عندما فرضت الصين قيوداً على صادرات المعادن النادرة إلى اليابان في عام 2010 خلال أزمة دبلوماسية، تقوّضت تلك الخطوة من الداخل بسبب فوضى القطاع المحلي وعمليات التهريب الواسعة التي أفشلت مساعي بكين.
لكن المشهد تغيّر جذرياً اليوم. ففي تحوّل حاد يعكس مدى تشديد الصين سيطرتها على هذا القطاع منذ ذلك الحين، تسبّبت القيود الجديدة التي فرضتها في أبريل نيسان الماضي في نقص عالمي لدى شركات صناعة السيارات خلال أقل من شهرين، ما اضطر بعض المصنّعين إلى تعليق الإنتاج.
ومن خلال سياسات الدمج وتحديد الحصص، تمكّنت بكين من تحويل قطاع المعادن النادرة –الذي تسيطر على 90% من قدراته العالمية في المعالجة– من قطاع فوضوي إلى أداة نفوذ دبلوماسي فعّالة.
حين بدأت الصين حملتها لإحكام السيطرة على قطاع المعادن النادرة قبل نحو خمسة عشر عاماً، كان هناك مئات من شركات التعدين والمعالجة. وبحلول عام 2013، أصبحت عشر شركات فقط تسيطر على معظم عمليات التعدين في البلاد. أما اليوم، فلم يتبقَّ سوى عملاقين مملوكين للدولة: «مجموعة الصين للمعادن النادرة» و«مجموعة الصين الشمالية للتكنولوجيا الفائقة للمعادن النادرة».
اقرأ أيضاً: ترامب: رئيس الصين وافق على استئناف تدفق المعادن الأرضية النادرة
ويقول ديفيد أبراهام، أستاذ مشارك في جامعة «بويسي ستيت» بولاية أيداهو الأميركية، إن عملية الدمج التي استغرقت أكثر من عقد من الزمن منحت بكين رقابة أكبر على القطاع، وساهمت أيضاً في الحد من الأضرار البيئية الناجمة عن التعدين غير القانوني والعشوائي.
في السابق، كانت هناك سلسلة إمداد غير قانونية يديرها مُعدّنون مستقلّون يقومون بنقل الخامات إلى منشآت فصل غير مرخّصة، حيث تُعالَج وتُخفى هويتها الحقيقية، ثم تُصدّر إلى الخارج بشكل مموّه.
وقد قُدّر حجم أكاسيد المعادن النادرة التي جرى تهريبها إلى الخارج عام 2014 بنحو 40 ألف طن متري، أي ما يعادل نصف الكمية الرسمية المصدّرة تقريباً.
لكن قطاع تصنيع المغناطيسات لم يشهد عملية الدمج نفسها التي خضع لها قطاع التعدين والتكرير في المراحل الأولية، إذ لا يزال يضم عشرات المنتجين والمصنّعين في أنحاء الصين، من بينهم شركة «جي إل ماج رير إيرث» وشركة «نينغبو يونشنغ».
ومع ذلك، فرضت الصين في يونيو حزيران الماضي نظام تتبّع خاصاً بقطاع مغناطيسات المعادن النادرة، يُلزم الشركات بتقديم معلومات تشمل بيانات العملاء وكميات المعاملات. وتهدف الحكومة في نهاية المطاف إلى تتبّع سلسلة الإمداد بأكملها.
إلى جانب سياسة الدمج، اعتمدت الصين أيضاً على نظام الحصص الإنتاجية، الذي بدأ تطبيقه في عام 2006، كوسيلة للسيطرة على حجم الإمدادات.
تشمل الحصص الإنتاجية مجالات التعدين والصهر والفصل، وتُصدر عادةً مرّتين في السنة، وتُراقَب على نطاق واسع باعتبارها مؤشراً رئيسياً لإمدادات السوق العالمية.
وقد قامت بكين بتضييق الوصول إلى هذه الحصص تدريجياً، إذ أصبحَت في عام 2024 حكراً على مجموعتين مملوكتين للدولة فقط، مقارنةً بستّ مجموعات كانت مؤهَّلة في السابق.
وفي تحول لافت، قلّصت الصين بشكل حاد وتيرة نمو المعروض اعتباراً من عام 2024، حيث ارتفعت الحصة الإجمالية للإنتاج المعدني بنسبة 5.9% فقط على أساس سنوي، مقابل زيادة سنوية بلغت 21.4% في عام 2023.
اقرأ أيضاً: ترامب: رئيس الصين وافق على استئناف تدفق المعادن الأرضية النادرة
ويتوقّع محللون ومتعاملون في السوق أن تبقى حصص الإنتاج لهذا العام دون تغيير يُذكر، أو أن تسجّل ارتفاعاً طفيفاً لا يتجاوز 5% مقارنةً بمستويات عام 2024.
كما تفرض بكين قيوداً على تصدير التكنولوجيا. فالأدوات والوسائل المستخدمة في استخراج المعادن النادرة وفصلها محظورة منذ فترة طويلة. وفي أواخر عام 2023، وسّعت الحكومة هذا الحظر ليشمل التكنولوجيا المستخدمة في تصنيع مغناطيسات المعادن النادرة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي