تترقب أسواق النفط بقلق بعد تصاعد التوترات في الشرق الأوسط عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ومع تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز الحيوي.
خام برنت يُسعّر حالياً عند مستويات قرب 72 دولارًا للبرميل وغرب تكساس عند 67 دولاراً، مع توقعات بزيادة محتملة تتراوح بين 5 و7 دولارات عند افتتاح التعاملات مساء الأحد.
وفي هذا السياق، يقدم خبراء طاقة دوليون -عبر CNBC عربية- توقعاتهم للسيناريوهات التالية..
خاص CNBC عربية- محمد خالد
تتسارع التطورات في الشرق الأوسط مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية عقب الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل إيران، والتي استهدفت مواقع حساسة في العاصمة طهران ومدناً رئيسية أخرى
جاءت الهجمات بعد تعثر جولة مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، لترد طهران سريعاً بإطلاق صواريخ باتجاه أهداف عسكرية ومنشآت حيوية في عدد من دول الخليج، ما وسّع دائرة الاشتباك ورفع منسوب التوتر الإقليمي إلى مستويات حرجة.
امتدت تداعيات التصعيد إلى الممرات البحرية الحيوية، في ظل منع إيران المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
اقرأ أيضاً: 🔴 طبول الحرب تقرع في الشرق الأوسط.. ما هي آخر المستجدات لانطلاق "عملية الغضب الملحمي"؟: (تحديثات مباشرة)
في هذا السياق، تترقب أسواق النفط افتتاح التعاملات على وقع حالة عدم اليقين، بعدما أنهت العقود الآجلة لخام برنت تعاملاتها الأخيرة على ارتفاع ملحوظ فوق 72 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط فوق 67 دولاراً، بينما كانت الأسواق تسعر احتمالات الهجوم.
ومع غياب مؤشرات واضحة على التهدئة، تبقى الأسعار رهينة مسار الساعات المقبلة، وسط توقعات بتحركات حادة قد تعكس تسعيراً سريعاً لمخاطر الإمدادات وتطورات المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
علاوة المخاطر
المستشار السابق بالبيت الأبيض، ومؤسس ورئيس مجموعة Rapidan Energy لاستشارات الطاقة، بوب ماكنالي، يقول لـ CNBC عربية إنه قبل عطلة نهاية الأسبوع كان هناك ما بين 5 إلى 7 دولارات ضمن سعر النفط الخام تعكس علاوة مخاطر مرتبطة باحتمال التصعيد.
ويرى أن السوق كانت لا تزال متهاونة نسبياً في تسعير احتمالات اندلاع صراع واسع النطاق، ما يرجّح أن تشهد أسعار الخام موجة ارتفاع إضافية مع افتتاح التداولات في آسيا يوم الأحد.
ومن هذا المنطلق، يتوقع ماكنالي -الذي عمل كمستشار خاص للرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش- صعوداً لا يقل عن خمسة أو سبعة دولارات أخرى إضافية.
أما عن مدى استمرار أية قفزة لاحقة في الأسعار وحجمها، فسيعتمد ذلك إلى حد كبير على تقديرات الأسواق لمدة الصراع ونطاقه، وكذلك على حجم إمدادات النفط والغاز المعرضة للخطر في منطقة الخليج العربي، وفق مؤسس ورئيس مجموعة Rapidan Energy.
توقعات أسعار النفط
وكان بنك باركليز قد رجح ارتفاع سعر خام برنت إلى حوالي 80 دولاراً للبرميل في حالة حدوث اضطراب كبير في الإمدادات، وذلك قبل ساعات من الضربات.
وقال البنك:"على الرغم من أنه من الممكن تماماً ألا يؤدي التصعيد إلى انقطاع في الإمدادات وأن تتلاشى علاوة المخاطرة البالغة 3-5 دولارات للبرميل في أسعار النفط بسرعة، إلا أن انقطاع الإمدادات بمقدار مليون برميل يومياً من شأنه أن يزيد من التساؤل حول فائض العرض المتوقع على نطاق واسع ويدفع سعر خام برنت إلى 80 دولارًا للبرميل، في رأينا".
وبعد الضربات، قال البنك في تقرير إن خام برنت قد يسجل 100 دولار للبرميل بعد هجمات أمريكا وإسرائيل على إيران.
على الجانب الآخر، وفي ضوء ضعف أساسيات العرض والطلب، تتوقع مؤسسة جي بي مورغان للأبحاث العالمية أن يبلغ متوسط سعر خام برنت حوالي 60 دولارًا للبرميل في عام 2026.
وبحسب تقرير للمؤسسة، الجمعة، قبل ساعات من بدء الحرب، فإنه على الرغم من تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، فمن غير المرجح حدوث اضطرابات مطولة في إمدادات النفط.
تعطل الإمدادات
وفي حديثه مع CNBC عربية، يقول رئيس شركة Lipow Oil Associates الأميركية، آندي ليبو إن الهجمات الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل واستهدفت القيادة الإيرانية "من شأنها أن ترفع بشكل كبير مخاطر تعطل إمدادات النفط في المنطقة".
ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تستهدفا البنية التحتية النفطية الإيرانية حتى الآن، فإنه "لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت طهران ستقدم على ضرب منشآت نفطية في المنطقة ردًا على ذلك".
ومن المتوقع –وفق ليبو- أن ترتفع أسعار النفط بنحو 3 إلى 5 دولارات للبرميل، وربما أكثر، مع إعادة فتح التداولات مساء الأحد أما "أسوأ سيناريو محتمل لسوق النفط" في تقديره، يتمثل في تعرض منشآت نفطية سعودية لهجوم، يعقبه "إغلاق كامل" لمضيق هرمز. كما يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت إيران قد تستهدف ناقلات النفط في المنطقة بشكل عشوائي، بما يؤدي فعلياً إلى تعطيل الملاحة في الممر المائي.
وأفادت رويترز، مساء السبت، باستقبال سفن بثا عالى التردد من الحرس الثورى الإيرانى يقول إنه من غير المسموح لأى سفن بعبور مضيق هرمز.
ورغم صعوبة تقدير طبيعة التحركات الإيرانية خلال الساعات الـ48 إلى الـ72 المقبلة، فإن احتمال تحقق السيناريو الأسوأ يُقدَّر بنحو 33%، في ظل ما يعتبره البعض وضعًا ضاغطًا للنظام الإيراني قد يدفعه إلى اتخاذ خطوات تصعيدية في محاولة لضمان بقائه، بحسب ليبو.
ماذا يعني إغلاق مضيق هرمز؟
ويتجدد السؤال في خضم التصعيد العسكري، حول إلى أي مدى ستسخدم إيران ورقة إغلاق مضيق هرمز كعنصر ضغط قوي في مواجهة الضغوط الغربية.
طهران سبق أن لوّحت مراراً بإمكانية إغلاق المضيق رداً على العقوبات أو التهديدات العسكرية، معتبرةً أن أمن الممرات المائية في الخليج يرتبط مباشرة بأمنها القومي. غير أن محللين كانوا يعتقدون آنذاك بأن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ يظل خطوة عالية الكلفة، نظراً لما قد يترتب عليها من تداعيات عسكرية واقتصادية واسعة.
ويحذر خبراء طاقة من أن أي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق يشكل صدمة فورية للتجارة العالمية وأسواق النفط، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من الخام. كما تعبر من خلاله غالبية صادرات النفط التابعة لدول منظمة الدول المصدرة للنفط، وعلى رأسها السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق.
ولا يقتصر التأثير على النفط فحسب، إذ تعتمد قطر على المضيق في نقل ما يقارب كامل صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، والتي تمثل نحو ربع الاستهلاك العالمي من هذه السلعة الحيوية. وعليه، فإن أي خطوة الإغلاق تدفع الأسواق إلى تسعير مخاطر جيوسياسية غير مسبوقة، مع احتمالات قفزات حادة في أسعار الطاقة وتداعيات ممتدة على معدلات التضخم وسلاسل الإمداد عالمياً.
وبحسب وكالة رويترز، فقد علقت العديد من شركات النفط الكبرى وبيوت التجارة الرئيسية شحنات النفط والوقود عبر مضيق هرمز في الدقائق التي أعقبت الهجوم الأميركي.
ورقة النفط
وإلى ذلك، يقول كبير محللي السلع في SEB، بيارن شيلدروب، في حديثه مع CNBC عربية، إن السؤال الأكبر يتمحور حول ما إذا كانت إيران ستلجأ إلى ما يُعرف بـ "ورقة النفط" أم لا، مرجحاً أنها "قد تفعل ذلك"؛ لا سيما في ظل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن السعي إلى تغيير النظام، وهو ما يُعد تهديداً وجودياً بالنسبة للقيادة الإيرانية.
ويضيف:"التجربة الداخلية تُظهر، بحسب التقدير ذاته، أن النظام عندما واجه احتجاجات واسعة هددت استقراره، لجأ إلى استخدام القوة المفرطة لقمعها.. وبالتالي، فإن صراعاً ممتداً يتزامن مع بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة حتى موعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، قد يُشكل عامل ضغط سياسي بالغ الحساسية على ترامب".
ويرى أن طهران أخطأت خلال الصيف الماضي بعدم الرد بشكل كافٍ لخلق معادلة ردع واضحة، ما أعاد فتح باب المواجهة مع واشنطن. ومن هذا المنطلق، قد تعتبر إيران أن التصعيد القوي بات ضرورة استراتيجية لتكريس الردع، وأن استخدام "ورقة النفط" عبر التأثير على الإمدادات أو تعطيل تدفقات الطاقة، سيكون الأداة الأكثر إيلاماً لترامب سياسياً، خصوصاً إذا انعكس ذلك في ارتفاع مستدام للأسعار قبيل الاستحقاق الانتخابي.
أبرز السيناريوهات
مؤسس مجموعة Krimmel Strategy ، المستشار في قطاع الطاقة، جيف كريمل، يقول لـ CNBC عربية إن السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأجل القصير يتمثل في صراع مُحتوى، يقتصر على ضربات جوية من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، مع انخراط بري محدود أو معدوم، لافتاً إلى أن الرئيس ترامب دعا الشعب الإيراني إلى "الإمساك بزمام الأمور"، ما يوحي بأن أي تغيير محتمل في النظام - إن حدث - سيأتي نتيجة تحرك داخلي، لا عبر انتشار عسكري أميركي واسع لتحقيق هذا الهدف.
لكنه يرى أن الوضع الإيراني يختلف جذرياً عن الحالة الفنزويلية؛ فـفنزويلا تقع ضمن ما تعتبره الإدارة الأميركية نطاق نفوذ مباشر في نصف الكرة الغربي، حيث تشعر واشنطن بمسؤولية شبه حصرية عن تطورات المنطقة. أما إيران، فهي في منطقة شديدة التقلب وبعيدة جغرافياً عن الولايات المتحدة، ما يقلص حجم الرهان الأميركي على ترتيبات ما بعد الصراع.
ويستطرد: يتمثل الهدف (الأميركي) المباشر في ضمان عدم قدرة إيران على تطوير سلاح نووي، وليس إعادة تشكيلها كـ "جار جيد"، وهي العبارة التي استخدمها ترامب عقب العملية العسكرية في فنزويلا.
كما أن الإدارة الأميركية تركز بقوة على إبقاء أسعار النفط عند أدنى مستويات ممكنة. وقد تحدث الرئيس ترامب مراراً عن هذا الهدف. ويضيف كريمل: "أعتقد بأن توقيت الضربات فجر السبت بتوقيت الولايات المتحدة، بعد إغلاق أسواق العقود الآجلة للسلع يوم الجمعة وقبل أكثر من 24 ساعة من إعادة فتحها مساء الأحد "يعكس رغبة في منح المتداولين وقتًا لاستيعاب التطورات، مع رسالة ضمنية مفادها أن اضطرابات الإمدادات ستكون محدودة، بما يحدّ من احتمالات قفزة سعرية حادة".
بناءً على ذلك، فهو يرى أن استجابة الأسعار ستكون أقل دراماتيكية مما يتوقعه كثيرون، سواء في سيناريو تصعيد محدود، أو امتداد إقليمي أوسع، أو حتى تهدئة دبلوماسية. فقد أثبتت إمدادات النفط ومسارات نقله قدراً كبيراً من المتانة خلال السنوات الماضية رغم تعدد بؤر الصراع.
الأسواق تترقب
يترقب المتعاملون في أسواق الطاقة إعادة فتح التداولات مساء الأحد، ولا سيما في الأسواق الآسيوية، لقياس ردّة الفعل الأولية تجاه التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة.
محلل أسواق السلع لدى UBS Global جيوفاني ستونوفو، يقول لـ CNBC عربية إن سوق النفط أخذت في الحسبان علاوة المخاطرة خلال الأيام الماضية. والآن، سيترقب المتعاملون في السوق قبل افتتاحه ما إذا كان تدفق النفط سيتأثر أم لا.
تمثل الساعات الأولى من التعاملات مؤشراً حاسماً على كيفية تسعير الأسواق للمخاطر الجيوسياسية، وما إذا كانت ستُضيف علاوة مخاطر فورية على أسعار الخام، أم ستتعامل مع الأحداث باعتبارها تصعيدًا يمكن احتواؤه دون تأثير جوهري على الإمدادات.
ويُنظر إلى حركة العقود الآجلة للنفط عند الافتتاح بوصفها اختباراً مباشراً لمستوى القلق الفعلي لدى المستثمرين، بعد أن أُغلقت الأسواق قبل اتضاح الصورة الكاملة. فإذا جاءت الارتفاعات محدودة، فقد يُفهم ذلك على أن السوق لا تتوقع انقطاعاً واسعاً في الإمدادات، أما القفزات الحادة فستعكس مخاوف من اتساع رقعة المواجهة أو تهديد طرق الإمداد الحيوية، بما يعيد رسم خريطة تسعير المخاطر في المدى القريب.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي