ثورة هادئة يبدأها الشباب.. هل بدأ موسم التخلي عن وسائل التواصل الاجتماعي؟

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

يُعدّ الانقطاع التام عن العالم الرقمي أحدث صيحة رائجة بين الشباب، ومن المفارقات أنها تنتشر بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ينسحب الباحثون عن الهدوء وتعزيز الصحة النفسية والعقلية عن فوضى تدفق القصص والمعلومات وضجيج السوشيال ميديا المزدحم. 

قام مدير الحسابات مات ريتشاردز، البالغ من العمر 23 عاماً، بحذف جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفه العام الماضي، وفوجئ بتحسن حياته بشكل ملحوظ.


اقرأ أيضاً: من يوتيوب إلى مايكروسوفت.. لماذا يقيد رؤساء شركات التكنولوجيا استخدام أبنائهم لوسائل التواصل الاجتماعي؟


كان ريتشاردز يستخدم هاتفاً ذكياً منذ أن كان في الحادية عشرة من عمره، ونشأ مع هذا الجهاز كمعظم أبناء جيل الألفية وجيل زد. إلا أنه لاحظ في السنوات الأخيرة أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد ممتعة كما كانت، مع انتشار المحتوى الرديء المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وإعلانات المؤثرين للعلامات التجارية، والمقارنات المستمرة بين أنماط الحياة.

وقال ريتشاردز لموقع CNBC Make It: "أعتقد أن الناس في الماضي كانوا يهربون من الواقع باستخدام هواتفهم، أما الآن فهم يبتعدون عنها ليقضوا وقتاً في العالم الحقيقي".

مع انتشار هذه الظاهرة بين العديد من أصدقائه من جيل زد، لاحظ فوائد فورية، بدءاً من التواصل مع الناس في الواقع وصولًا إلى تعزيز ثقته بنفسه.

يُعدّ الانقطاع التام عن العالم الرقمي أحدث صيحة رائجة بين الشباب، ومن المفارقات أنها تنتشر بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي. مؤخر انتشر مقاطع فيديو على تيك توك لأشخاص يتعهدون بحذف تطبيقات التواصل الاجتماعي بحلول عام 2026 والانخراط أكثر في هوايات واقعية وشخصية.

عندما اكتشاف هذا التوجه، نشرَ محرر CNBC Make It على لينكدإن ليرى مستوى التفاعل بين الشباب ومدى استعدادهم للتحدث عن الابتعاد عن العالم الرقمي. ووللدهشة تلقى ما يقارب مئة ردٍّ من جيل زد وجيل الألفية، يشاركون قصصاً عن التخلص من إدمان وسائل التواصل الاجتماعي والإرهاق الرقمي.

في هذه المقابلات الافتراضية تحدث الشباب عن استبدال هواتفهم الذكية بالهواتف التقليدية، وزيارة متاجر الأسطوانات لشراء الفينيل، وممارسة هواياتٍ تقليدية كالحياكة، والأهم من ذلك كله، التواصل مع أصدقائهم وجهاً لوجه.

أظهر استطلاع أجرته شركة ديلويت عام 2025 حول اتجاهات المستهلكين، وشمل أكثر من 4000 بريطاني، أن ما يقرب من ربع المستهلكين حذفوا تطبيقاً من تطبيقات التواصل الاجتماعي خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وترتفع هذه النسبة إلى ما يقرب من الثلث بين جيل زد.

في الوقت نفسه، انخفض استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مطرد منذ أن بلغ الوقت الذي يقضيه الأفراد على هذه المنصات ذروته في عام 2022، وذلك وفقاً لتحليل أجرته صحيفة فايننشال تايمز بالتعاون مع شركة GWI المتخصصة في تحليل الجمهور الرقمي، والذي شمل عادات استخدام الإنترنت لـ 250 ألف بالغ في أكثر من 50 دولة.

وعلى الصعيد العالمي، بلغ متوسط ​​الوقت الذي يقضيه البالغون من عمر 16 عاماً فأكثر على منصات التواصل الاجتماعي ساعتين و20 دقيقة يوميًا بحلول نهاية عام 2024، بانخفاض يقارب 10% منذ عام 2022، بحسب التقرير. وكان هذا الانخفاض ملحوظاً بشكل خاص بين المراهقين والشباب في العشرينات من العمر.

رئيس مركز ديناميكيات الأجيال جيسون دورسي، قال إن تزايد "الخطاب العدائي والانقسام" على الإنترنت، حتى من جانب بعض القادة والسياسيين، يدفع الشباب إلى الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي سعياً وراء مزيد من التحكم في حياتهم.

وأضاف دورسي: "نلاحظ أن فئة من جيل زد وجيل الألفية تختار ترك وسائل التواصل الاجتماعي تماماً، وربما فئة أكبر تختار الحدّ من استخدامها فقط، في محاولة لاستعادة ما تسعى إليه: التوازن والأمان والاستقرار في حياتها".

منصات ضغط

يُرجع الشباب الذين يحذفون حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي أسباب ذلك إلى تزايد ضغوط التواجد على الإنترنت، فضلاً عن تأثيرها السلبي على صحتهم النفسية.

وفق استطلاع رأي أجرته شركة ديلويت يظهر أن ما يقرب من ربع المشاركين الذين حذفوا تطبيقات التواصل الاجتماعي أفادوا بأن هذه التطبيقات أثرت سلباً على صحتهم النفسية واستهلكت الكثير من وقتهم.

وقال ريتشاردز: "أشعر أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أشبه بمنصة ضغط... يُعرض عليك كل شيء في كل مكان"، مضيفاً أن ذلك أثر على شعوره الشخصي بعدم امتلاك ما يكفي من الأشياء أو عدم تحقيق ما يكفي في مسيرته المهنية.

وبالمثل، قالت رائدة الأعمال لاسي ستيس، البالغة من العمر 36 عاماً، إنها تُقلل من استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي لأنها "تُضعف" صحتها النفسية، على الرغم من أهميتها البالغة لعملها.

وأضافت: "نحن غارقون باستمرار في كم هائل من المعلومات... عقولنا غير قادرة على استيعاب هذا الكم الهائل. إننا في الواقع نُضعف قدرة عقولنا على التأمل والاستماع إلى أنفسنا، ونُقيّم أشياءً كثيرة لا تُمثل أهمية حقيقية لنا".


Thumbnail for 0613bf2304.jpg

اقرأ أيضاً: حماية الأطفال عبر الإنترنت.. موجة عالمية لتأمين تقنيات السلامة باستخدام الذكاء الاصطناعي


عمالقة التكنولوجيا يواجهون "ضغوطاً هائلة" لتحقيق الربح من كل شيء وزيادة الإيرادات والأرباح، وهو ما قد يُنفر الأجيال الشابة، بحسب دورسي.

وتابع دورسي: "نتيجة لذلك، فإن جيل زد، الحساس أصلًا للإعلانات، فهم الجيل الأكثر تعرضاً للإعلانات في تاريخ العالم، يتعرضون الآن لمزيد من الإعلانات، وتبدو صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها سلسلة متواصلة من الإعلانات".

التواجد خارج الإنترنت هو "الموضة" 

مع تراجع شعبية وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظ مدير الحسابات ريتشاردز أن الأشخاص الذين انقطعوا عن الإنترنت أصبحوا أكثر جاذبية. ففي الماضي، كان امتلاك عدد كبير من المتابعين يُعتبر أمراً رائعاً، لكن هذه الجاذبية تلاشت، كما أشار ريتشاردز.

وقال: "نشهد بوضوح اتجاهاً جديداً حيث يتمتع الأشخاص الذين لا يتواجدون على الإنترنت، والذين يصعب الوصول إليهم، بنوع من الجاذبية، فهم لا يحتاجون إلى تقدير من خلال عدد الإعجابات أو المتابعين... ويعيشون حياتهم كما لو كانوا في الثمانينيات".

مديرة وسائل التواصل الاجتماعي جوليانا سالغيرو، البالغة من العمر 31 عاماً، اعتبرت أن وسائل التواصل الاجتماعي فقدت جاذبيتها عندما بدأ السياسيون والعلامات التجارية باستخدامها.

وأضافت سالغيرو: "كلما رأينا العلامات التجارية والمسؤولين الحكوميين وغيرهم يتواجدون على الإنترنت بنفس قدر تواجدك كمستخدم عادي، كلما زادت رغبتك في الابتعاد عن هذه المنصات والتحول إليها".

في ظلّ معاناة جيل الإنترنت في تكوين صداقات وإيجاد شركاء حياة، يتجهون بدلاً من ذلك إلى الفعاليات المباشرة مثل اللقاءات السريعة وفعاليات التواصل المهني، مشيرين إلى الشعور بالوحدة والعزلة كدافع رئيسي.

محاضرة الإعلام الرقمي في جامعة شيفيلد، إيزابيل جيرارد، اعتبرت أن الابتعاد عن العالم الرقمي يُمكّن الشباب من استعادة السيطرة على حياتهم. وأضافت أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تُجبر المستخدمين على خوض "عملية مُرهقة للغاية" تتمثل في بناء هوية جديدة وتعديل صورتهم.

وأوضحت جيرارد قائلةً: "هناك كمّ هائل من الدراسات التي تُؤكد لنا أنّ الشخصية التي نُظهرها على وسائل التواصل الاجتماعي ليست، ولا يُمكن أن تكون، هي نفسها الشخصية التي نُظهرها في الواقع. إنّها أكثر بكثير من مجرد موضة عابرة".


شاهد أيضاً: في عصر الهواتف الذكية .. كيف تربي أبناء ناجحين؟


قال المحلل كريس بير من شركة GWI إنه يعتقد أن هذا "تصحيح طبيعي لما بعد الجائحة"، إذ يقضي الناس وقتاً أقل في المنزل، وبالتالي وقتاً أقل على وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا التحول "يعود في معظمه إلى إعادة توزيع الوقت بشكل هيكلي"، لا سيما بالنسبة للمستخدمين الأصغر سناً، وليس "رفضاً تاماً للوسائط الرقمية نابعاً من موقف معين" وفق بير، الذي أكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تزال جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس في مجالات تشمل التسوق والأخبار والتعليم.

عاد العالم التناظري

في منشور على منصة Substack في سبتمبر/أيلول، حصد 5000 إعجاب، عبّرت سالغيرو عن حنينها إلى حياة التسعينيات، حين لم تكن تطبيقات المواعدة والتصفح المُفرط للأخبار السلبية من متطلبات مرحلة الشباب.

لم يكن مقالها، بعنوان "كيف تعود إلى العالم التناظري"، يدور حول الانقطاع عن العالم الرقمي أو ضبط مؤقتات للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. بل استعرضت سالغيرو جميع الهوايات التي يُمكن ممارستها بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي، بدءاً من الخروج في مواعيد غداء، مروراً بكتابة الرسائل الورقية، وصولًا إلى اختيار الوسائط الملموسة كالصحف.

وقالت سالغيرو إن العودة إلى العالم التناظري تُعدّ "ثورة هادئة" ضد وسائل التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، ووفرة المحتوى. وتابعت "عندما تقضي وقتاً طويلًا في هذا العالم، يُعاد برمجة دماغك ليدرك الأشياء بطريقة آلية، بينما أفضل إدراكها كما أراها". وأضافت: "لذا، بالنسبة لي، لا يعني التحول إلى العالم المادي بالضرورة التخلص من هاتفي، بل يتعلق الأمر أكثر بكيفية إعادة ضبط علاقتي به".

في الواقع، يتجه الشباب بشكل متزايد نحو الوسائط المادية بحثاً عن استراحة من الحياة الرقمية. يشتري البعض أسطوانات الفينيل ومشغلاتها، بينما يلجأ آخرون إلى الهواتف القلابة، وهي من مخلفات الألفية الجديدة.

وقالت ستايس إنها وصديقها بدآ في تكوين مجموعة من الأسطوانات ويزوران متاجرها كلما سنحت لهما الفرصة.

أما ريتشاردز، فبعد حذف جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفه الذكي، قال إن حديثه مع برنامج CNBC Make It حفّزه على شراء هاتف تقليدي أيضاً، ليعود إلى زمن كانت فيه الهواتف تُستخدم أساساً لإجراء المكالمات.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة