قطاع الطاقة.. ما هي الدروس المستفادة من حرب إيران؟ (خاص CNBC عربية)

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

خاص- CNBC عربية- كريم محمد

لا تزال العديد من الرسائل المتضاربة تبعث بها الإدارة الأميركية بشأن إنهاء حرب إيران، بعد نحو 5 أسابيع من اندلاعها.. مع نبرة تهدئة تارة، ونبرات تصعيد مستمرة من جانب الرئيس دونالد ترامب.. وهي الرسائل التي تتفاعل معها أسواق الطاقة لحظياً.

في قلب العواصف الجيوسياسية، يعود النفط ليؤكد أنه أداة نفوذ وصمام أمان للاقتصادات العالمية؛ فمع اندلاع الحرب في إيران، دخلت أسواق الطاقة مرحلة جديدة من اختبار المرونة، لتتداخل حسابات العرض والطلب مع اعتبارات الأمن القومي، وارتفعت حساسية الأسواق لأي تطور ميداني أو سياسي في واحدة من أهم مناطق إنتاج الخام في العالم.

تعيد الحرب صياغة معادلات قطاع النفط، من اضطرابات الإمدادات وارتفاع علاوات المخاطر، إلى تحولات في استراتيجيات المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

ويؤكد محللون في هذا السياق أن قطاع الطاقة بعد الحرب لن يكون مثل ما كان قبل 28 فبراير/ شباط الماضي، حيث بدأت الدول في "إعادة خلط الأوراق" وتوجهت بوصلة الاستثمارات بدلاً من اكتشاف آبار نفطية جديدة إلى تأمين مسارات آمنة لنقل امدادات الطاقة. كما عاد ملف محطات الطاقة النووية إلى ساحة بعد إغلاقه، حتى استثمارات الأفراد والشركات باتت تركز على قطاعات مثل الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.

📊 أسعار النفط خلال الشهر الأول من الحرب 

العقود الآجلة لخام برنت تقفز بنسبة 63% خلال شهر مارس (في أكبر مكسب شهري منذ العام 1988)؛ لتنهي الشهر عند 118.35 دولاراً للبرميل.

الخام الأميركي يسجل مكاسب شهرية بنسبة 51% (في أفضل أداء شهري منذ شهر مايو/ آيار  2020) لتنهي تعاملات الشهر عند 101.38 دولار للبرميل.

تأمين الإمدادات أولاً

يقول الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات، طارق الرفاعي لـ CNBC عربية، إنه من المرجح أن يُعيد الصراع الإيراني تشكيل تجارة الطاقة بطريقة عملية للغاية ستُعطي الدول الأولوية للموثوقية والأمن على حساب الأيديولوجيا، موضحاً أنه لا يتمثل التحول الفوري في الابتعاد عن الوقود الأحفوري، بل في تأمين الإمدادات من منتجين موثوقين وبناء أنظمة احتياطية في سلاسل التوريد.

وقد وُصف اضطراب صادرات الخليج بأنه أكبر صدمة إمداد في أسواق النفط الحديثة، حيث يمر ما يقارب 20% من تدفقات النفط والغاز العالمية عبر مضيق هرمز، مما يجعل النظام مُركزًا بطبيعته ويصعب استبداله بسرعة.

تنويع مصادر الطاقة أولوية قصوى

ويضيف الرفاعي أنه من الواضح أن تنويع مصادر الطاقة أصبح أولوية قصوى في السياسات، لكن الواقع أن تغيير أنظمة الطاقة يستغرق سنوات، بل عقودًا أحيانًا، ولا يمكن بناء البنية التحتية لمحطات الغاز الطبيعي المسال، وخطوط الأنابيب، والمصافي، ومحطات توليد الطاقة بين عشية وضحاها، وقد يستغرق استعادة الإمدادات المتوقفة وحدها شهورًا عديدة حتى بعد انتهاء الهجمات العسكرية، كما أن هناك عددًا محدودًا من الموردين البديلين.

اقرأ أيضاً: تحذير من اضطراب الصادرات العالمية بسبب الصراع في الشرق الأوسط

ويشير الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات إلى هيمنة حفنة من المناطق، وعلى رأسها الشرق الأوسط والولايات المتحدة وروسيا، على صادرات النفط والغاز العالمية، لذلك فإن التنويع غالبًا ما يعني تحويل الاعتماد بدلًا من القضاء عليه.

عودة زخم الطاقة النووية

وبحسب الرفاعي فمن المرجح أن يشهد قطاع الطاقة النووية زخماً متزايداً، فالعديد من الدول التي تخلت سابقاً عن الطاقة النووية تعيد النظر فيها الآن، نظراً لما توفره من طاقة أساسية مستقرة ومنخفضة الكربون.

ويضرب مثالا قائلاً "أغلقت ألمانيا آخر محطاتها النووية عام 2023، إلا أن اضطرابات الطاقة أجبرت على إعادة فتح أو توسيع قدرة توليد الطاقة الموثوقة".

ويقول الرفاعي "عملياً، سيتحدد مشهد الطاقة في مرحلة ما بعد النزاع بشكل أقل تحولاً سريعاً، وأكثر بإعادة توازن تدريجية: زيادة الاعتماد على الطاقة النووية، وتنويع مصادر الإمداد الإقليمية، واستمرار الدور المحوري للنفط والغاز الطبيعي في المستقبل المنظور".

إعادة خلط الأوراق

وإلى ذلك، يقول محلل الأسواق المالية في شركة (First Financial Markets) دانيال البنا، لـ CNBC عربية، إن قطاع طاقة بعد الحرب الإيرانية يحتاج لإعادة خلط الأوراق، فعملياً مضيق هرمز يمر عبره 20% من إمدادات النفط، وما تعرض له من اضطرابات ضربت الاقتصادات العالمية كافة، وبالتالي دفع ذلك المستثمرين للانتباه لمخاطر غلق مضيق هرمز، وبدأ الحديث بالفعل عن ضخ استثمارات جديدة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

وأطلقت السعودية مبادرة "المسارات اللوجستية" لربط موانئ البحر الأحمر بشبكة برية وجمركية نحو دول الخليج، بهدف ضمان استقرار التجارة الإقليمية وسط تصاعد الحرب وإغلاق مضيق هرمز.

اقرأ أيضاً: حركة عبور في مضيق هرمز.. استثناءات تسمح بمرور ناقلات النفط والغاز

وتعكس المبادرة تحوّلاً استراتيجياً لدعم التجارة عبر البحر الأحمر، ضمن رؤية المملكة 2030 التي تستهدف تطوير 59 مركزاً لوجستياً بقيمة 1.6 تريليون ريال حتى 2034.

وعن أهمية تنويع المحفظة الاستثمارية جغرافياً، يقول البنا إن المستثمرين في الدول الآسيوية والأوروبية شهدوا تراجعات حادة، لذلك جغرافياً لابد من تقسيم الاستثمارات في ظل أزمة الطاقة جراء الحرب، وينصح من يستثمر في السوق الأوروبية أن يوجه جزء من محفظته الاستثمارية نحو الطاقة المتجددة؛ لأن الحرب غيرت موازين الاستثمار وأصبح هناك توجه أوروبي لاستثمار طويل المدى نحو الطاقة المتجددة؛ لتخفيض الاعتماد على النفط بعد ما تعرضوا له من أزمة في الطاقة جراء الحرب الروسية الأوكرانية وأيضاً الحرب الإيرانية.

إلى أين ستتجه بوصلة الاستثمار؟

ويلفت البنا إلى ارتفاع الدولار المؤقت وعوائد سندات الخزانة الأميركية فيما تراجع سعر الذهب قبل أن يرتد ويبلغ مستويات قياسية تخطت 5 آلاف دولار للأونصة، فالمشهد في الأزمة المالية العالمية عام 2008 وأيضاً في الحرب الروسية الأوكرانية، يعيد نفسه اليوم في أعقاب الحرب، لذلك يرى محلل أسواق المال في شركة فيرست فايننشال ماركتس، أن يشمل تنويع الاستثمارات المعادن المرشحة للصعود في ظل تضخم ناتج عن الحرب خصوصاً في أوروبا وأميركا قد يتطور إلى ركود تضخمي، كما يشير البنا إلى ضرورة توجيه دفة الاستثمار نحو قطاعات الذكاء الاصطناعي والاستفادة من التراجعات التي شهدها مؤشر ناسداك في قطاع التكنولوجيا، فهي فرصة لإعادة التمركز على المدى البعيد.

ويشير  إلى زيادة ملحوظة في الاستثمارات في الهند واليابان وأجزاء من جنوب شرق آسيا؛ للتحوّط من مخاطر تركيز السياسات في الولايات المتحدة.

ويؤكد البنا أن ارتفاع الدولار حالياً هو ارتفاع مؤقت نتيجة ارتفاع التضخم ولجوء الفدرالي الأميركي إلى التشديد النقدي ولجؤه للتباطؤ في عمليات خفض سعر الفائدة على المدى المتوسط، وإذا ساء الأمر وحدث ركود تضخمي، سيفضل الفدرالي الاقتصاد على التضخم، وتبقى "السيولة النقدية" هي أهم شيء حالياً.

وأظهرت بيانات شركة (AJ Bell) العام الماضي إلى ازدياد الاهتمام بالصناديق العالمية التي تستثني الولايات المتحدة، حيث استبعد المستثمرون "الولايات المتحدة عمدًا" عند بحثهم عن صناديق استثمارية جديدة.

ضربة للمخزونات

تكشف بيانات السوق عن ضربة غير مسبوقة لمخزونات النفط العالمية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير/ شباط، إذ تراجعت الاحتياطيات المؤكدة بنحو 162 مليون برميل، ما أدى إلى محو قرابة 37% من المخزونات المتراكمة حتى عام 2025. وبحسب تقديرات Global Markets Investor، بلغ إجمالي المخزونات 7.98 مليار برميل، مع وتيرة سحب حادة وصلت إلى 10.2 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع الماضي، في إشارة واضحة إلى تسارع استنزاف الاحتياطيات لمواكبة اضطرابات الإمدادات.

الضغط الأكبر جاء من الخليج العربي، حيث انخفضت المخزونات العائمة بنحو 250 مليون برميل، نتيجة تعطل تدفقات النفط التي كان من المفترض عبورها عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. هذا الاختناق اللوجستي لم ينعكس فقط على حركة الشحن، بل امتد ليصيب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في آسيا، التي كانت الأكثر تضررًا على مستوى المخزونات البرية — باستثناء الصين والهند — مع تسجيل تراجعات حادة منذ أوائل مارس/ آذار.

في هذا السياق، وصفت غولدمان ساكس ما يحدث بأنه “أكبر صدمة في إمدادات النفط على الإطلاق”، محذرة من أن الخسائر التراكمية قد تتجاوز 800 مليون برميل خلال ستة أسابيع إذا استمر الوضع في مضيق هرمز دون تغيير. هذا التوصيف يعكس حجم التحول الهيكلي الذي فرضته الحرب على توازنات السوق، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، قد تعيد رسم خريطة تدفقات النفط العالمية وتدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة