منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وجدت دول أفريقيا نفسها في قلب عاصفة اقتصادية عالمية لم تكن طرفاً فيها، لكنها تحملت جانباً وازناً من كلفتها. فقد قفزت أسعار الغذاء والطاقة إلى مستويات قياسية، وتفاقمت أزمات الديون في عدد من الاقتصادات الهشة، بينما أدت اضطرابات سلاسل الإمداد وتراجع تدفقات رؤوس الأموال إلى تضييق هوامش المناورة المالية والنقدية.
وبين ضغوط التضخم وتراجع العملات وارتفاع كلفة الاقتراض، بدت القارة السمراء وكأنها تدفع فاتورة صراع جيوسياسي بعيد جغرافياً، قريب التأثير اقتصادياً ومعيشياً.
تواجه القارة الأفريقية اختباراً اقتصادياً معقداً مع دخول الحرب الروسية الأميركية في أوكرانيا عامها الخامس، إذ لم تكتفِ الأزمة بإعادة رسم خارطة التحالفات السياسية، بل خلفت جروحاً غائرة في الهياكل المالية للدول الناشئة.
وبينما كانت الأسواق العالمية تترقب تعافياً مرناً من تبعات الجائحة، جاءت الصدمات السعرية في قطاعات الطاقة والغذاء لتضع المصدات المالية الأفريقية أمام ضغوط غير مسبوقة، وسط تحذيرات دولية من أن استقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة بات يمثل "الواقع الجديد" الذي يهدد ملايين الأسر بالفقر المدقع.
تقرير للخبيرة الاقتصادية والزميلة الأولى في معهد التنمية الخارجية، فيليس بابادافيد، بالتعاون مع زميلة الأبحاث، شيريلين راجا، يشير إلى أن العالم لا يزال يرزح تحت وطأة عدم اليقين الجيوسياسي، مشيرتين إلى أن التداعيات الاقتصادية لا تزال تتردد صداها في جميع أنحاء العالم، مما يهدد النمو الاقتصادي خاصة في الدول الأفريقية ذات المصدات المالية المحدودة.
استقرار الأسعار
في تقرير لهما، توضح الخبيرتان، راجا وبابادافيد، أن صدمات أسعار الوقود والغذاء والأسمدة قد هدأت نسبياً، لكنها استقرت عند مستويات مرتفعة مقارنة باتجاهات ما قبل جائحة كوفيد-19.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن مؤشر أسعار الأغذية العالمي لا يزال أعلى بنسبة 25% عما كان عليه في عام 2020، وهو ما يمثل عبئاً هائلاً على دول مثل إثيوبيا ومصر ونيجيريا التي تعتمد بشكل كثيف على واردات القمح الروسي والأوكراني.
وبينما يتباطأ التضخم العالمي، فإنه لا يزال مرتفعاً في البلدان منخفضة الدخل، حيث تؤدي هذه الضغوط السعرية المستمرة مع تزايد مخاطر الحماية التجارية إلى استمرار المعاناة الاقتصادية.
مسارات الصدمات وتأثير الدولار
يكشف تحليل لمعهد التنمية الخارجية "ODI Global" أن الصدمات التي تعرضت لها اقتصادات جنوب الصحراء الكبرى كانت متعددة الأوجه وطويلة الأمد.
ويضيف التحليل أن المسارات المالية الناتجة عن تذبذب أسعار السلع الأساسية تتفاقم الآن بسبب القوة الواسعة للدولار الأميركي، الذي ارتفع بشكل ملحوظ من حيث القيمة التجارية.
ويؤكد البنك الدولي أن قوة العملة الأميركية أدت إلى انخفاض قيمة العملات الأفريقية بنسبة متوسطة بلغت 15%، مما رفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار وزاد من كلفة استيراد المواد الخام والوقود، مما يغذي مزيداً من التضخم في هذه الاقتصادات.
اقرأ أيضاً:
لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟ (خاص CNBC عربية)
ما هي أبرز سيناريوهات الحرب في أوكرانيا؟ (خاص CNBC عربية)
أزمة الديون وانكماش المساحة المالية
وتحذر الخبيرتان من أن الظروف الأولية السيئة، وخاصة أعباء الديون غير المستدامة، تزيد من حدة الصدمات.
وأشارتا إلى أن استمرار عدم اليقين العالمي وتشديد الشروط المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض زادت من مخاطر استدامة الديون، حيث تضاعفت نسبة البلدان المعرضة لخطر المديونية العالية من 27% في عام 2015 إلى 54% بحلول سبتمبر / أيلول2024.
وتشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن أكثر من 20 دولة أفريقية أصبحت الآن إما في حالة ضائقة ديون أو معرضة لخطر شديد، مما يحرمها من الوصول إلى الأسواق المالية العالمية.
تضرر قطاعات التعليم والصحة
وتذكر الدراسة أن ضيق المساحة المالية جاء على حساب خفض تمويل الاستثمارات العامة والإنفاق الاجتماعي، مما قد يؤدي إلى تفاقم الآثار السلبية على رأس المال البشري. وأوضحت البيانات أنه بين عامي 2020 و2022، أنفقت 46 دولة نامية من مواردها العامة على فوائد الديون أكثر مما أنفقته على الصحة، كما أنفقت 15 دولة على الديون أكثر مما أنفقته على التعليم.
ويحذر البنك الدولي من أن "الندوب الاقتصادية" الناتجة عن نقص الإنفاق على التعليم قد تخفض إنتاجية القوى العاملة الأفريقية بنسبة 3% على المدى الطويل.
النوع الاجتماعي وفجوة الفقر
بينت الخبيرة فيليس بابادافيد أن الأعراف الاجتماعية المقيدة للجنسين تضاعف من تأثير الصدمات، حيث تؤدي أسواق العمل الجندرية وضعف الحماية الاجتماعية إلى استبعاد النساء من القطاعات ذات المزايا الوظيفية العالية.
وأضافت أن ارتفاع أسعار المدخلات الأساسية زاد من حدة الفقر في الأسر التي تعولها نساء، والتي تنفق عادة أكثر من 60% من دخلها على الغذاء، مما أدى لتوسيع فجوة انعدام الأمن الغذائي بين الجنسين خلال فترة الحرب.
بناء القدرة على الصمود
شدد التقرير على ضرورة تبني سياسات تعزز المرونة وتراعي الفوارق بين الجنسين لمواجهة نقاط الضعف الهيكلية.
واقترحت الباحثتان حلولاً تشمل دعم الأسعار الموجه، وإعادة صياغة اللوائح المصرفية لتسهيل الائتمان، ومنح الأولوية لتدفقات رأس المال طويلة الأجل لمعالجة الاختلالات الخارجية. ويؤكد البنك الدولي أن تنويع مصادر التوريد وتعزيز التجارة البينية الأفريقية عبر "منطقة التجارة الحرة القارية" هو السبيل الوحيد لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية المتقلبة.
آفاق المستقبل والمخاطر التجارية
تتوقع الخبيرتان استمرار الصدمات الجيوسياسية مع وجود إدارة أميركية جديدة، مؤكدتين أن المصدات المالية الأفريقية ستلعب دوراً حاسماً في استقرار الاقتصادات.
ورغم أن وقف إطلاق النار في الحرب الروسية الأميركية في أوكرانيا قد يجلب بعض الارتياح الاقتصادي عبر استئناف التجارة، إلا أن هذا الأثر قد يتبدد بسبب التوترات التجارية العالمية الأوسع ومخاطر تفتت التجارة الدولية، مما يفرض على صانعي السياسة في أفريقيا ضرورة التحول نحو سياسات اقتصادية أكثر اعتماداً على الذات.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي