بعد أكثر من عام على بدء الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أظهرت حزمة التغييرات الواسعة في السياسات الاقتصادية التي تبنّتها إدارته أنها أوفت ببعض الوعود وأخفقت في أخرى، تاركةً الأسر والشركات الأميركية أمام حصيلة متباينة تجمع بين نمو اقتصادي قوي وطفرة في الاستثمارات التكنولوجية، مقابل تباطؤ مكاسب الوظائف واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأسبوع الماضي الصادر عن المحكمة العليا الأميركية بإلغاء الرسوم الجمركية الطارئة التي شكّلت ركناً أساسياً في أجندة ترامب الاقتصادية، ما زاد من حالة عدم اليقين التي تميّزت بها آفاق الاقتصاد الأميركي منذ عودته إلى السلطة.
شملت السياسات الاقتصادية المميِّزة للرئيس الأميركي دونالد ترامب طيفاً واسعاً من الإجراءات، وغالباً ما تداخلت مع سياسته الخارجية وأجندته السياسية القائمة على شعار «أميركا أولاً»، بحسب رويترز.
اقرأ أيضاً: فوضى الرسوم الأميركية تثير قلق أوروبا
وتضمنت هذه السياسات خفض الضرائب لتحفيز الإنفاق والنمو الاقتصادي؛ وفرض رسوم جمركية لزيادة إيرادات الحكومة وتقليل اعتماد الولايات المتحدة على الواردات وتعزيز التصنيع المحلي؛ وتشديد القيود على الهجرة، وهو ما طُرح أيضاً باعتباره داعماً للباحثين عن عمل من الأميركيين ومساراً لتحسين القدرة على تحمّل تكاليف السكن؛ إضافةً إلى حملة واسعة لتخفيف القيود التنظيمية على قطاعات تشمل الطاقة والخدمات المصرفية.
وفي ما يلي نظرة على وضع بعض المؤشرات الرئيسية لاقتصاد الولايات المتحدة البالغ حجمه 30 تريليون دولار، مع بدء العام الثاني من الولاية الثانية لترامب.
بدأ اقتصاد الولايات المتحدة العام الماضي بانكماشٍ، إذ سعت الشركات إلى استباق الرسوم الجمركية الوشيكة عبر تقديم وارداتها مبكراً. وأنهى الاقتصاد العام بوتيرة نمو أبطأ، ويرجع ذلك إلى حدٍّ كبير إلى الإغلاق الحكومي الأطول على الإطلاق الذي قلّص الإنفاق الحكومي مؤقتاً. لكن في الفترة بين هذين الحدثين تسارع النمو بوتيرة فاقت التوقعات، ومن المنتظر هذا العام أن تسهم الرياح الداعمة الناتجة عن التخفيضات الضريبية في مشروع قانون One Big Beautiful Bill الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تعزيز النمو بدرجة أكبر، إذا بقيت العوامل الأخرى على حالها.
وقد أسهم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في دفع جانب من هذا النمو، كما لعب إنفاق المستهلكين القوي دوراً رئيسياً أيضاً.
شكّلت الرسوم الجمركية ركناً أساسياً في السياسات الاقتصادية للرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ البداية. ففي الواقع، وحتى قبل تنصيبه، سارعت الشركات إلى تسريع وارداتها في محاولة لاستباق هذه الرسوم، ما أدى مؤقتاً إلى تعميق العجز التجاري للولايات المتحدة الذي قال ترامب إن الرسوم تهدف إلى تقليصه.
ويقول محللون إنه مع مرور الوقت قد تسهم الرسوم الجمركية في تضييق الفجوة بين الواردات والصادرات، وهو المؤشر الذي ينظر إليه ترامب باعتباره مقياساً لقوة الاقتصاد الأميركي، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.
اقرأ أيضاً: إبطال الرسوم الجمركية يحد من نفوذ ترامب دون انقشاع الضبابية التجارية
أبطل حكم المحكمة الأميركية العليا الرسومَ الجمركية العالمية الواسعة «الطارئة» التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غير أنّ إدارته فرضت بالفعل رسوماً جديدة بنسبة 15% لتحل جزئياً محل الرسوم التي أُلغيت، وتعهدت باستخدام مجموعة من الصلاحيات لضمان عدم تراجع إيرادات الرسوم على الواردات.
على الرغم من الضغوط الناتجة عن الرسوم الجمركية على الواردات التي فرضها ترامب وارتفاع تكاليف الاقتراض، شهد قطاع التصنيع انتعاشاً مدعوماً بطفرة مستمرة في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ويرى محللون أن هذا التعافي قد يستمر ويتسع خلال العام الحالي مع دخول التخفيضات الضريبية التي أقرّها ترامب حيّز التنفيذ.
لكن الزيادة الأخيرة في الإنتاج الصناعي لم تترافق مع نهضة مماثلة في الوظائف داخل هذا القطاع.
في الواقع، تراجع التوظيف في المصانع خلال الولاية الرئاسية الثانية لترامب، ما أحبط طموحاته لإحداث تغييرات قوية في السياسة التجارية بهدف تعزيز فرص العمل في قطاع التصنيع الأميركي.
ارتفع معدل البطالة بشكل طفيف لكنه لا يزال عند مستوى منخفض، إذ بلغ 4.3% في يناير كانون الثاني. غير أنّ مكاسب الوظائف الشهرية تباطأت خلال العام الماضي إلى وتيرة محدودة، حيث لم تتجاوز الزيادة الإجمالية في التوظيف 180 ألف وظيفة طوال العام، وهو رقم يزيد بالكاد على متوسط المكاسب الشهرية البالغ 168 ألف وظيفة في 2024. ويربط محللون هذا التباطؤ بتشديد إجراءات الهجرة الذي خفّض كلاً من عرض الوظائف والطلب عليها. ومع ذلك، أضاف أصحاب العمل في الولايات المتحدة 130 ألف وظيفة في يناير كانون الثاني، لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا الأداء القوي سيستمر.
لقد هدأ التضخم منذ الارتفاع الذي شهدته الأسعار بعد جائحة كورونا خلال ولاية الرئيس جو بايدن، لكن الأسعار على أساس سنوي، بحسب المؤشر الذي يتتبعه الفدرالي، كانت تتجه صعوداً في نهاية العام الماضي، ويتوقع المحللون أن يستمر هذا الاتجاه لبضعة أشهر أخرى حتى تزول آثار الرسوم الجمركية – على الأقل تلك المطبقة خلال العام الماضي.
وقد رشّح ترامب العضو السابق في مجلس الفدرالي كيفن وورش لتولي منصب رئيس الفدرالي خلفاً لجيروم باول في مايو، وتراهن الأسواق المالية على أن التضخم سيكون قد خفّ بحلول ذلك الوقت، وأن وورش في منصبه الجديد سيشرف على عدد من خفض معدلات الفائدة بدءاً من يونيو حزيران. ومن الممكن أن تدفع التراجعات في سوق العمل أيضاً إلى اتخاذ خفض معدلات الفائدة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي