أعاد الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز لفترة ممتدة تشكيل النقاش العالمي حول أمن الطاقة، بعدما كشف هشاشة سلاسل إمداد الوقود الأحفوري، في وقت باتت فيه مصادر الطاقة المتجددة تُطرح باعتبارها خياراً أكثر استقراراً وأمناً على المدى الطويل.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ما جعل التوترات الجيوسياسية الأخيرة تلقي بظلالها على أسواق الطاقة وتثير مخاوف واسعة بشأن أمن الإمدادات.
وقال كينغسميل بوند، استراتيجي الطاقة في مؤسسة "إمبر" البحثية البريطانية، إن الوقود الأحفوري أصبح اليوم المصدر الأكثر عرضة للاضطرابات وعدم اليقين، وهي الانتقادات ذاتها التي كانت تُوجَّه سابقاً إلى الطاقة المتجددة.
وأضاف لـCNBC، أن التطورات التكنولوجية، خاصة في مجال البطاريات، عززت موثوقية الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مشيراً إلى أن أوروبا لا تزال معرضة بشكل كبير لمخاطر النظام التقليدي للطاقة، ما يستدعي تسريع التحول نحو البدائل النظيفة.
اقرأ أيضاً: روسيا تعترف لأول مرة بانخفاض إنتاجها النفطي
وأوضح بوند أن أزمة الطاقة الحالية تختلف عن أزمتي النفط في سبعينيات القرن الماضي، إذ تمتلك الحكومات اليوم بدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة، تشمل الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات وتقنيات الكهرباء الحديثة، ما يتيح توسيع الاعتماد عليها بوتيرة أسرع.
من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لشركة "فورتوم" الفنلندية، ماركوس راورامو، أن الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد يجعل الدول أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية وتعطل الإمدادات.
وقال إن الحل يكمن في تطوير مصادر محلية للكهرباء النظيفة، بما يقلل الاعتماد على واردات الطاقة ذات الانبعاثات الكربونية المرتفعة، مع الإقرار بأن التحول إلى نظام طاقة جديد يتطلب وقتاً واستثمارات كبيرة.
وأدت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية وزيادة المخاوف التضخمية، خاصة في آسيا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، كما امتدت التداعيات إلى أوروبا وأفريقيا مع ارتفاع تكاليف الوقود وتزايد المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وعدم وجود مؤشرات على إعادة فتحه قريباً، تتزايد الدعوات لتسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على طرق التجارة التقليدية للوقود الأحفوري.
ويأتي هذا التحول في النقاش حول أمن الطاقة بعد أشهر قليلة من ترحيب قادة قطاع الوقود الأحفوري بتغير ملحوظ في السردية المرتبطة بعملية التحول في قطاع الطاقة.
وخلال قمة النفط السنوية التي استضافتها الإمارات أواخر العام الماضي، دافع عدد من كبار مسؤولي شركات الطاقة التقليدية عن مفهوم "إضافة الطاقة"، باعتباره نهجاً يضمن أمن الإمدادات ويلبي الطلب المتزايد من قطاعات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي.
ويقوم مفهوم "إضافة الطاقة" على تطوير مصادر وتقنيات جديدة، بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالتوازي مع استمرار استخدام الوقود الأحفوري، في حين يشير مفهوم "التحول الطاقي" إلى الانتقال التدريجي من مصدر طاقة إلى آخر.
اقرأ أيضاً: منظمة التعاون الاقتصادي: الحرب الأميركية ـ الإيرانية تهدد النمو العالمي
من جانبها، قالت بريغيتي رينغستاد فارتدال، الرئيسة التنفيذية لشركة "ستاتكرافت"، أكبر منتج للطاقة المتجددة في أوروبا، إن الحربين في أوكرانيا وإيران ساهمتا في تغيير النظرة إلى أمن الطاقة المرتبط بالتقنيات النظيفة.
وأضافت أن التطورات السريعة في تقنيات تخزين الطاقة عززت من جاذبية مصادر الطاقة المتجددة، مشيرة إلى أن البطاريات أصبحت أقل تكلفة وأكثر قدرة على تخزين الكهرباء لفترات أطول مقارنة بالسنوات الماضية، ما يدعم موثوقية الشبكات الكهربائية المعتمدة على مصادر الطاقة النظيفة.
وتُنظر إلى البطاريات باعتبارها أحد الحلول الرئيسية لمعالجة مشكلة تقطع إنتاج الطاقة المتجددة، إذ تتيح تخزين فائض الكهرباء خلال فترات ارتفاع الإنتاج، ثم إعادة ضخه إلى الشبكة عند تراجع التوليد.
وقالت فارتدال إن البطاريات باتت تؤدي دوراً متزايد الأهمية في تغطية فترات الطلب الواقعة بين أوقات الذروة والفترات منخفضة الاستهلاك، موضحة أن دمج البطاريات مع مشاريع الطاقة الشمسية أو مع مزيج من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يساهم في توفير إمدادات كهربائية أكثر استقراراً واستمرارية.
وأضافت أن النرويج، التي تُعد نموذجاً عالمياً في الاعتماد على الطاقة الكهرومائية المتجددة، لم تواجه تحديات تقطع الإمدادات بالحدة نفسها التي شهدتها دول أوروبية أخرى، إلا أن مسألة تقلب الإنتاج تظل عنصراً أساسياً في معادلة أمن الطاقة.
وفي الوقت ذاته، أكدت أن أنظمة الطاقة المستقبلية ستظل بحاجة إلى قدر من الغاز الطبيعي لضمان استقرار الإمدادات خلال الفترات الطويلة التي ينخفض فيها إنتاج مصادر الطاقة المتجددة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي