ترتفع حدة التوتر بين إيران وأميركا مجدداً، لكن المتعاملين في الأسواق لا يظهرون حالة ذعر واضحة.
فقد تراجعت العقود المستقبلية المرتبطة بمؤشر Dow Jones Industrial Average بنحو 200 نقطة الإثنين بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة احتجزت سفينة حاويات تحمل العلم الإيراني في خليج عمان.
غير أن هذه الخسائر بدت محدودة مقارنة بالتراجعات التي شهدتها الأسواق منذ اندلاع الحرب، فيما يسارع المستثمرون عادة إلى دفع الأسهم للصعود عند أي بوادر تهدئة، وفق تقرير CNBC الأربعاء 20 أبريل/نيسان.
يقول كبير المحللين الفنيين في شركة BTIG، جوناثان كرينسكي، إن "الخوف انتقل من المخاطر النزولية إلى الخوف من تفويت الفرص (FOMO)".
تحولات في المزاج الاستثماري
أوضح كرينسكي أن متوسط الخمسة أيام لمؤشر Cboe Equity put/call ratio بلغ 0.49، وهو من أدنى المستويات منذ سنوات، ما يعكس ميلاً صعودياً في السوق، رغم أن بعض المحللين يعتبرونه إشارة معاكسة على الإفراط في التفاؤل.
وقد انعكس هذا الزخم في أداء الأسبوع الماضي، إذ تجاوز مؤشر S&P 500 مستوى 7100 نقطة لأول مرة محققاً مكاسب أسبوعية بلغت 4.5%، فيما سجل مؤشر Nasdaq Composite سلسلة ارتفاعات يومية متواصلة هي الأطول منذ عام 1992.
مكاسب استثنائية للأسهم
ويقول كرينسكي إن الأسهم دخلت "منطقة نادرة"، موضحاً أن مؤشر SPX ارتفع بأكثر من 3% لثلاثة أسابيع متتالية، وهو ما حدث مرتين فقط منذ عام 1980، في يونيو/حزيران 2020 وسبتمبر/أيلول 1982، حيث تراجع المؤشر في الأسبوع التالي ثم واصل الصعود على مدى الأشهر اللاحقة.
هل تستمر التقلبات؟
ويشير رئيس استراتيجية المشتقات في شركة 22V Research، جيف جاكوبسون، إلى أن عقود مؤشر VIX لشهر مايو بقيت شبه مستقرة الأسبوع الماضي رغم صعود السوق، مؤكداً أن "عدم قدرة VIX على التراجع بشكل ملموس مع استمرار ارتفاع الأسهم يجعل امتلاك عقود خيارات VIX استراتيجية تحوطية جذابة للغاية".
وأضاف: "التحركات الأخيرة في VIX، إلى جانب المكاسب الضخمة للأسهم خلال الأسابيع الماضية، تجعل من هياكل الصعود لشهر مايو ضرورة في رأيي".
ويشرح كبير المحللين في البنك، إيمانويل كو، فى حديثه لـ Investing قائلاً: إن "الخوف من تفويت الفرص رفع الأسهم إلى قمم جديدة"، رغم أن أسواق النفط والفائدة تبعث رسائل أكثر حذراً.
ويؤكد أن الأسهم أظهرت "قدرة مذهلة على الصمود أمام التحديات"، مشيراً إلى أن إعلان وقف إطلاق النار أعاد المؤشرات الرئيسية إلى مستويات ما قبل الحرب أو فوقها.
إشارات متباينة
وأشار خبراء المشتقات إلى أن عقود مؤشر VIX لشهر مايو بقيت شبه مستقرة رغم صعود الأسهم، ما يعكس حذر بعض المستثمرين الكبار الذين يفضلون التحوط عبر شراء عقود خيارات VIX.
كما ساهمت توقعات الفائدة الإيجابية ونتائج أرباح الشركات، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا، في تعزيز الثقة وتجاهل المخاطر الخارجية. لكن مع وصول S&P 500 إلى مستويات وُصفت بـ"النادرة"، يصبح هامش الخطأ أقل.
قيادة أميركية وتقنية
وقاد قطاع التكنولوجيا والأسواق الأميركية موجة التعافي، مما عزز تفضيل البنك للأسهم الأميركية على نظيراتها الأوروبية، حيث تكشف نتائج الربع الأول المبكرة عن ضغوط على المستهلكين.
كما جدد بنك Barclays التأكيد على أن نهج "تمسك بأعصابك وتحوطاتك" أثبت نجاحه خلال فترة الصراع، موضحاً أن الصدمات الجيوسياسية غالباً ما تتحول إلى فرص شراء جيدة.
اقرأ أيضاً: المعهد الدولي للألمنيوم: تراجع الإنتاج في منطقة الخليج 6% في مارس بسبب الحرب
رسائل حذرة من النفط والفائدة
ويحذر محللون من أن الأسواق قد تكون سعّرت قدراً كبيراً من التفاؤل، إذ تشير أسعار النفط وعوائد السندات إلى رؤية أكثر تحفظاً بشأن مآلات الحرب. وأضاف أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز يعني أن التكلفة الاقتصادية للصراع لم تُحسم بعد.
ويرى Barclays أن المكاسب السهلة الناتجة عن التهدئة قد انتهت، وأن أي ارتفاع إضافي للأسهم يتطلب تأكيداً من أسواق النفط والفائدة بأن الصراع يتجه فعلاً نحو الانحسار.
ومع ذلك، يبقى التموضع الاستثماري عاملاً مؤثراً، إذ أوضح أن صناديق التحوط والـCTA التي خفّضت المخاطر قد تدفع إلى "ارتفاع قوي قصير الأجل"، فيما لا تزال العديد من الصناديق المقيدة بالمخاطر تسعى للحاق بالارتفاع.
دروس مستفادة
يواصل مؤشر Nasdaq تسجيل مكاسب متتالية بلغت 13 يوماً، وهي الأطول منذ أوائل التسعينيات، ما يعكس قوة الزخم الاستثماري ويجذب المزيد من رؤوس الأموال الباحثة عن المشاركة في موجة الصعود.
وأظهرت بيانات السوق أن تحقيق مكاسب تفوق 3% لثلاثة أسابيع متتالية على مؤشر S&P 500 لم يحدث كثيراً منذ عام 1980، وغالباً ما تبع هذه الفترات تصحيح قصير قبل استئناف الصعود على المدى الطويل، وفق تقرير لمنصة capwolf.com.
وتسبب حادث احتجاز سفينة إيرانية في البداية بضغط محدود على العقود المستقبلية لمؤشر Dow Jones، لكن سرعان ما اعتبره المستثمرون مجرد جني أرباح، في إشارة إلى أن المزاج العام يتجاوز المخاوف التقليدية.
قوة العامل النفسي
وتؤكد الدراسات السلوكية أن الخوف من تفويت المكاسب يدفع المستثمرين إلى تجاهل إشارات التحذير، حيث يزداد دخول المستثمرين الأفراد مع انتشار قصص الأرباح السريعة، مما يعزز حلقة مفرغة من الزخم.
ويبقى احتمال عودة التوتر مع إيران أو تقلبات أسعار النفط عاملاً قد يغير المعادلة سريعاً، خاصة مع تمركز المراكز الاستثمارية في اتجاه واحد، ما قد يؤدي إلى تصحيحات حادة إذا تبدل المزاج فجأة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي