علماء سياسة دوليون يُجيبون لـ CNBC عربية عن الأسئلة التالية:
هل ما يعيشه العالم في ظل ترامب هو أزمة قيادة أميركية مؤقتة، أم تحوّل بنيوي في النظام الدولي يُنهي عملياً فكرة النظام القائم على القواعد؟
في عالم تحكمه صفقات القوة التي تتجاوز التحالفات التقليدية، كيف يمكن للقوى المتوسطة المحافظة على سيادتها وهوامش قرارها دون الوقوع في فخ الاصطفاف القسري بين القوى الكبرى؟
هل تمتلك القوى المتوسطة فرصة للتحول من ضحايا فوضى النظام العالمي إلى لاعبين فاعلين فيها، أم أن أقصى ما يمكنها تحقيقه هو إدارة الخسائر في نظام دولي أكثر قسوة؟
خاص CNBC عربية- محمد خالد
"في مطبخ السياسة الدولية، إن لم تكن على الطاولة مشاركاً في صنع القرار، فأنت تلقائياً مشروع لقمة سائغة عرضة للهيمنة والاستغلال".. هذه هي الرسالة الرئيسية التي على ما يبدو أراد رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني أن يُوصلها خلال كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (يناير/ كانون الثاني 2026) عندما دعا إلى عدم التباكي على النظام القديم، الذي "لن يعود" في تقديره.
وعوضاً عن ذلك دعا كارني –بواقعية سياسية مدفوعة بمشهدٍ دولي مضطرب تغلفه حالة من عدم اليقين، وتُزكيه السياسات الخارجية الأميركية المُربكة- القوى المتوسطة إلى التحالف، ذلك أن تلك الدول "لديها الكثير لتخسره في عالم من الحصون المنعزلة"، بينما في الوقت نفسها أمامها "الكثير لتكسبه من التعاون الحقيقي".
شكّلت كلمة كارني قراءة واعية لمشهدٍ يموج بالتحديات المفصلية التي تضع القوى المتوسطة أمام رهانات مختلفة، في ظل تحولات بنيوية في النظام الدولي تُنهي عملياً فكرة النظام القائم على القواعد. لتصبح المهمة "الأصعب" أمامها هي المحافظة على سيادتها وهوامش قرارها، دون السقوط في شرك الاصطفافات القسرية بين القوى الكبرى في عصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي عالم تحكمه صفقات القوة لا التحالفات التقليدية التي ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية.
تضع تلك المتغيرات العاصفة الدول المتوسطة –سواء كانت "تابعة" أم "ذاتية القرار"- أمام أسئلة غير مسبوقة؛ إذ هل يُقاس وزن تلك القوى بالفاعلية الاقتصادية فقط، أم بالقدرة على المناورة الجيوسياسية؟ وما الخيارات الواقعية أمامها بين الاصطفاف والحياد، واللعب على التناقضات وتنويع المخاطر؟
وفي هذا الإطار، يظل سؤال "النجاة" في عالم مضطرب، محوراً رئيسياً على طاولة قادة تلك الدول، يبزغ بشكل واضح في رسائلهم الواردة من "دافوس" رداً على السياسات الترامبية بما في ذلك عودة الحمائية الأميركية والرسوم الجمركية وتأثيراتها في هوامش حركة الدول المتوسطة.
ترامب وتفكيك النظام الدولي
بدأ ترامب في تفكيك النظام الدولي القائم على القواعد خلال ولايته الأولى في 2018، بشكل رئيسي من خلال فرض رسوم جمركية على الصين. وقد استمرّت إدارة بايدن في هذا المسار، عبر تنفيذ مجموعة من السياسات الصناعية والدعم المالي التي عمّقت تآكل منظمة التجارة العالمية، وأدت، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في أوكرانيا، إلى الأزمة الاقتصادية الحالية في أوروبا.
وعلى الرغم من أن التحول الهيكلي استند إلى مخزون كبير من القوة التجارية والنقدية الأميركية، إلا أنه يعكس في النهاية التراجع النسبي للولايات المتحدة في إطار النظام العالمي القائم، بحسب استاذ العلاقات الدولية في كلية هاملتون في نيويورك، آلان كفروني، الذي يقول لـ CNBC عربية، إن التحركات الأخيرة لترامب، سواء من خلال الحروب التجارية أو التهديد أو تنفيذ غزوات لدول ذات سيادة، ومحاولاته تجاوز الأمم المتحدة عبر ما سماه "مجلس السلام" الأميركي، تعكس تكثيفاً وترسيخاً لهذا التحول الهيكلي، الذي كان الأكثر دراماتيكية في عهده، لكنه من المرجح أن يستمر بأشكال تقليدية بعد انتهاء ولايته.
وبالرغم من طابع هذه التحركات الفريد لشخصية ترامب، فإن الانتقال إلى سياسات أحادية ومعاملات مصلحية جذوره الأساسية في التراجع النسبي للاقتصاد الأميركي على الصعيد العالمي، لا سيما مقارنة بالصين.
ومن الجدير بالذكر أن هناك مقاومة محدودة لسياسات ترامب الخارجية من قبل المحافظين الجدد داخل واشنطن الرسمية.
ماذا عن أوروبا؟
على الجانب الآخر من الأطلسي، يشير إلى أن دول الاتحاد الأوروبي، جماعياً وفردياً، تواجه مشكلات اقتصادية ضخمة، أبرزها ارتفاع مستويات الدين واعتمادها على السوق الأميركية والتكنولوجيا والمجمع الصناعي العسكري الأميركي. أما ألمانيا، التي كانت تُعد جوهرة أوروبا، فهي تشهد تراجعاً صناعياً سريعاً في ظل ارتفاع أسعار الطاقة. وبالتالي، فإن قدرة أوروبا على مواجهة سياسات ترامب -سواء فيما يتعلق بالرسوم الجمركية أو بالضغط الجيوسياسي- محدودة للغاية.
ويقدم وضع الدولار كعملة رئيسية مع اقتراب الدين الأميركي من 40 تريليون دولار فرصاً محدودة فقط. وقد أجبرت الضغوط في سوق السندات وتراجع أسواق الأسهم ترامب في أبريل الماضي على التراجع جزئياً عن الرسوم الجمركية المهددة. ومع ذلك، وكما أظهرت الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي الأخيرة، فقد ولّت أيام التوافق عبر الأطلسي وتضامن حلف الناتو، ومن غير المرجح أن تعود، وفق كفروني.
ويعتقد بأن فشل أوروبا في تطوير تكامل فعلي أوثق أدى إلى فقدانها مزيداً من السيادة وتعميق تبعيتها لواشنطن. ورغم صعود تعدد الأقطاب، إلا أن دول "بريكس" على سبيل المثال ليست موحدة بما يكفي لتقدم مقاومة ملموسة لأحادية واشنطن المتزايدة. وعلى النقيض، تمكنت الصين من التفاوض على أسس متكافئة مع الولايات المتحدة، كما يتضح من سيطرتها على سوق المعادن النادرة، ما أجبر ترامب على التراجع عن الرسوم الجمركية. وستتحدد خيارات ومسارات القوى المتوسطة وفقاً لمنطق البيئة الثنائية الناشئة.
فرص وتحديات أمام القوى المتوسطة
في هذا السياق أيضاً، يقول عالم السياسة الأميركي، الاستاذ بجامعة جورج ميسون، مارك ن. كاتز، يقول لـ CNBC عربية، إن هناك تحولاً مستمراً منذ سنوات عديدة بعيداً عن النظام الدولي القائم على القواعد. وقد تفاقم هذا التحول بلا شك بسبب نهج دونالد ترامب القائم على مبدأ "القوة هي الحق". فيما سيعود خليفة ترامب الديمقراطي إلى النهج الأمريكي التقليدي. أما خليفته الجمهوري، فقد يفعل ذلك أو لا. لكن سلوك ترامب، بلا شك، يُسرّع من وتيرة التحديات البنيوية التي تواجه النظام الدولي القائم على القواعد، وسيُصعّب استعادته.
وفي سياق الوضع الراهن، يشدد على أن مشكلة صفقات القوى الكبرى مع الدول الأخرى تكمن في أن تلك الدول لا تقبلها بالضرورة. وبالتالي، لن يكون من السهل على القوى الكبرى فرض صفقاتها في كل مكان، أو ربما في أي مكان، مضيفاً: "قد تتمتع القوى المتوسطة بنفوذ أكبر، لا أقل، في هذا النظام، لأنها أقدر من القوى الصغرى على التحوط بين القوى العظمى، فضلاً عن قدرتها على العمل بشكل مستقل عندما تكون القوى العظمى منشغلة بأمور أخرى"، من وجهة نظره.
وفي هذا السياق، يرى أن القوى المتوسطة تتمتع بفرصة أكبر لتحقيق مصالحها في بيئة ينهار فيها النظام القائم على القواعد، مستطرداً: "في الواقع، رأينا العديد منها - بما في ذلك تركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة - تلعب دورًا متزايد الفعالية.. وإذا ما واجهت هذه القوى أي عوائق، فإن ذلك يعود في الغالب إلى بعضها البعض أكثر من القوى العظمى العالمية (مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين)".
ومع انشغال روسيا في أوكرانيا، وتركيز الولايات المتحدة في عهد ترامب على العلاقات مع أوروبا وروسيا والصين، وعدم رغبة الصين في التدخل في أي مكان خارج جوارها، تتمتع القوى المتوسطة بحرية حركة أكبر، بحسب كاتز.
ما الذي يمكن للقوى المتوسطة فعله؟
من جانبه، يقول الاستاذ بجامعة لورييه الكندية، يورغ بروشيك، لـ CNBC عربية، إن الترابطات بين القوى المختلفة لا تزال قائمة (سياسياً واقتصادياً وأمنياً) وحتى اجتماعاً (مثل قضايا الهجرة) وكذلك المناخ، بينما تكمن المشكلة الرئيسية للقوى المتوسطة - كما أوضح كارني ذلك في خطابه في دافوس - في أن هذه الترابطات يمكن (بل إنها تُستغل بشكل متزايد) من قِبل القوى المهيمنة لتحويلها إلى تبعية، وبالتالي يتحول الترابط إلى تبعية.
ولتجنب هذا المأزق، يعتقد بأن الدول/ القوى المتوسطة بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى بذل جهد أكبر لتطوير نهج متماسك طويل الأمد، مضيفاً: "في الوقت الراهن، نشهد ردود فعل قصيرة الأجل تجاه التهديدات الوشيكة.. ما نحتاجه هو التريث والتفكير مليًا في إعادة تنظيم شاملة ومتماسكة للسياسات الرئيسية - التجارة، والصناعة، والبنية التحتية، والسياسة الخارجية، وغيرها.. وهذا له بُعدان: محلي ودولي. وبالطبع، يختلف شكل هذا التنظيم من بلد لآخر، تبعًا للظروف الخاصة بكل دولة".
على الصعيد المحلي، ثمة حاجة لنهج جديد للسياسة الصناعية (..) يقوم هذا النهج على مبدأ الاستقلالية الاستراتيجية - أي الاعتراف بالاعتماد على الخارج، مع السعي في الوقت نفسه إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الهشاشة.. وعلى الصعيد الدولي، فإن "التعاون، ثم التعاون، ثم التعاون بين الدول ذات التوجهات المتشابهة"، بحسب بروشيك، الذي يضيف: يُعدّ تعزيز العلاقات القائمة وتعميقها (مثل العلاقة بين كندا والاتحاد الأوروبي) وإنشاء علاقات جديدة تدعم وتحمي ما تبقى من طبقات النظام القديم، وإن كانت ضعيفة، أمراً بالغ الأهمية".
وهناك أدوات متاحة: خذ على سبيل المثال أداة مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي. ولا تقتصر هذه الأداة على الاتحاد الأوروبي، بل يمكن لدول أخرى من خارج الاتحاد الانضمام إليها.
لكنه لا يعتقد في الوقت نفسه بأن تنسيق القوى المتوسطة بمفردها كافٍ، مردفاً: "لنأخذ كندا مثالاً.. سيبقى القرب الجغرافي والعلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة قائمين.. وهذه مشكلة هيكلية (..)". ويستطرد: وهذا يُدخل الاتحاد الأوروبي في الحسبان.. فما زلت أعتقد بأن القوى المتوسطة ستعتمد على فاعل جيوسياسي أقوى، والمرشح الوحيد الذي أراه هو الاتحاد الأوروبي.. وما لم يبرز الاتحاد الأوروبي أخيرًا كقوة فوق وطنية أكثر توحيدًا تضطلع بدور قيادي، فسيكون من الصعب جدًا على القوى المتوسطة خلق ثقل موازن فعّال.
المنظمات الدولية والتعاون الإقليمي كطوق نجاة
وأمام هذا المشهد المُربك الذي يلف النظام الدولي بتفاعلاته الحالية، يصبح السؤال حول فعالية دور المؤسسات الدولية أكثر إلحاحاً بالنسبة للقوى المتوسطة، ذلك أن تلك المؤسسات –نظرياً- تمثل اختباراً لقدرتها على المناورة في نظام عالمي غير مستقر، لا سيما وأن التراجع الأميركي عن التزامات متعددة الأطراف والضغط على مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية يضع هذه الدول أمام معضلة حقيقية: هل يمكنها الاستمرار في الاعتماد على قواعد النظام القديم –الذي أقر كارني في رسالته بأنه لن يعود- أم أن عليها إعادة صياغة استراتيجياتها لتكون أقل اعتماداً على الحماية الخارجية وأكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها الخاصة عبر استراتيجية تنويع المخاطر؟
كذلك في هذا السياق أيضاً يظهر البعد الإقليمي كنقطة ارتكاز حيوية أخرى لتلك القوى؛ إذ يمثل الإقليم مساحة للمناورة والتحالفات العملية بعيداً عن تقلبات السياسة الأميركية، ذلك أن التحالفات الإقليمية توفر لها فرصة لتقوية نفوذها وتأمين مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على الأمن القومي في مواجهة الضغوط الدولية، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتها على تأكيد سيادتها دون أن تقع في فخ الاصطفافات.
ولا يأبه الرئيس الأميركي بدور الأمم المتحدة، فبينما أقر بأهمية بقائها لما لها من إمكانيات، فإنه في الوقت نفسه لا يرى أنها قامت بالأدوار المنوطة بها، متمسكاً برواية أنه وحده من نجح في إنهاء الحروب وإنقاذ ملايين البشر، وهو دور كان حري على المنظمة القيام به، وذلك في معرض ردّه على سؤال صحافي وُجه إليه خلال حضوره المفاجئ للإحاطة الإعلامية بالبيت الأبيض مساء الثلاثاء 20 يناير/ كانون الثاني، عندما سئل عن ما إذا كان مجلس السلام التابع له بديلاً للأمم المتحدة.
تنصل إدارة ترامب من القانون الدولي
في هذا السياق، تقول عالمة السياسة البريطانية، الأستاذة في جامعة أوكسفورد، روزماري فوت، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية، إن "تنصّل إدارة ترامب من قيمة القانون الدولي ومرجعيته ستكون له تداعيات بعيدة المدى". ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أن تسعى إدارة أميركية مستقبلية إلى محاولة ترميم جزء من هذا الضرر، وإن كانت مهمة شاقة ومعقدة وتتطلب وقتًا طويلًا.
وفيما يخص خيارات القوى المتوسطة في سياق هذا المشهد، تشير إلى أن ثمة قوى مماثلة تعرضت لضغوط كبيرة "لكنها لم ترضخ في نهاية المطاف لثنائية الاختيار بين هذا الطرف أو ذاك".
ويتوقف الأمر، إلى حدّ ما، على مستويات الاعتماد الاقتصادي والسياسي على القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين. وفي هذا السياق، تفكر العديد من الدول في تنويع علاقاتها الخارجية لتقليص هامش الضغط الواقع عليها.
وتضيف: "لا تزال أمام القوى المتوسطة فرص للتلاقي والعمل المشترك ضمن أطر متعددة، مثل مجموعة العشرين، والأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية المختلفة"، غير أنها تشدد على أن "درجة الاستعداد للاضطلاع بدور فاعل تختلف من دولة إلى أخرى، كما أن اتساع مفهوم القوى المتوسطة وتنوعه يجعل مهمة البحث عن مصالح مشتركة أكثر تعقيدًا، وإن لم تكن مستحيلة".
هامش المناورة
لكن في وجهة نظر مغايرة، لا يعتقد الاستاذ بقسم العلوم السياسية في جامعة ألبرتا الكندية، غريغ أندرسون، بأننا قد وصلنا إلى مرحلة تُجبر فيها الدول على "الاختيار" بين منظومة تقودها الولايات المتحدة وأخرى ترتكز على الصين.
ويضيف: "يميل كثيرون إلى تبسيط الأمور عبر ثنائيات على شاكلة الحرب الباردة لأنها أسهل في الفهم، لكن السياسة العالمية ليست بهذه البساطة.. فعلى سبيل المثال، دأبت كندا في كثير من القضايا على انتهاج مسار مختلف قليلًا عن الولايات المتحدة، وغالباً ما كان ذلك يثير استياء من كان في البيت الأبيض آنذاك.. كما أن مجموعات من الدول أسست حركات مثل "حركة عدم الانحياز" أو "مجموعة الـ77" للإشارة إلى استقلالها عن القوى المهيمنة عالمياً. وهناك حديث في دافوس عن ربط دول اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ بالاتحاد الأوروبي بشكل أو بآخر. وقد أبرم الاتحاد الأوروبي مؤخراً اتفاقاً كبيراً مع تكتل "ميركوسور".. ولذلك، فهناك هامش واسع للمناورة.
وحول ما يرتبط بتحميل ترامب مسؤولية التحولات ببنية النظام الدولي، يقول أندرسون إن إحدى الطرق التي يحاول من خلالها فهم دونالد ترامب هي النظر إليه بوصفه تجسيداً لما كان يتطور بالفعل، لا بوصفه صانع هذا التحول أو مصدره؛ فقد استثمر ترامب التآكل طويل الأمد للنظام القائم على القواعد. ويعتقد بأنه لم يكن انتخاب ترامب في 2016 هو الطلقة التحذيرية الأكبر، بل كان "بريكست" هو الإشارة الأوضح إلى أن شيئاً ما كان يتخمّر منذ فترة طويلة.
ويضيف إن "ترامب على الأقل صريح في ازدرائه لاختلالات البنية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.. فكثير من القادة الآخرين اكتفوا بترديد عبارات مجاملة عن هذه المنظومة من دون أن يفعلوا الكثير حيالها. ومثال ذلك هيئة الاستئناف في منظمة التجارة العالمية، التي أصبحت عملياً مشلولة منذ إدارة بوش، ولم يقدم أي رئيس أميركي بعد ذلك على خطوات جدية لإصلاحها".
ويتبنى أندرسون شكوكاً حول مفهوم "القوى المتوسطة"، مشيراً إلى أنه دائماً ما كان ضبابياً، من حيث من تُعد قوة متوسطة، أو ما الذي يُفترض بهذه القوى أن تقوم به، معتبراً أن هذا المفهوم هو جزئياً "اختراع كندي"، نتج عن سياسات التقشف الحكومي في تسعينيات القرن الماضي (..) وقد وصفه منتقدون بأنه ليس أكثر من "سياسة خارجية منخفضة التكلفة".. فعندما تصف دول نفسها بقوة متوسطة، فهي تزعم درجة من الأهمية على الساحة الدولية توحي بأنها تستحق مقعداً على الطاولة، وأن لديها وزناً ينبغي أخذه على محمل الجد في الشؤون العالمية. غير أن القوى المتوسطة تستطيع بسهولة التراجع عندما يصبح الانخراط الجدي غير مريح، أو مكلفاً، أو ذا كلفة سياسية داخلية. وهذا ما يفضي إلى سياسة خارجية يغلب عليها الخطاب والموعظة الأخلاقية أكثر من الفعل الجوهري.
اقرأ أيضاً: "العقوبات الأميركية".. واشنطن تغامر بفقدان أحد أهم أسلحتها
وبينما يقدّم أندرسون قراءة تفكّك السرديات السهلة حول الاستقطاب العالمي، ويُسقط الهالة الأخلاقية عن مفهوم "القوى المتوسطة"، يبقى السؤال العملي معلقاً: إذا لم يكن العالم محكوماً بثنائية صارمة، وإذا كانت الخطابات الكبرى لا تكفي وحدها لصنع نفوذ حقيقي، فكيف يمكن للدول المتوسطة أو الأصغر حجماً أن تتحرك بفاعلية داخل هذا الهامش الرمادي؟
ومن ثم ينتقل النقاش من تشريح بنية النظام الدولي واختلالاته، إلى اختبار أدوات الفعل السياسي وحدود القوة، حيث لا تُقاس المكانة بما يُقال، بل بما يمكن تحمّله وتحقيقه فعلياً على أرض الواقع.
الحكمة السياسية.. وحدود النفوذ
ونحو مقاربة لما يمكن للقوى المتوسطة القيام به، يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نوتردام، والمدير المؤسس لمركز نوتردام للأمن الدولي، مايكل ديش، لدى حديثه مع CNBC عربية، أن "المجال مفتوح دائم للحكمة السياسية، حتى بالنسبة للقوى الأضعف"، مشيراً إلى أن "قائمة الدول الصغيرة التي تتمتع بنفوذ يفوق حجمها في السياسة الدولية طويلة.. لكن المفتاح يكمن في أن يدرك قادتها حدود نفوذهم، وكذلك أولوية المصلحة في سلوك الدول الأخرى، وخاصة القوى العظمى".
ويشير إلى أن هناك الكثير من الحديث عن التحالفات باعتبارها "قائمة على القيم" و"علاقات خاصة" مبنية على قيم مشتركة، ولكن كما قال وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون سابقاً: "ليس لدينا حلفاء أبديون، وليس لدينا أعداء دائمون.. مصالحنا أبدية ودائمة، ومن واجبنا السعي لتحقيقها". وبالمثل، وكما قال ستيف كراسنر من جامعة ستانفورد، فإن السيادة "نفاق منظم"، والقوة (أو انعدامها) هي التي تحدّ منها.
سيناريوهات المستقبل
على الجانب الآخر، فإن حقيقة أن القوى المتوسطة لم تعد تملك رفاهية التحرك وفق قواعد واضحة، وأن أي خطأ في التقدير قد يضعها مباشرة في مواجهة اختيارات صعبة بين التحالفات الكبرى. وبالتالي يبقى التفكير الاستراتيجي حول المستقبل أمراً ملحاً، إذ يتعين على تلك الدول أن تقيم السيناريوهات المحتملة للنظام الدولي المُعاد تشكيله وتحدد المواقع التي يمكن أن تشغلها ضمنه.
ومع تصاعد النزعة الانعزالية الأميركية، يبرز السؤال عن السيناريو الأسوأ الذي ينبغي أن تستعد له القوى المتوسطة؛ فغياب القيادة الأميركية الواضحة قد يؤدي إلى فراغ في النظام العالمي، فتجد هذه الدول نفسها مضطرة للتعامل مع صدام مصالح القوى الكبرى، أو مواجهة أزمات اقتصادية وأمنية لم تعد فيها مظلة دولية لحمايتها. وهذا الاحتمال يجعل الحاجة إلى التخطيط الاستباقي والتعاون الإقليمي والدولي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
اقرأ أيضاً: كم عملية عسكرية شنتها إدارة ترامب خلال عامه الأول؟
وفي ضوء ذلك، يصبح تحديد الخطوط الحمراء شرطاً أساسياً لاستمرار القدرة على المناورة. ومن ثم تبقى تلك القوى مطالبة بوضع حدود واضحة لما يمكن القبول به في عالم يسوده منطق القوة والصفقات لا التحالفات الدائمة التقليدية، بحيث تحافظ على سيادتها واستقلالية قراراتها، دون الانجرار إلى صراعات قد تؤدي إلى فقدان موطئ قدمها في النظام الدولي.
سيناريوهات ما بعد ترامب
استاذ العلوم السياسية في جامعة هاملاين، ديفيد شولتز، يقول في تحليله الذي خص به CNBC عربية إن النظام الدولي القائم على القواعد، الذي تشكّل منذ العام 1945، تماسك بفعل الهيمنة العالمية للولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
لكنه يضيف أن العديد من الدول، بما في ذلك الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى، باتت تنظر على نحو متزايد إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة آخذة في التراجع من حيث النفوذ والتأثير.
ويشكّل صعود الصين وتكتل "بريكس" الأوسع تحديًا مباشرًا للهيمنة الأميركية (..)، مشيراً إلى التذبذب (الأميركي) بين الانخراط الدولي والانكفاء إلى الداخل.
وفي سيناريوهات تالية لما بعد ترامب، يرى أنه ""قد تكون هناك محاولات لإعادة ترميم بعض عناصر النظام القائم على القواعد، إلا أن جزءاً كبيراً منه بات مكسورًا بالفعل. فقد أضعفت الولايات المتحدة تحالفات أساسية أو تخلّت عنها، وتعرّض حلف الناتو نفسه لأضرار دائمة. كما بدأت كندا والمكسيك بالفعل في تنويع شراكاتهما التجارية بعيدًا عن الولايات المتحدة بوصفها الشريك التجاري الأساسي. وستكون هذه التحولات صعبة العكس".
سيكون من الصعب -في تقدير شولتز- إعادة تجميع كل القطع. فيما بات النظام القائم على القواعد، على نحو متزايد، يعمل كواجهة شكلية أكثر منه واقعاً حاكماً فعلياً. وستواصل الدول، وبصورة أكثر صراحة، استخدام القوة والإكراه لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، مع تغليف هذه الأفعال بادعاءات قانونية بالامتثال للقانون الدولي.
وما سينشأ هو شكل من "الحرب القانونية" الدولية. فالمبادئ القانونية الدولية ستُستدعى لإخفاء سياسات القوة بدلًا من تقييدها. وسيُستخدم القانون بوصفه أداة نفعية لا معياراً قيمياً، وستكون النتيجة نظامًا قانونيًا عالميًا أكثر تشاؤمًا وسخرية.
ويعتقد بأنه من المرجح أن يكون النظام العالمي المستقبلي متعدد الطبقات. وستتركز القوة في أيدي قوى عظمى عالمية مثل الولايات المتحدة والصين، وربما روسيا أو السعودية أو البرازيل. وقد يصبح النظام ثنائي القطبية أو ثلاثياً أو متعدد الأقطاب على نطاق واسع، مدفوعاً ربما بتكتل "بريكس". ومهما كان التشكيل، فإن الهرمية ستظل السمة الحاكمة للنظام.
وتحت مستوى القوى العظمى العالمية، ستبرز قوى إقليمية متوسطة. وستكون هذه الدول شبه مستقلة، تعمل بوصفها عملاء للقوى الكبرى، وفي الوقت نفسه رعاة لدول أصغر داخل دوائر نفوذها الإقليمية. وستكون درجة استقلاليتها مقيدة لكنها ذات مغزى، إذ ستؤثر في نتائج أقاليمها مع بقائها معتمدة على رعاة أعلى مستوى، بحسب شولتز.
وهكذا يتشكل نظام هرمي ثلاثي المستويات: في القمة قوى عظمى عالمية، وتحتها قوى إقليمية تؤدي دور الراعي والعميل في آن واحد، وفي القاعدة دول أصغر تعمل إلى حدٍّ كبير كعملاء داخل دوائر النفوذ الإقليمية.
هذا، على الأرجح، هو النظام العالمي الآخذ في التشكل. ستبقى الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً، لكن بوصفها قوة عظمى واحدة بين قوى أخرى. وسيعتمد نفوذها بدرجة كبيرة على تعاون القوى المتوسطة والحلفاء الإقليميين. ولن تعود قادرة على قيادة النظام كما كانت في السابق، بحسب تحليل شولتز.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي