منذ بدء الحرب في أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، تعرضت الأسواق لاهتزازات ملحوظة تحولت معها المخاطر الجيوسياسية إلى متغير دائم في معادلات التسعير، وبدأت المؤسسات المالية تعيد صياغة افتراضاتها.
في الأيام الأولى للحرب، تعاملت الأسواق مع الحدث كصدمة حادة لكنها قصيرة الأمد، لتقفز أسعار الطاقة، وترتفع تقلبات الأسهم، كما اتجه المستثمرون نحو الذهب والسندات الأميركية. لكن مع اتساع نطاق العقوبات الغربية على روسيا، وتعطل سلاسل الإمداد، وامتداد الحرب لأشهر ثم لسنوات، بدأ يتضح أن ما يحدث ليس مجرد موجة عابرة.
وتدريجيا تكشفت في الأسواق ما بات يُعرف بـ "علاوة المخاطر الجيوسياسية"، ذلك أن أسعار النفط والغاز على سبيل المثال لم تُحدد فقط وفق معادلات العرض والطلب، إنما أيضاً وفق احتمالات التصعيد ومخاطر العقوبات، وتهديدات البنية التحتية للطاقة. وقد تُرجمت هذه العلاوة إلى فروقات سعرية حقيقية وتكاليف تمويل أعلى.
كشفت الحرب هشاشة نماذج قياس المخاطر الكلاسيكية، التي بُنيت على افتراضات تتعلق باستقرار نسبي في أنماط التقلب التاريخي. لا سيما بعد أن اصبحت تحركات الأسعار أكثر حدة، والعلاقات بين الأصول تتغير بسرعة، ما جعل البيانات التاريخية أقل قدرة على التنبؤ بالمستقبل.
في أسواق السلع، ارتفعت تقلبات الغاز الأوروبي إلى مستويات غير مسبوقة. وفي أسواق الأسهم، تراجعت بعض القطاعات المرتبطة بالطاقة الكثيفة بينما استفادت شركات الدفاع والطاقة. في تباين فرض على مديري المخاطر إعادة معايرة نماذجهم، والانتقال من الاعتماد على المتوسطات التاريخية إلى بناء سيناريوهات متعددة تشمل احتمالات التصعيد العسكري أو التهدئة السياسية.
كما أعادت الحرب تعريف المخاطر السيادية، فديون أوكرانيا أصبحت مرتبطة بقدرتها على الصمود العسكري والاقتصادي، بينما واجهت روسيا عزلة مالية غير مسبوقة بفعل العقوبات، ما أعاد تسعير سنداتها وعملتها وفق مخاطر سياسية وقانونية لم تكن في الحسبان سابقاً.
حتى الدول البعيدة جغرافياً عن ساحة القتال تأثرت بشكل أو بآخر، خصوصاً الاقتصادات الناشئة المعتمدة على استيراد الطاقة أو الحبوب. فقد اتسعت فروقات العائد على سنداتها، نتيجة انتقال العدوى عبر قنوات التجارة والتمويل.
في قطاع التأمين البحري، قفزت أقساط التأمين على السفن العابرة للبحر الأسود، بعدما تحولت المنطقة إلى بؤرة مخاطر عسكرية. وهو الارتفاع الذي شكل إشارة واضحة إلى أن المخاطر الحربية باتت عنصراً دائماً في تسعير الخدمات اللوجستية.
الأمر ذاته انعكس في عقود المشتقات المالية، حيث ارتفعت كلفة التحوط ضد تقلبات العملات والطاقة؛ ذلك أن المستثمرين لم يعودوا يكتفون بإدارة مخاطر السوق التقليدية، بل باتوا يسعرون مخاطر العقوبات، وتجميد الأصول، وقطع أنظمة المدفوعات الدولية.
أما التحول الأعمق الذي أحدثته الحرب كان في الذهنية الاستثمارية نفسها، فلعقود، سادت قناعة بأن العولمة تقلل من احتمالات النزاعات الواسعة بين القوى الكبرى. لكن الحرب أعادت إدخال عامل الجغرافيا السياسية إلى صلب القرار الاستثماري.
أصبحت الشركات تعيد النظر في سلاسل إمدادها، والبنوك تعيد تقييم انكشافها على مناطق النزاع، وصناديق الاستثمار تضع سيناريوهات انقسام اقتصادي عالمي إلى كتل متنافسة.
أعادت الحرب رسم خريطة المخاطر المالية. وبينما لا يزال أفق الحرب مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، يبدو أن الأثر الأكثر رسوخاً يتمثل الطريقة التي تفكر بها الأسواق في المخاطر: بحذر أكبر، وبتقدير أوسع لما يمكن أن يفعله حدث جيوسياسي واحد بنظام مالي عالمي مترابط.
المستشار السابق بالبيت الأبيض، جيفري فرانكل، وهو استاذ في جامعة هارفارد وعضو سابق في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس بيل كلينتون، يقول لـ CNBC عربية إنه "من المحتمل جدًا أن تكون التطورات الأخيرة، لا سيما طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الحرب في أوكرانيا، والعقوبات المالية، والرسوم الجمركية، قد أوجدت حاجة لإضافة علاوة مخاطر إلى سندات الخزانة الأميركية وغيرها من الأصول المقومة بالدولار".
ويضيف: "إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك سيمثل تحولًا هيكليًا مهمًا في النظام المالي العالمي، ومن المرجح أن يكون تحولًا دائمًا".
على الجانب الآخر، يقول كبير محللي الأسواق لدى Bannockburn في نيويورك، مارك تشاندلر، لـ CNBC عربية إن العوامل الجيوسياسية أصبحت أكثر وضوحاً في الأهمية (بعد الحرب في أوكرانيا) لكنها لم تختفِ أبداً".
ومن هذا المنطلق فإنه لا يربط تأثير تلك العوامل ارتباطاً وثيقًا بالحرب في أوكرانيا؛ جزئياً لأن ذلك كان الإجراء العلني الثالث (بعد جورجيا وشبه جزيرة القرم، والآن جميع أوكرانيا)، فيما لم يُنظر إلى الحدثين الأولين كعلامة على ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
ويضيف: "لا أعرف كيف يمكن الحديث عن المخاطر الجيوسياسية وكأنها حصراً من قبل روسيا"، مشيراً إلى دور كل من إسرائيل وإيران والولايات المتحدة (في إثارة وتعزيز تلك المخاطر)، مردفاً: "على الرغم من سعيه لنيل جائزة نوبل للسلام، أمر الرئيس الأميركي ترامب بقصف نصف دزينة على الأقل من الدول، وخطف مادورو، وهدد آخرين".
يعتقد تشاندلر بأن القلق الجيوسياسي المتزايد يعكس شعوراً بأن هيكل القوة العالمي يتغير. ما يُعرف بـ "صفقة تراجع العملة" وارتفاع الذهب هو جزء من السرد الشائع حول تراجع دور الدولار الأميركي، ومعاملة الحلفاء التقليديين، مضيفاً: "هذا السرد الجيوسياسي يُبنى لتفسير ما يحدث، لكن من حيث السوق، علاوة المخاطرة وما شابهها، لا أراها واضحة، فالأسهم الأميركية قرب مستويات قياسية، والعائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند أدنى مستوى له منذ عدة أشهر، كذلك مؤشر Stoxx 600 الأوروبي يسجل مستويات قياسية، وأيضاً مؤشر MSCI لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ".
لكن قد تكون قصة الذهب والفضة والمعادن النادرة جزئياً متعلقة بالعوامل الجيوسياسية، غير أن هناك عوامل أخرى مؤثرة ودافعة، وفق كبير محللي الأسواق لدى Bannockburn الذي يستطرد: "يبدو أن تحركات أسعار العملات، والفائدة، ومعظم السلع يمكن تفسيرها من خلال عوامل أخرى غير العوامل الجيوسياسية، رغم أن الأخيرة تحظى بوقت أكبر في التغطية الإعلامية، لكن لا يمكن نسبها ببساطة إلى روسيا".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي