قد يواجه سوق النفط واقعاً جديداً بعد الحرب مع إيران، يتمثل في عدم عودة صادرات الخام عبر مضيق هرمز إلى المستويات التي كانت تُعد طبيعية في السابق، في ظل تزايد مخاوف شركات الشحن من احتمال اندلاع مواجهات عسكرية جديدة بشكل مفاجئ في منطقة الخليج شديدة التقلب.
ومن المرجح أن تتردد شركات الشحن الغربية في عبور مضيق هرمز إذا استمرت إيران في فرض سيطرة فعلية عليه، لا سيما إذا اضطرت السفن إلى التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، وهو ما قد يعرضها لمخاطر انتهاك العقوبات الأميركية.
ويحمل هذا السيناريو تداعيات يصعب التنبؤ بها نظراً للأهمية الحيوية التي يتمتع بها مضيق هرمز في أسواق الطاقة العالمية. فحرية الملاحة عبر المضيق لم تواجه تهديداً جدياً من قبل، إلى أن أقدمت إيران على إغلاقه فعلياً رداً على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير شباط.
وأدى الحصار الإيراني على مضيق هرمز إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط بالتاريخ، ما زاد الضغوط على واشنطن للتوصل إلى اتفاق مع طهران في ظل تصاعد المخاطر على الاقتصاد العالمي يوماً بعد يوم، بحسب تقرير لـ CNBC.
وبحسب التقرير، يبدو أن إيران تسعى إلى استغلال هذه الورقة الاستراتيجية لترسيخ نفوذها على المضيق ضمن أي تسوية محتملة تنهي الحرب.
اقرأ أيضاً: صندوق النقد والبنك الدوليان ومؤسسات دولية أخرى تحذر من أزمة طاقة
وقال آموس هوكستين، الذي شغل منصب مستشار بارز لشؤون الطاقة والأمن القومي للرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إن قادة الشرق الأوسط باتوا يعتقدون أن إيران أصبحت تفرض سيطرتها فعلياً على مضيق هرمز.
وأضاف: "بغض النظر عما سيحدث، ستبقى إيران مسيطرة على مضيق هرمز في المستقبل المنظور"، مشيراً إلى أن الاعتقاد السائد في المنطقة لا يعتمد بالضرورة على ما قد تتضمنه أي اتفاقات سياسية مستقبلية.
من جهتها، قالت هليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع العالمية لدى "آر بي سي كابيتال ماركتس"، إن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب قد تكون مثلت ذروة مستويات العبور التي قد لا تتكرر خلال المستقبل القريب، في ظل المتغيرات الجيوسياسية الجديدة التي فرضها الصراع.
وفي السياق نفسه، قال ريتشارد ميد، رئيس تحرير "لويدز ليست"، إن التدفقات قد تعود إلى ما بين 60% و70% من مستويات ما قبل الحرب، مع استمرار مرور السفن المرتبطة بالصين بحرية أكبر، مقابل اشتراطات واتفاقات ثنائية للسفن الغربية مع إيران.
ووصف ميد هذا السيناريو بأنه قد يؤدي إلى "مضيق منقسم بشكل دائم"، حيث تصبح حركة العبور مرتبطة بالاصطفاف السياسي بدلاً من حرية الملاحة.
وأشار التقرير إلى أن أزمة البحر الأحمر تقدم مثالاً على كيفية قدرة التوترات الجيوسياسية على تعطيل ممرات التجارة لفترات أطول مما كان متوقعاً.
فقد بدأت هجمات الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، على السفن التجارية في نوفمبر تشرين الثاني 2023 رداً على حرب غزة، ما أدى إلى تراجع حاد في حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب.
وقال كينيدي إنه حتى في حال وافقت إيران على إعادة فتح مضيق هرمز دون أي شروط على حركة العبور، فإن عودة حركة الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق وقتاً طويلاً.
وأوضح أن هناك مخاوف أمنية قائمة، من بينها احتمال وجود ألغام بحرية قد تكون زُرعت داخل المضيق، ما يزيد من تعقيد عودة الملاحة بشكل طبيعي.
وأضاف كينيدي أن هناك أيضاً خطراً كبيراً من احتمال تجدد الحرب خلال العام المقبل، ما لم يتم التوصل إلى تسوية دائمة بشأن البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، وهي القضايا التي كانت في صميم التصعيد، خصوصاً من منظور الأمن القومي الإسرائيلي، وفقاً لتقييمات المحللين.
وأشار إلى أن شركات الشحن ستضطر إلى تقييم ما إذا كانت مستعدة لتحمل مخاطر قد تشمل احتمال احتجاز سفنها على أحد جانبي المضيق لفترات طويلة في حال اندلاع الحرب مجدداً.
في المقابل، أوضح محللون أن أزمة هرمز تختلف عن أزمة البحر الأحمر في نقاط جوهرية، إذ إن أزمة البحر الأحمر سمحت للسفن بتفادي المخاطر عبر الإبحار حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، بينما لا توجد بدائل مماثلة لمضيق هرمز الذي يُعد ممراً بحرياً ضيقاً واستراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه.
كما يتمتع مضيق هرمز بأهمية أكبر بكثير في أسواق الطاقة العالمية مقارنة بالبحر الأحمر، إذ كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً قبل الحرب.
اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يطلق عملية حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي