ماذا سيحدث في لبنان إذا شرّع النواب زراعة نبتة الحشيشة؟

طباعة
في الآونة الأخيرة، وفي خضمّ انشغال الدولة اللبنانية بالبحث عن موارد لتمويل سلسلة الرتب والرواتب لموظّفي القطاع العام، بعدما فشل مجلس النواب في إقرارها ما أحالها إلى «كرة نار» سيتحكّم الشارع باتجاهها قريباً بعد تجدّد مطالب الموظّفين بالحصول على الزيادة، فإن دعوات أطلِقت لتشريع زراعة نبتة الحشيشة، خسب ما جاء بجريدة البيان. وكان وزير السياحة اللبناني السابق فادي عبود تقدّم بمطالعة اقتصادية، عرض فيها عدداً من الموارد الكفيلة بتمويل السلسلة من دون إرهاق الاقتصاد، ومن بينها اقتراح مثير للجدل: تشريع زراعة الحشيشة للاستعمالات الطبية والتصدير، فكل محاولات ضبط الزراعة فشلت، وخطط الزراعات البديلة. وتشريعها بالطرق اللازمة يؤمّن مداخيل للدولة، مع إشارته إلى أن استعمال الحشيشة أصبح قانونياً في دول عدّة في العالم، وأوضح أنّه يدعو إلى تشريع زراعة الحشيشة وتصديرها، وليس إلى استهلاكها في الداخل. وتقول جريدة البيان ان دعوة الوزير شغلت مواقع التواصل، وفجرت ردود فعل ساخرة وتعليقات من الكثيرين، والبداية كانت من «هاشتاغ: إذا شرّعوا الحشيش، بلدنا بيوفي ديونو بسنة»، «وكل شاب لبناني بيلاقي شغل وما بيتغرّب»، «بيصيروا اللبنانيين يحبّوا بعض.. رواااااق»، «لا مظاهرات ولا تعصيب ولا مسبّات»، «بينضرب قطاع الأدوية، لأنو الناس عايشة على أدوية الأعصاب».. «الحشيش ذهبنا الأخضر»، «الشعب اللبناني خلقا دايخ»، و«إذا شرّعوا الحشيش، بصير إسمع بوب مارلي عَ الصبح بدل فيروز»، و«لقب لبنان بيصير أمستردام المنطقة، بدل سويسرا الشرق»! وتتوالى التعليقات الساخرة عما يمكن أن يحصل في لبنان إذا شرّع النواب زراعة نبتة الحشيشة، وتوقّع أحدهم أن تنتقل وجهة السياحة إلى البقاع الشمالي، نظراً لرواجها فيها تاريخياً، واستشرف الآتي بعبارة: «بيصير عنّا بحر ومنتجعات سياحيّة في بعلبك، وبيزيد عدد السيّاح.. شو هولندا أحسن منّا؟».. وفي حين تساءل مغرّد: «هل السرقة شرعيّة والحشيش مش شرعي»، فإن مغرّدة «حالمة» لم تتردّد في أن تعرب عن فرحتها إزاء احتمال أن يصبح الأمر واقعاً، بقولها: «بصير بيع بضاعتي بالإنستغرام، وعلى عينك يا تاجر.. والله ليصير معي ملايين»! وتزامن انطلاق الحملة مع آراء اقتصادية روّجت لتشريع الحشيش، منها دعوة الخبير الاقتصادي مروان إسكندر إلى تشريع زراعة الحشيشة في البقاع وعكار، لدورها في المساعدة على نموّ الاقتصاد. واستشهد إسكندر بتشريع ولايّتين أميركيّتين، كولورادو وواشنطن، استخدام الحشيشة، ليس فقط من أجل أغراض طبية، بل «للتسلية، كالدخان العادي. ولو كان في الأمر ضرر، لكان المدّعي العام الأميركي نقض القرارين»، وذكّر من يعنيهم الأمر بأن «مردود زراعة الحشيشة كان يوازي مليارَي دولار، في حقبة الوصاية السورية (أي قبل عام 2005)»، معتبراً أن «خطوة التشريع ستكون أكثر إفادة الآن من المستقبل، حيث هناك اتجاه لتشريع هذه الزراعة في عدد من البلدان». وبلغة الأرقام، واستناداً إلى بيانات متوافرة في تقارير صحافية حول تجارة الحشيشة في لبنان، تجدر الإشارة إلى أن مردود الدونم الواحد للحشيشة يبلغ نحو 10 آلاف دولار أميركي، والى أن المدخول السنوي للمزارعين المحليّين من هذه الزراعة يتراوح بين 30 و80 مليون دولار، حسب المنطقة المزروعة وسعر السوق، ما يجعل القيمة الإجمالية لهذه الزراعة بين 120 و800 مليون دولار في السنة، أي ما يقارب نسبة 0.3% إلى 1.8% من إجمالي الناتج المحلي. والحشيشة اللبنانية المعروفة بنوعيتها الجيّدة، كانت خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) مزدهرة جداً. وبعدها، قامت الدولة وبضغط من واشنطن، بحملات للقضاء على زراعتها، ووعدت بزراعات بديلة، الأمر الذي لم يتحقق. ومنذ ذلك الحين، تتكرّر المواجهة كل عام بين السلطات والمزارعين الذين يطالبون بتشريع زراعتها. ويتساءل البعض عن الوضع المستقبلي في حال شرِّعت زراعة الحشيشة في لبنان لتصبّ في خانة تمويل سلسلة الرتب والرواتب، وفق رؤيتهم. علماً أنه مضى نحو 94 عاماً على زراعة حشيشة الكيف في لبنان، أي منذ عام 1920، وهي لا تزال تُزرع وتُباع وتُصدّر، في غياب القوانين المشرّعة، وتصل عقوبة الاتجار فيها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. خصوصاً في بلدات البقاع الشمالي، مع انطلاق مسلسل إتلاف الحشيشة، فيتلخّص بالسيناريو الذي بات مألوفاً: «وجعة رأس» للقوى الأمنية، «تهيّب» من التاجر الذي يترقّب نهاية سبتمبر بفارغ الصبر قبل أن يتسلّم «غلّة» الموسم الجديد.. و«ترقّب حذِر» من المزارع الذي يمعن اهتماماً بـ«رزقه»، يؤمّن له مياه الريّ حتى يغدق عليه الدونم بدل القنطارين ثلاثة.. (القنطار يعطي من «هقّتين» إلى ثلاث.. و«الهقّة» تساوي 1200 غرام، فيما يده على «الزناد» استعداداً للمواجهة والدفاع عن «الرزق الغالي»، حسب قول أحدهم لـ«البيان». وإذا كانت عبارات: «الموسم لح يمرق على خير» و«المواجهة ما بتكون إلا بالسلاح» و«الرزق متل العَرْض.. كتير غالي» و«نحنا مش مجرمين.. سجلاتنا نظيفة متل التلج.. والحمد لله».. باتت تشكّل قاموساً لتعامل المزارعين مع ملف إتلاف الحشيشة، فإن هناك خيارين لا ثالث لهما.. وتختتم جريدة البيان بقولها؛ هكذا يقول لسان حال المزارع البقاعي، فـ«الخيبة والإحباط» المحيطان به، وتحديداً في الأعوام الأخيرة، لم يتركا له خيارات كثيرة، فإما الاستمرار بزراعة القنّب الهندي، وإما ترقّب «صحوة» من بيدهم الأمر كي تعود «إهراءات روما» (اللقب الذي كان يطلق على سهل البقاع قديماً) إلى سابق عزّها وأيام خيراتها.. ويبقى السؤال معلّقاً إلى أجل غير مسمّى: «أيّ الخيارين سيطفو في الأيام المقبلة؟».