تتسع اليوم سوق الدورات التعليمية عبر الإنترنت لتصبح صناعة بمليارات الدولارات، حيث يبيع مؤثرون ومدربون محتوىً تعليمياً يتراوح بين إدارة الأعمال، وزيادة المتابعين على "تيك توك"، وحتى كيفية قلب منتجات مستعملة لتحقيق أرباح.
ويقدّر تقرير لشركة "غراند فيو ريسيرش" أن حجم السوق العالمي للتعليم الرقمي سيصل إلى 134 مليار دولار بحلول 2030.
يقول الباحثة في الإعلام الاجتماعي وأستاذة الاتصالات المساعدة في جامعة كورنيل، بروك إيرين دافي، إن المنصات قد تغيّر خوارزمياتها فجأة وتقطع مصدر دخل رئيسي، ما يدفع المبدعين إلى البحث عن "طوق نجاة" عبر بناء علاقة مباشرة مع جمهورهم.
ومن منظور المؤثرين، تمثل الكورسات وسيلة لتحقيق دخل ثابت بعيداً عن تقلبات الإعلانات، وفق تقرير businessinsider الإثنين 13 أبريل/نيسان.
تظهر أمثلة عملية على ذلك؛ إذ يوضح الرئيس التنفيذي لشركة "بيهيف"، تايلر دينك، أنه باع نحو 950 عرضاً تقديمياً عن بناء النشرات البريدية بسعر 10 دولارات للواحد، محققاً قرابة 10 آلاف دولار.
كما أتاح جلسات تدريب فردية بسعر 1000 دولار، مؤكداً أن هذه التجربة غطت تكلفة المنصة مرات عديدة.
لكن هذه الطفرة الرقمية تثير جدلاً حول مصداقية المحتوى.
تقول الناقدة في التسويق الرقمي ومؤلفة كتاب "هودوينكد"، مارا آينشتاين، إن كثيراً من الأشخاص بلا خبرة حقيقية لكنهم بارعون في التسويق، ويستطيعون بيع منتجات تعليمية لجمهور قلق بشأن مستقبله المالي.
اقرأ أيضاً: مدير وكالة الطاقة الدولية: مستعدون لسحب آخر من احتياطيات النفط
تراجع الثقة في المؤسسات التقليدية والتعليم الجامعي فتح المجال أمام هذه الدورات، خصوصاً مع تهديد الذكاء الاصطناعي للوظائف، وازدياد رغبة الشباب في دخول عالم المؤثرين.
حيث تؤكد المؤثرة الأميركية لاتاشا جيمس، التي تقدم دورات في إدارة وسائل التواصل الاجتماعي، أن السوق لم يعد كما كان خلال جائحة كورونا، إذ أصبح الجمهور أكثر تشككاً ويواجه ما تسميه "ركود الثقة".
وتضيف أن الذكاء الاصطناعي جعل من الصعب إقناع الناس بدفع 500 دولار لتعلم مهارات يمكنهم سؤال الروبوت عنها.
وللتغلب على هذه الأزمة، يتجه بعض المبدعين إلى بناء مجتمعات تعليمية قائمة على التفاعل الجماعي، حيث يتواصل المشاركون مع بعضهم ومع المدربين، في محاولة لإضفاء قيمة إضافية وإقناعهم بالاستمرار حتى نهاية الدورة.
كما تقول الطالبة السابقة مورغان إن كثيراً من المواد التي حصلت عليها في دورة "سوفيرن موني" لم تختلف كثيراً عن المحتوى المجاني الذي تقدمه "مانيفستشن بيب"، بينما البودكاست المدفوع الذي جذبها في البداية توقف تدريجياً.
وعندما بدأ بعض المشاركين في الشكوى من قلة المحتوى على المنصة المجتمعية، اختفت حساباتهم. ورغم أن مورغان كانت مستقرة مالياً وقت التسجيل، فإنها شعرت بخيبة أمل، معتبرة أن التجربة كانت درساً في ضرورة مراجعة سياسات الاسترداد قبل الاشتراك.
في المقابل، نفى متحدث باسم زنكينا أن تكون الدورة مشابهة للمحتوى المجاني، مؤكداً أن المنهجية المعتمدة خاصة بالبرنامج ولا تُتاح خارجه.
وأقر بأن جدول البودكاست الخاص كان غير منتظم، لكنه أشار إلى إدخال تحسينات في الدورات اللاحقة. كما أوضح أن إزالة بعض المشاركين من المنصة المجتمعية حدث فقط عندما أثّر سلوكهم على تجربة الآخرين.
وأضاف أن قيمة الدورة المقدرة بـ14,988 دولار تستند إلى "تسعير السوق المقارن" لبرامج التدريب، وأن الشهادات المنشورة مأخوذة من طلاب حقيقيين عبر وسائل التواصل.
وتؤكد الشركة أن تقنية "التابينغ" أو EFT مستخدمة على نطاق واسع في صناعة التطوير الشخصي، وأنها عملت مع "مئات الآلاف من الطلاب" عبر المحتوى المجاني والمدفوع، ما يجعل التجارب متفاوتة.
وقال المتحدث: "أي برنامج بهذا الحجم سيضم طلاباً يحبونه وآخرين لا، ونحن نأخذ كلا النوعين من الملاحظات بجدية".
لكن من السهل النظر من الخارج إلى فكرة "تجسيد المال" باعتبارها ساذجة، رغم أن كثيرين ينجذبون إليها.
وفالمؤثرون مثل أندرو تايت عبر "جامعة الهستلارز"، وأماندا فرانسيس بلقب "ماني كوين"، يروجون لأسلوب حياة فاخر ويبيعون الوهم بأن اتباع طرقهم سيقود إلى نفس النجاح.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بالمحتوى بقدر ما يتعلق بالأمل؛ شراء دورة تدريبية بسعر 50 أو 500 أو حتى 5000 دولار يشبه شراء "تذكرة يانصيب رقمية".
تقول الكاتبة إميلي ستيوارت، كبيرة المراسلين في "بيزنس إنسايدر"، إن هذه الثقافة التعليمية الناشئة تعكس أزمة مجتمع فقد الكثير من السلالم التقليدية للنجاح، حيث أصبحت الشهادات الجامعية مغامرة، والوظائف المستقرة بلا ضمانات، والناس يبحثون عن وسيلة لحماية أنفسهم من تغييرات الخوارزميات أو موجات التسريح المقبلة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي