم مبيعات تلك الشركات وبالتالي التأثير بشكل إيجابي على أداء المؤشر ككل.

من أين تأتي إيرادات الشركات المدرجة في مؤشر FTSE 250؟

اما مؤشر FTSE 250 فيعتبر مقياس لأداء الاقتصاد البريطاني نظرا لأن 50% من ايرادات الشركات المدرجة تأتي من داخل بريطانيا وبالتالي فإن المؤشر عرضة أكبر لمدى قوة او ضعف الاقتصاد ككل وكذا التوقعات المستقبلية للنمو التي تحمل صورة سلبية للغاية بعد الانفصال، لذا نلاحظ ان المؤشر لم يستطع ان يعوض خسائره بشكل كامل بعد نتائج الانفصال وان كان قد تفوق على أداء FTSE 100 منذ عام 2009 بسبب وتيرة النمو الجيدة للاقتصاد البريطاني.

وبالطبع قد ينتاب البعض الدهشة بشأن هذه التصحيح في وقت قصير، بينما لاتزال حالة عدم التأكد تسيطر على الأسواق. وقد يتساءل البعض الاخر لماذا يحدث ذلك في ظل التناقض مع التوقعات بشأن انكماش الاقتصاد البريطاني جراء الانفصال؟ الإجابة تكمن في السطور القادمة... سوق الأسهم البريطاني.. نمو مستمر منذ 2009

من الرسم البياني في الأعلى نلاحظ نمو مؤشر FTSE 100 بنسبة 70% منذ نهاية الربع الأول من عام 2009 حتى الآن وكما هو الحال بالنسبة لمؤشر FTSE 250 والذي شهد ارتفاعا أيضا بنسبة 170% في نفس الفترة متوفقا على أداء المؤشر الأول، وذلك لأن مؤشر FTSE 250 اكثر ارتباطا بأداء الاقتصاد البريطاني والذي شهد تحسن لوتيرة النمو السنوات التالية للأزمة المالية العالمية في وقت كان فيه الأفضل أداء والاسرع نمواً مقارنة باقتصادات مجموعة الدول السبع (G7). لكن الأهم من ذلك ان أسواق الأسهم العالمية ومن ضمنها سوق الأسهم البريطاني كانت تسير في عالم موازي منذ عام 2009 ضمن سلسة ارتفاعات ووتيرة نمو لا توازي ما يحدث على صعيد وتيرة نمو الاقتصاد العالمي. بيد أن السياسات التوسعية التي لجأت اليها البنوك المركزية حول العالم لدعم الاقتصاد كان لها الفضل الرئيس في تلك الارتفاعات – ارتفاعات أسواق الأسهم-، وبالرغم من ذلك فإن تلك السياسات كانت الأكثر تأثيرا على ارتفاع اسعار الأصول الامر الذي حذر منه صندوق النقد الدولي في نهاية عام 2014 من احتمال وجود فقاعة سعرية للأصول حول العالم. سياسات التخفيف الكمي التي انتهجها البنك الاحتياطي الفيدرالي ابان اندلاع الازمة المالية العالمية (2008) كانت المحرك الرئيس لتبني نفس السياسات من قبل البنوك المركزية الأخرى لتغرق الأسواق بالسيولة التي وجدت أسواق الأسهم الحاضن الأول لها –للسيولة-حول العالم. وللحديث بقية... في الجزء الثاني من المقال سنتعرض أسباب ارتفاع أسواق الأسهم البريطانية بعد نتيجة الاستفتاء مع توقع فني لأداء مؤشر FTSE 100 على المدى المتوسط   بقلم: محمد جلال محلل الاسواق العالمية فيCNBC Arabia @mgalalmgalal