أظهرت التطورات الأخيرة أن الخطر الأكبر للأسواق الأميركية لم يعد النفط وحده، بل سوق السندات الذي يشهد ارتفاعاً سريعاً في العوائد.
فقد قفز العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من 3.92% إلى 4.42% خلال 27 يوماً منذ اندلاع الحرب على إيران، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في توقعات الفدرالي، بعد أن كانت الأسواق تتحدث قبل أشهر عن خفض الفائدة في 2026.
فكيف أصبح سوق السندات بمثابة "بوصلة سياسية" لإدارة ترامب؟
1. عند وصول العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.60%، أعلن ترامب وقف التعريفات الجمركية لمدة 90 يوماً.
2. عند مستوى 4.30%، تدخل بشراء سندات رهن عقاري بقيمة 200 مليار دولار.
3. عندما بلغ العائد 4.45%، قرر تأجيل الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية.
4. ومع استمرار العائد عند 4.45%، مدّد فترة التأجيل مرة أخرى.
هذه الأمثلة توضح أن الإدارة الأميركية تعتبر سوق السندات عاملاً وجودياً، وأن قراراتها السياسية والعسكرية ترتبط مباشرة بمستويات العوائد.
بمعنى آخر، كلما اقترب العائد من "منطقة التحول السياسي" بين 4.50% و4.70%، يصبح التدخل شبه مؤكد لتفادي أزمة اقتصادية أو انهيار في الأسواق.

فخلال تقلبات الحرب التجارية في مطلع 2025، كان هناك عامل رئيسي دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إعلان وقف مؤقت للتعريفات لمدة 90 يوماً في أبريل من ذلك العام وهو: سوق السندات.
فقد شهدت العوائد على سندات الخزانة الأميركية ارتفاعاً كبيراً فيما عُرف حينها بـ"يوم التحرير"، وهو ما أجبر الإدارة على التراجع وتهدئة الأسواق.
صعود العوائد
توضح الأرقام أن صعود العوائد إلى مستويات بين 4.50% و4.70% شكّل ما يُعرف بـ"منطقة التحول السياسي"، حيث يصبح التدخل ضرورياً لتفادي أزمة اقتصادية واسعة.
وبالفعل، في 9 أبريل 2025 أعلن ترامب وقف التعريفات، وفي اليوم التالي أكد في مقابلة مباشرة أنه يراقب سوق السندات عن كثب.
هل بات التدخل وشيكاً؟
اليوم، ومع وصول العائد على سندات 10 سنوات إلى 4.42% واقترابه من تلك المنطقة الحساسة، يرى محللون أن الإدارة الأميركية قد تتخذ خطوات مشابهة لاحتواء الأزمة، خاصة أن الاقتصاد لا يحتمل استمرار العوائد المرتفعة مع ضعف سوق العمل وتزايد الضغوط التضخمية.
هذا السياق يوضح أن سوق السندات لم يعد مجرد مؤشر مالي، بل أصبح عاملاً سياسياً يفرض على الإدارة قرارات استراتيجية، تماماً كما حدث في 2025.
اقرأ أيضاً: ترامب: سأوقف الهجمات على محطات الطاقة الإيرانية حتى 6 أبريل
معدلات الفائدة
أشارت العقود الآجلة إلى أن معدلات الفائدة ستظل مستقرة حتى سبتمبر 2027 عند نطاق 3.50% إلى 3.75%، أي أعلى بنحو 75 إلى 100 نقطة أساس عن التوقعات السابقة.
كما ارتفعت احتمالات رفع الفائدة بنهاية 2026 إلى نحو 43%.
هذا التحول يأتي في وقت يعاني فيه سوق العمل الأميركي من ضعف واضح، حيث تم حذف أكثر من 2.1 مليون وظيفة من بيانات السنوات الثلاث الماضية، وارتفع متوسط مدة البطالة إلى 25.7 أسبوع، وهو أعلى مستوى منذ أربع سنوات.
وتواصل أسعار النفط المرتفعة الضغط على الاقتصاد، إذ تشير نماذج "كوبيسي ليتر" KobeissiLetter إلى أن بقاء الأسعار عند متوسط 95 دولاراً للبرميل لثلاثة أشهر سيرفع معدل التضخم إلى 3.2% على الأقل، فيما صعدت توقعات التضخم لـ12 شهراً إلى 5.2%، وهو أعلى مستوى منذ مارس 2023.
هذه الأرقام تؤكد أن الاقتصاد الأميركي ليس في وضع يسمح بتحمل عوائد تتجاوز 4.50% أو 5%.
لماذا يحدث هذا؟
يرتبط الارتفاع المفاجئ في عوائد سندات الخزانة الأميركية وتراجع توقعات خفض الفائدة بمفهوم أساسي واحد، وهو التضخم.
فقد ألزم الكونغرس الفدرالي منذ عام 1977 بمهمتين مزدوجتين هما تحقيق أقصى قدر من التوظيف وضمان استقرار الأسعار عبر أدوات السياسة النقدية.
عندما استأنف الفدرالي خفض الفائدة في 2025، اعتبر ضعف سوق العمل قضية أكبر من التضخم المرتفع.
لكن مع صعود أسعار الطاقة واستمرار حرب إيران وتباطؤ التعافي بعد الحرب، عاد التضخم ليصبح القضية الرئيسية من جديد؛ ليس لأن سوق العمل تحسن، بل لأن التضخم ازداد سوءاً.
هذا التحول يعكس أن الضغوط التضخمية الناتجة عن الحرب وارتفاع النفط أصبحت العامل الحاسم في قرارات السياسة النقدية، وهو ما يفسر القفزة في العوائد وتراجع الرهانات على خفض الفائدة.
تمديد المهلة الممنوحة لإيران
ويرى محللون أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يراقب عن كثب تطورات سوق السندات، وأن إعلان تأجيل الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية في 23 مارس كان مرتبطاً بارتفاع العائد إلى 4.45%، في محاولة لتهدئة الأسواق.
كما عاد ترامب وقرر تمديد المهلة الممنوحة لإيران والامتناع عن مهاجمة منشآت الطاقة ختي 6 أبريل.
ويعتبر مستوى 4.50% إلى 4.70% "منطقة التحول السياسي" التي قد تدفع الإدارة الأميركية إلى التدخل المباشر لتفادي أزمة اقتصادية واسعة.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟
يطرح الكثيرون السؤال الأهم: ما دلالة هذه التطورات؟
على المستوى العام، تؤكد التحليلات أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتابع عن كثب تقلبات أسواق الأسهم والسلع والسندات، وهو ما يُعتبر عاملاً مطمئناً للمستثمرين، إذ لا يرغب ترامب في انهيار الأسواق وقد أثبت أنه أكثر حرصاً على استقرارها مقارنة بإدارات سابقة.
ساهم هذا الحرص في احتواء أسعار النفط بعد قفزتها الأولى، حيث يدرك المستثمرون أن ترامب سيتدخل فوراً إذا ارتفعت أسعار الخام الأميركي مجدداً نحو 120 دولاراً للبرميل كما حدث في الأيام الأولى للحرب.
يتوقع محللون أن ضعف الأسهم سيتسارع مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، لكن أي تدخل وشيك عند اقتراب العائد من منطقة 4.50% إلى 4.70% سيحد من الخسائر.
ويعرف ترامب والفدرالي أن سوق العمل الأميركي لا يستطيع تحمل أسعار فائدة مرتفعة لفترة طويلة، ما يعزز التقديرات بأن الحرب مع إيران لن تكون "أبدية"، بل ستتجه نحو تسوية خلال أسابيع لا أشهر.
اقرأ أيضاً: إدارة ترامب تروج لهيمنة أميركا في مجال الطاقة وسط أزمة إمدادات
الذكاء الاصطناعي
في خلفية هذه الضوضاء، يواصل قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الاستثمار بوتيرة متسارعة رغم التراجعات الحالية، ما يعكس أن الثورة التقنية لم تتوقف.
ورغم تراجع أسهم شركات التقنية التي قادت السوق منذ 2022، فإنها تستثمر أكثر وتبني أسرع، ما يعكس أن الصورة طويلة الأمد لقطاع التكنولوجيا لم تتغير.
ويتوقع خبراء أن ضعف الأسهم سيتسارع مع استمرار ارتفاع العوائد، لكن أي تدخل من الإدارة الأميركية سيحد من الخسائر.
ويؤكدون أن الفدرالي والإدارة يدركان أن سوق العمل لا يحتمل أسعار فائدة مرتفعة لفترة طويلة، ما يعزز فرص التوصل إلى تسوية سياسية خلال أسابيع لا أشهر.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي