منذ اندلاع الحرب تكبّد الاقتصاد الأوكراني خسائر عميقة ومركّبة مست مختلف مفاصل الدولة، بدءاً من انكماش الناتج المحلي وتدمير البنية التحتية الحيوية، مروراً بتراجع الصادرات الزراعية والصناعية وتعطل الموانئ وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى نزوح الملايين واستنزاف سوق العمل وتآكل القاعدة الضريبية.
كما واجهت المالية العامة ضغوطاً غير مسبوقة بفعل تضخم الإنفاق العسكري وتراجع الإيرادات، ما جعل الاقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على المساعدات الخارجية والقروض الطارئة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار النقدي والخدمي.
على مدار أربع سنوات، تحوّلت الخسائر من صدمة ظرفية إلى تحدٍّ هيكلي يهدد مسار التنمية ويضاعف كلفة إعادة الإعمار لعقود مقبلة.
خاص- CNBC عربية- محمد سالم
تكبد الاقتصاد الأوكراني خسائر هائلة منذ بداية الحرب في فبراير/ شباط، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 30% في 2022، لكنه عاد للنمو بنسبة 5.7% في 2023 وفق البنك الوطني الأوكراني، لكن وتيرة النمو تراجعت عام 2025، واستقر الناتج المحلي الإجمالي عند حدود 194 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي.
شهد الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا تقلبات جذرية تعكس صدمات الجائحة ثم تداعيات الحرب، وذلك وفقاً لبيانات البنك الدولي.
عام 2020: بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 156.6 مليار دولار، مسجلاً انكماشاً بنسبة 4% نتيجة الإغلاقات المرتبطة بجائحة كوفيد-19.
عام 2021: حقق الاقتصاد تعافياً ملحوظاً ليصل إلى قرابة 200 مليار دولار، مدعوماً بارتفاع أسعار الصادرات الزراعية والمعدنية عالمياً.
عام 2022 (عام اندلاع الحرب): تراجع الناتج بشكل حاد ليصل إلى حوالي 162 مليار دولار، لكن النسبة الحقيقية للانكماش كانت لافتة حيث بلغت 29.1%، وهي واحدة من أكبر التراجعات الاقتصادية في التاريخ الحديث نتيجة توقف الصناعات الكبرى وتضرر البنية التحتية.
عام 2023: أظهر الاقتصاد مرونة غير متوقعة بنمو حقيقي قدره 5.3%، ليصل الناتج إلى 178.8 مليار دولار، بفضل استقرار طرق التصدير البديلة والمساعدات المالية الدولية الضخمة التي حافظت على استقرار العملة.
عام 2024: تشير التقديرات إلى نمو معتدل بنسبة 3.2%، ليرتفع الناتج إلى حوالي 188-190 مليار دولار، رغم التحديات الكبيرة في قطاع الطاقة.
عام 2025: استقر الناتج المحلي الإجمالي عند حدود 194 مليار دولار وفق التقديرات الأولية، مع تباطؤ وتيرة النمو إلى قرابة 2.5%، نتيجة استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع وتأثيرات الهجرة القسرية على سوق العمل.
اقرأ أيضاً:
لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟ (خاص CNBC عربية)
ما هي أبرز سيناريوهات الحرب في أوكرانيا؟ (خاص CNBC عربية)
توضح هذه الأرقام أن الاقتصاد الأوكراني، رغم استعادته لبعض عافيته "رقمياً" بالدولار، إلا أنه لا يزال أصغر بنسبة كبيرة مما كان عليه قبل الحرب من حيث القدرة الإنتاجية الفعلية، ولا يزال يعتمد بشكل حيوي على التدفقات المالية الخارجية لسد العجز في الميزانية.
وبحلول 2026، تشير التوقعات إلى نمو يتجاوز 4% سنوياً مدفوعاً بقطاع الدفاع والتمويل الأوروبي طويل الأمد، في وقت تسعى كييف إلى إعادة بناء اقتصادها المنهك.
الخسائر البشرية
تعد الخسائر البشرية بين طرفي النزاع مثار جدل كبير، نظراً لميل كلا الطرفين للتقليل من حجم خسائره ومحاولة التضخيم من الخسائر التي مني بها خصمه.
ويعلق خبير العلاقات الدولية بمؤسسة الأهرام المصرية، أيمن سمير، فى حديثه لـ CNBC عربية بالقول إن الخسائر الأوكرانية من العامل البشري هائلة قياساً لعدد سكانه الذي يقدر فقط بحوالي 40 مليون مواطن، علاوة على ملايين الأوكرانيين الذين هاجروا خارج البلاد، وهو ما تسبب فى شل قطاعات اقتصادية أوكرانية مثل الطاقة والكهرباء والنقل وغيرها، فضلاً عن انخراط أغلب الشباب من قوة العمل الرئيسية فى العمليات العسكرية، واضطرارهم للابتعاد عن قطاعاتهم الانتاجية المعتادة.
وفي الوقت نفسه، أدت التعبئة والنزوح إلى نقص حاد في الأيدي العاملة، لا سيما مع التحاق العديد من الرجال في سن العمل بالخدمة العسكرية، ما زاد من انخفاض القدرة الإنتاجية في القطاعات الرئيسية، وفق تأكيد الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات، طارق الرفاعي.
خسائر البنية التحتية
يشير سمير إلى أن البنية التحتية تعرضت لدمار واسع، إذ فقدت أوكرانيا أكثر من 40% من شبكة الكهرباء، ما دفع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى إطلاق برامج إعادة إعمار ضخمة.
ومن جانبه، يوضح خبير أسواق المال، والمدير التنفيذي لشركة VI Markets، أحمد معطي، خلال حديثه لـ CNBC عربية أن اعادة الإعمار ستتكلف 480 دولار وفق تقديرات المؤسسات الدولية، في وقت تخصص الدولة 50% من أوكرانيا للانفاق الدفاعي، فضلاً عن إبرام ترامب صفقة المعادن النادرة التي استنزفت كثيراً من خيرات البلاد، ويتوقع مزيد من الخسائر الاقتصادية المستمرة مع تضرر الميزان التجاري بشدة.
خسائر أخرى
فيما يضيف مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية-IGP في موسكو، عمرو الديب، أن الاقتصاد الأوكراني بات يفقد الكثير من مداخيل الخزانة العامة بسبب التهرب الضريبي والتحويلات المالية التي تتم فى الظل، فضلاً عن توقف الانتاج الزراعي الأوكراني نتيجة ضم روسيا لمساحات كبيرة كانت تنتج محاصيل استراتيجية خصوصاً لى انتاج الزيوت.
ويشير إلى أن خسائر الاقتصاد الأوكراني اأن خسائر الحرب قد تصل 800 مليار دولار وفق تقديرات الرئيس الأوكراني.
وفي سياق متصل، يقول الديب إن هناك نشاطاً متزايداً لتصدير السلاح إلى الخارج خاصة فى مجال تصنيع المسيرات الحربية فضلاً عن اتجاهها لتصنيع تكنولوجيات سلاح غربية فى الداخل ومحاولة فتح أسواق سلاح خارجية لتصدير أنواع من الأسلحة التقليدية، ما أدي إلي انتعاش بعض الصناعات العسكرية الأوكرنية فى ظل الحرب.
إعادة الإعمار
وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن عن تخصصيه 50 مليار يورو لدعم إعادة الإعمار حتى 2030، فيما تتنافس شركات البناء والطاقة الأوروبية والأميركية على عقود إعادة الإعمار، لكن هذه الجهود تبقي مرهونة بالتوصل إلي صيغة نهائية تنهي العمليات العسكرية وتفتح فصلاً جديداً من التاريخ فى أوكرانيا.
ويقول الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات، طارق الرفاعي لـ CNBC عربية، إن الخسائر الاقتصادية فادحة، فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا بنحو 29% في عام 2022 عقب بدء الحرب، وفقًا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما يمثل خسائر في الإنتاج تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات في عام واحد. ورغم حدوث استقرار جزئي منذ ذلك الحين، إلا أن النشاط الاقتصادي الإجمالي لا يزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
ويشير الرفاعي إلى خسائر القطاع الزراعي الذي تعرض لصدمة كبري، فقبل الحرب، كانت أوكرانيا تُصدّر ما يقارب 10% من صادرات القمح العالمية، ونحو 15% من صادرات الذرة، ونحو 50% من صادرات زيت دوار الشمس، وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة. ومع تضرر الأراضي الزراعية أو تلغيمها وتعطيل الموانئ، تراجعت القدرة التصديرية بشكل حاد.
كما استُهدفت البنية التحتية للصناعة والطاقة بشكل كبير. فقد عانى إنتاج الصلب والتصنيع وتوليد الطاقة من دمار هائل.
ويري اقتصاديون أن الفرص الاستثمارية في أوكرانيا كبيرة، خصوصاً في قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية والزراعة، لكن المخاطر الأمنية والسياسية تجعلها محفوفة بالتحديات.
كما تري المؤسسات المالية الدولية أن نجاح أوكرانيا في إعادة الإعمار يعتمد على استمرار الدعم الغربي، وتحقيق إصلاحات داخلية تعزز الشفافية وتكافح الفساد.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي