أنهى الاقتصاد الأميركي عامه الأول في الولاية الثانية لدونالد ترامب وسط مزيج معقد من النمو المرن والتباطؤ الواضح في سوق العمل، فبينما واصل الناتج والإنتاجية التحسن نسبياً، فإن ثمة فتوراً التوظيف وتراجع ثقة المواطنين بظروفهم المعيشية.
يعكس المشهد تأثير سياسات الهجرة والتعرفات وإعادة هيكلة القطاع الحكومي، بالتوازي مع أداء قوي للأسواق المالية وصدام سياسي متصاعد مع الاحتياطي الفدرالي.
دخل الاقتصاد الأميركي عام 2025 وهو أول أعوام الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، في مرحلة تباطؤ ملحوظ بسوق العمل، رغم استمرار نمو الناتج المحلي وتحسن بعض مؤشرات الإنتاجية، فقد أضافت الولايات المتحدة 584 ألف وظيفة فقط خلال العام، وهو أضعف نمو سنوي خارج فترات الركود منذ عام 2003، مقارنةً بإضافة نحو مليوني وظيفة في 2024 خلال العام الأخير من إدارة جو بايدن.
وأظهرت بيانات وزارة العمل أن ديسمبر/ كانون الأول 2025 سجل 50 ألف وظيفة جديدة، بينما تراجع معدل البطالة إلى 4.4% من 4.5% في نوفمبر/ تشرين الثاني، لكنه بقي أعلى من مستوى 4% المسجل عند عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2025.
ويرى اقتصاديون أن هذا المسار يعكس سوق عمل يتسم بقلة التوظيف وانخفاض التسريح في آن واحد، وسط تأثيرات مباشرة لسياسات الهجرة والتعريفات الجمركية وإعادة هيكلة القطاع الفدرالي.
اقرأ أيضاً: أميركا تسجل عجزا قياسيا قدره 145 مليار دولار في ديسمبر وترامب يكرر مطلبه بخفض الفائدة
بحسب دانيال تشاو، كبير اقتصاديي منصة (Glassdoor)، فإن تقرير نهاية العام "لم يكن مبهرًا بل مخيبًا للآمال"، موضحًا أن الاقتصاد لا يزال يتحرك لكن بوتيرة أبطأ بعد عامٍ حافل باضطرابات تجارية وإغلاقات حكومية جزئية.
وخلال عام 2025 سجلت ثلاثة أشهر خسائر صافية في الوظائف، أبرزها أكتوبر/ تشرين الأول الذي فقد فيه الاقتصاد 173 ألف وظيفة، بينها 68 ألفًا إضافية نتيجة تسريح موظفين فيدراليين، وفق موقع " politico".
نقاط مُضيئة
في المقابل، حقق الاقتصاد بعض النقاط المضيئة؛ إذ تجاوز نمو الناتج المحلي التوقعات في الربع الثالث مسجلًا 4.3% على أساس سنوي، بينما تراجع التضخم إلى 2.3% في أبريل/ نيسان قبل أن يعاود الارتفاع إلى نحو 3% في سبتمبر/أيلول.
وأشاد المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض،كيفن هاسيت، بارتفاع الإنتاجية، معتبرًا أن الاقتصاد يشهد دفعة تشبه أثر ثورة الحوسبة في التسعينيات، لكنه أرجع تباطؤ التوظيف إلى انخفاض الهجرة وترحيل غير النظاميين وخفض 250 ألف وظيفة حكومية.
غير أن التفاؤل الرسمي لا يلقى إجماعًا شعبيًا. فاستطلاعات رأي حديثة أظهرت أن ضعف عدد الأميركيين يشعرون بتحسن أوضاعهم المالية، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.
واتهم ترامب سلفه جو بايدن بترك "أسوأ تضخم في التاريخ"، رغم أن معدله كان عند 3% مع نهاية ولايته بعد ذروة بلغت 9.1% في 2022.
أداء قياسي للأسواق
وعلى صعيد الأسواق، بقيت وول ستريت قرب مستويات قياسية، لكن الرئيس واصل هجومه على مجلس الاحتياطي الفدرالي ورئيسه جيروم باول، متهمًا "الفدرالي المتشدد" بخنق الانتعاش عبر أسعار فائدة مرتفعة.
شاهد أيضاً: المستثمرون بين التفاؤل الاقتصادي ومخاوف الجغرافيا السياسية
الخلاف تطور إلى تحقيق جنائي بحق رئيس الفدرالي الأميركي جيروم باول على خلفية إنفاق إداري لتجديد مقر الفدرالي في واشنطن، وهو ما اعتبره الأخير ذريعة للضغط السياسي، مؤكدًا أن قرارات البنك تُبنى على المصلحة العامة لا رغبات البيت الأبيض.
رهان الرسوم يربك الأسواق
وأثارت رسوم ترامب الواسعة اضطرابات في الربيع الماضي، قبل أن تتعافى الأسواق سريعًا.
ويرى الرئيس الجمهوري أنها جذبت "تريليونات الدولارات من الاستثمارات"، متعهدًا التمسك بها حتى لو قضت المحكمة العليا بعدم قانونية بعضها.
وربط ترامب خططه بخفض الأسعار بزيادة إنتاج الطاقة، متوقعًا أن يؤدي تراجع سعر البنزين إلى 1.99 دولار للجالون إلى انخفاض عام في تكاليف السلع، وفق ذا غارديانز.
صحيفة نيويورك تايمز ترى أن تباطؤ التوظيف يكشف كلفة أجندة تقوم على تشديد الحدود والتعرفات الجمركية وإلغاء القيود، والتي أفضت إلى فقدان 277 ألف وظيفة حكومية.
استمرار "الهبوط الناعم"
ويتوقع خبراء وكالة فيتش أن يستمر "الهبوط الناعم" خلال عام 2026 مع ارتفاع البطالة إلى 4.6%، من دون دخول ركود.
ورغم الجدل، يواصل البيت الأبيض حملة لتسويق روايته الاقتصادية قبيل انتخابات التجديد النصفي 2026، مؤكدًا أن زيادات الأجور باتت تفوق التضخم وأن سياسات الضرائب والتجارة ستدفع الناتج إلى قفزة جديدة، إلا أن حقيقة عام ترامب الأول تبقى مزيجًا من نموٍ مرن وتوظيفٍ بطيء، وصراعٍ محتدم حول التضخم ودور الفيدرالي، ما يترك مستقبل الاقتصاد الأميركي رهينة قرارات سياسية لم تُحسم بعد.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي