يمثل التصعيد بين أميركا وإيران تهديداً مباشراً لاضطراب أسواق الطاقة العالمية، ما يدفع الفدرالي الأميركي إلى دراسة تبني زيادات حادة في معدلات الفائدة لمواجهة عودة الضغوط التضخمية.
ويرى محللون في شركة PIMCO، إحدى أكبر شركات إدارة الاستثمارات ذات الدخل الثابت في العالم، أن الأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى صدمة كبيرة في إمدادات النفط، وهو ما سيضع البنوك المركزية الغربية في موقف أكثر تشدداً.
ومع ارتفاع أسعار النفط الخام، تمتد تداعيات السياسة النقدية الأميركية الأكثر تشدداً إلى أسواق المال العالمية، ما يهدد بتسارع تدفقات رؤوس الأموال الخارجة من الأسواق الناشئة.
ويحذر محللون من أن دولاً أفريقية مثقلة بالديون، مثل كينيا، قد تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة قوة الدولار وارتفاع تكاليف الاقتراض، الأمر الذي ينذر بأزمة اقتصادية كلية محتملة على المدى القريب، بحسب فايننشال تايمز.
يشكل الصراع العسكري المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران تهديداً مباشراً لاستقرار منظومة إمدادات النفط العالمية، في ظل المخاطر المتزايدة التي تطال مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، حيث يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي اليومي للنفط.
وقد انعكس هذا التوتر بشكل حاد على أسواق الطاقة، إذ شهدت الأسعار تقلبات عنيفة، مع دفع المضاربين بأسعار النفط إلى مستويات هي الأعلى منذ عدة سنوات، وسط توقعات باضطرابات كبيرة في الإنتاج الإقليمي وسلاسل الشحن.
اقرأ أيضاً: حصار هرمز يفاقم أزمة الطاقة ويهدد الاقتصاد العالمي
في المقابل، استفادت الدول المصدرة للنفط من هذا الارتفاع، حيث سجلت شركة أرامكو السعودية قفزة في أرباحها خلال الربع الأول بنسبة 26%، مدفوعة بزيادة تشغيل خطوط الأنابيب إلى أقصى طاقتها، مع سعي المشترين عالمياً لتأمين بدائل خارج نطاق مناطق الصراع.
لكن بالنسبة للاقتصادات المستوردة للنفط، تمثل هذه الصدمة ضريبة اقتصادية مباشرة تؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلكين، وإضعاف النشاط الصناعي، نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة.
اقرأ أيضاً: أرباح أرامكو السعودية تقفز إلى 120 مليار ريال في الربع الأول من 2026
ويظل استمرار هذه الصدمة مرتبطاً بمسار التصعيد العسكري، إذ إن أي حرب طويلة قد تؤدي إلى تضرر البنية التحتية النفطية الإيرانية أو تعطيل الملاحة في المضيق، ما قد يرسخ مستويات مرتفعة لأسعار الطاقة عالمياً لسنوات، ويعيد تشكيل التوقعات الاقتصادية الكلية على المدى المتوسط والطويل.
في المقابل، يجد الفدرالي نفسه أمام معضلة معقدة، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة يهدد بإعادة إشعال التضخم، ما يفرض عليه مراجعة توقعات الأسواق التي كانت تشير سابقاً إلى خفض الفائدة خلال عام 2026.
وبحسب تقديرات "PIMCO"، فإن الفدرالي لا يمكنه تجاهل أثر صدمة الطاقة، لأن ارتفاع أسعار النفط ينعكس على جميع سلاسل الاقتصاد، من النقل والزراعة إلى الصناعات التحويلية، ما قد يدفعه إلى رفع الفائدة لكبح الطلب المحلي وتعويض الضغوط التضخمية المستوردة.
يرى محللون أن أي تشديد نقدي من جانب الفدرالي ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، إذ يؤدي ارتفاع العوائد على السندات الأميركية إلى جذب رؤوس الأموال بعيداً عن الأسواق الناشئة، ما يضغط على عملاتها ويزيد من تكلفة الاقتراض.
ومع ارتفاع الدولار الأميركي، تواجه الدول ذات الديون المقومة بالدولار عبئاً متزايداً، إذ تضطر إلى تخصيص كميات أكبر من عملاتها المحلية لسداد التزاماتها الخارجية، ما يرفع مخاطر الضغوط المالية.
كما أن الدول المستوردة للنفط تتعرض لصدمة مزدوجة، حيث ترتفع تكلفة شراء الطاقة بالدولار في الوقت الذي تتراجع فيه قيمة عملاتها، ما يؤدي إلى استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي بسرعة أكبر.
وفي هذا السياق، يشير التقييم إلى أن اقتصاد كينيا يعد من أكثر الاقتصادات عرضة لهذه الصدمات، نتيجة اعتماده الكبير على استيراد النفط وتراكم الديون المقومة بالدولار، خاصة عبر السندات الدولية.
فأي ارتفاع في أسعار الفائدة الأميركية ينعكس مباشرة على تكلفة خدمة الدين الخارجي، ما يدفع البنك المركزي الكيني إلى رفع الفائدة محلياً للدفاع عن العملة، وهو ما يضغط على الائتمان ويبطئ النمو الاقتصادي.
وفي المحصلة، فإن التداخل بين صدمة الطاقة وتشديد السياسة النقدية الأميركية يخلق حلقة ضغط عالمية تمتد من أسواق النفط إلى الاقتصادات الناشئة، لتصبح تكلفة أي صراع في الشرق الأوسط ذات طابع عالمي واسع، تتحمل جزءاً منه دول لا علاقة مباشرة لها بالنزاع.
لكن هذا النهج يحمل مخاطر واضحة، إذ قد يؤدي إلى دخول الاقتصاد في حالة "ركود تضخمي"، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي بينما تبقى الأسعار مرتفعة، ما يضع السياسة النقدية الأميركية أمام واحدة من أصعب معادلاتها منذ سنوات.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي