بعد سنواتٍ من ضبط الإنفاق في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، باتت وول ستريت تمنح الرؤساء التنفيذيين مكافآت قياسية.
فقد حصل الرؤساء التنفيذيون في أكبر البنوك الأميركية جميعاً على تعويضات سنوية لا تقل عن 40 مليون دولار، متجاوزةً بذلك الأرقام القياسية المسجّلة في عامَي 2006 و2021. وكان رئيس بنك Bank of America، Brian Moynihan، أحدثَ من كُشف عن تعويضه، إذ ارتفعت مكافأته 17% خلال العام الماضي لتصل إلى 41 مليون دولار.
كما أعلنت Citigroup هذا الأسبوع أنها رفعت تعويض الرئيسة التنفيذية Jane Fraser بنسبة 22% ليبلغ 42 مليون دولار لعام 2025، في إشارةٍ إلى ثقة مجلس الإدارة بقدرتها على إعادة الشركة إلى مسار التعافي بعد سنواتٍ من الأداء الأضعف مقارنةً بالمنافسين.
تعكس هذه المدفوعات عاماً استثنائياً لقطاع البنوك، إذ سجّلت أكبر المؤسسات المالية في الولايات المتحدة أعلى أرباح سنوية لها منذ عام 2021. فقد قامت بنوك JPMorgan Chase وGoldman Sachs وBank of America بزيادة إجمالي مخصصات المكافآت لمصرفييها ومتداوليها بما لا يقل عن 10%، مستفيدةً من عامٍ قوي في إبرام الصفقات ونشاط الأسواق.
وقال Alan Johnson، المدير الإداري لدى Johnson Associates، في مقابلة: إن «الرؤساء التنفيذيين حققوا عاماً ممتازاً من حيث التعويضات. فقد كان عاماً قوياً للبنوك، مع خسائر محدودة وأرباح كبيرة، وأعتقد أنهم أداروا أعمالهم بكفاءةٍ عالية».
شاهد أيضاً: الائتمان الخاص.. واحد من أسرع القطاعات نمواً في وول ستريت الآن
ولم تُسجَّل رواتب ضخمة بهذا الحجم لرؤساء البنوك منذ ما قبل الأزمة المالية. ففي عام 2007، منح بنك Goldman Sachs رئيسه التنفيذي آنذاك Lloyd Blankfein تعويضاً بلغ 68.5 مليون دولار، وهو رقم قياسي في ذلك الوقت لرئيس في وول ستريت. وفي العام نفسه، دفعت خسائر الرهن العقاري نظراء بلانكفاين في Morgan Stanley وBear Stearns إلى التخلي عن مكافآت نهاية العام.
كما دفعت Lehman Brothers للرئيس التنفيذي Richard Fuld تعويضاً قدره 40 مليون دولار عن عام 2007، بعدما سجلت الجهة المصدّرة لسندات الرهن العقاري أرباحاً قياسية وخسائر محدودة في قروض الرهن عالية المخاطر. غير أن الشركة تقدمت بطلب الإفلاس في العام التالي، وأُقيل فولد من منصبه من دون أي تعويض إنهاء خدمة أو مكافأة.
في ذلك الوقت، خضعت رواتب كبار التنفيذيين لتدقيقٍ شديد من جانب أعضاء House Committee on Oversight and Government Reform، الذين استجوبوا مسؤولي وول ستريت بشأن تقاضيهم مئات الملايين من الدولارات كتعويضات، في وقتٍ كان فيه المساهمون يتحمّلون العبء الأكبر من خسائر شطب الأصول الناجمة عن انهيار سوق الرهن العقاري عالي المخاطر.
يبدو القطاع اليوم مختلفاً إلى حدٍّ كبير، إذ أسهمت قواعد عام 2010 الصادرة بموجب قانون «دود-فرانك» في الحدّ من نزعة البنوك الكبرى إلى المخاطرة، بما يعزّز استقرارها ويقلّل احتمال حاجتها إلى خطط إنقاذ خلال فترات التباطؤ الاقتصادي.
وبالنسبة لعام 2025، حصل الرئيس التنفيذي لبنك Goldman Sachs، David Solomon، على أعلى تعويض بين نظرائه عند 47 مليون دولار، بزيادةٍ قدرها 21% مقارنةً بالعام السابق، لكنه لا يزال أقل بكثير من تعويض سلفه قبل نحو عقدين، Lloyd Blankfein.
وقال Mike Mayo، رئيس أبحاث البنوك الأميركية ذات القيمة السوقية الكبيرة لدى Wells Fargo، في مقابلة: «هناك ارتباط بين الأجور والأداء، وقد تحسّن الأداء ومن المرجّح أن يواصل هذا التحسّن. كما أن جزءاً كبيراً من رواتبهم يُدفع في صورة أسهم، ما يساعد على مواءمة مصالحهم مع مصالح المساهمين».
وتأتي الزيادات في تعويضات سولومون ومنافسيه في وقتٍ يركّز فيه القطاع بأسره على الأجور وغيرها من النفقات، مع تزايد القلق بشأن تكاليف الموظفين والتكنولوجيا الناشئة في ظلّ تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وقد وجد التنفيذيون في البنوك الكبرى أنفسهم يواجهون مراراً تساؤلات حول مسار نفقاتهم في سعيهم إلى تحقيق نمو الإيرادات.
وارتفعت رواتب الرؤساء التنفيذيين للبنوك بالتوازي مع الأرباح، التي دعمتها أنشطة التداول والإقراض وعودة إبرام الصفقات. ورغم أن حزم التعويضات التنفيذية واجهت بعض الاعتراضات من المساهمين، فإنها مرّت عموماً من دون معارضةٍ كبيرة عند التصويت عليها.
كيف أيضاً: أسهم البرمجيات.. كيف تقيم وول ستريت مستقبل القطاع بعد التراجع التاريخي؟
وفي العام الماضي، حاز بنك غولدمان على دعم الأغلبية لمقترح الأجور، حتى بعد تعرّض مكافآت الاحتفاظ التي بلغت 80 مليون دولار لكلٍّ من سولومون ورئيس البنك John Waldron لانتقاداتٍ باعتبارها مفرطة. وكانت الشركة قد برّرت تلك المدفوعات بالحاجة إلى الاحتفاظ بالقيادات التنفيذية في ظلّ المنافسة مع مستثمرين ذوي ملاءةٍ ماليةٍ كبيرة في أسواق الاستثمار الخاص.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي