عقب فوز كيفن وارش برئاسة الفدرالي الأميركي الجديد، تصاعد الجدل حول استقلالية البنك المركزي ومستقبل سياساته، فيما يتعلق بمعدلات الفائدة، فضلاُ عن تساؤلات تتصاعد حول استقلالية الفدرالي الأميركي وسط ضغوط أحاطت بالإدارة السابقة بقيادة جيروم باول من إدارة الرئيس الأميركي دوناد ترامب.
يقدّم وارش نفسه كـ"ناقد من الداخل" بعد أن شغل منصب عضو مجلس الاحتياطي الفدرالي خلال أزمة 2007-2008 تحت رئاسة بن برنانكي.
وخلال سعيه للمنصب، تعهّد بـ"تغيير النظام" في الفدرالي، قائلاً عام 2025 إن ذلك قد يتطلب "كسر بعض الرؤوس".
لكنه خفف من لهجته لاحقًا، مؤكدًا في مراسم التنصيب أن هدفه هو "تهيئة بيئة يستطيع فيها أفضل الأشخاص تقديم أفضل أعمال حياتهم".
وأدى وارش اليمين رسميًا يوم الجمعة 22 مايو/أيار، ليصبح أول رئيس للفدرالي يُنصّب في البيت الأبيض منذ عام 1987.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كلمته إنه يريد من وارش أن يكون "مستقلًا تمامًا"، داعيًا إياه إلى "القيام بعمله بحرية".
لكنه في تجمع انتخابي لاحق في اليوم نفسه، توقع أن تنخفض أسعار الفائدة "بسرعة كبيرة".

سياسات وتوقعات الفدرالي
يرى مراقبو الفدرالي أن وارش قد يدفع البنك المركزي إلى تقليص تدخله في الأسواق المالية، ووضع قواعد أوضح بشأن توقيت تدخلاته.
كما يترقب المستثمرون كيف سينفذ وارش وعده بـ"تغيير النظام" داخل المؤسسة النقدية، وسط ضغوط سياسية وتحديات اقتصادية متزايدة، وفق تقرير فينانشال تايمز.
ركز وارش، في تصريحاته على ما وصفه بـ"تغيير النظام" داخل المؤسسة النقدية، معلنًا رفضه الاعتماد على أدوات الميزانية العمومية الحالية وداعيًا إلى إطار جديد للتعامل مع التضخم.
هذا التوجه يثير قلق المستثمرين الذين يخشون أن يؤدي أي تعديل في منهجية قياس التضخم إلى فقدان المصداقية وإرباك الأسواق.
كما أن انتقاده لأساليب التوقعات والتواصل المعتمدة في الفدرالي يوحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد شفافية أقل ورؤية محدودة، وهو ما قد ينعكس في صورة تقلبات أكبر في الأسواق المالية.
اقرأ أيضاُ: هل يترك ترامب لوارش الحرية في إعادة تشكيل الاحتياطي الفدرالي الأميركي؟
استقلالية الفدرالي
يؤكد وارش في تصريحاته أن الاحتياطي الفدرالي ليس مستقلاً عن الحكومة، بل هو مستقل داخل الحكومة، مشددًا على أن الفدرالي يجب أن يحقق نتائج اقتصادية جيدة ليحافظ على هذه الاستقلالية.
لكنه يواجه شكوكًا بسبب مواقفه الحزبية أثناء سعيه للترشح، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرته على الابتعاد عن نفوذ الإدارة الأميركية.
كما يستعد لإحداث تغيير في أسلوب التواصل داخل البنك المركزي، إذ ألمح إلى أنه قد يمتنع عن تقديم توقعات أسعار الفائدة ضمن ما يُعرف بـ"الرسم النقطي" الفصلي الذي يعرض آراء مسؤولي الفدرالي حول المسار الأمثل للفائدة.
هذا التوجه يعكس اعتراضه المتكرر على سياسة "التوجيه المسبق"، التي اكتسبت أهمية خلال حقبة الفائدة الصفرية كأداة لخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.
قال وارش خلال جلسة تأكيده أمام مجلس الشيوخ في مايو/أيار: "على عكس كثير من زملائي السابقين والحاليين، لا أؤمن بالتوجيه المسبق، ولا أعتقد أنه ينبغي أن أستعرض لكم ما قد يكون قرارًا مستقبليًا".
هذه التصريحات، إلى جانب توقعات انسحابه من تقديم إشارات استباقية للأسواق، تؤكد أنه يستعد لإطلاق أكبر إعادة تشكيل لدور الفدرالي في قلب الاقتصاد الأميركي منذ عقود، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة من تقلبات أكبر في الأسواق نتيجة تراجع وضوح الرؤية المستقبلية.
معدلات الفائدة
أوضح وارش في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي أنه يرى ضرورة خفض أسعار الفائدة، لكن ضمن حزمة تتضمن تشديدًا على وول ستريت، معتبرًا أن طفرة الإنتاجية المقبلة بفعل الذكاء الاصطناعي ستكون قوة انكماشية مهمة.
هذا الموقف يتعارض مع تقديرات العديد من الاقتصاديين الذين يرون أن الطفرة الإنتاجية تستدعي رفعًا هيكليًا للفائدة لتوفير مدخرات تمول الاستثمار.
وكانت اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة قد شهدت خلافات داخلية مؤخرًا، حيث صوت ثلاثة أعضاء ضد التوجه نحو التيسير النقدي.
وأكد عضو مجلس الفدرالي كريستوفر والر أن مخاطر التضخم ارتفعت بشكل حاد، مشددًا على أن أي قرار بشأن الفائدة سيعتمد على البيانات، سواء كان رفعًا أو خفضًا، وفق تقرير فينانشال تايمز.

نظرية التضخم
يردد وارش أن "التضخم خيار"، يحدث عندما "تنفق الحكومة أكثر وتطبع أكثر"، ويعتبر أن الفدرالي سمح بذلك عبر الإفراط في خلق النقود والاعتماد المفرط على النماذج الاقتصادية.
هذه الرؤية تضعه في مواجهة أسئلة صعبة حول سياسات الإنفاق والعجز المالي في عهد ترامب.
وأكد وارش ، في كلمته يوم تنصيبه، إن مهمته الأساسية هي السعي لتحقيق الاستقرار السعري والعمالة الكاملة، مشيرًا إلى ضرورة التعلم من نجاحات وإخفاقات البنك المركزي.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في مواجهة موجة تضخمية جديدة، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في أبريل إلى 3.8%، فيما زادت أسعار المنتجين 6% على أساس سنوي، لتبتعد أميركا عن هدف التضخم البالغ 2%، وفق فينانشال تايمز.
وأظهرت بيانات السوق أن توقعات التضخم على المدى المتوسط ارتفعت بين عامي 2028 و2030، رغم بقاء التوقعات طويلة الأجل مستقرة عند 2%. هذا التطور يفرض على الفدرالي مراقبة دقيقة لتجنب ترسخ توقعات تضخمية أعلى.
ضغوط أسعار الطاقة
وتسببت صدمة الطاقة في ارتفاع الأسعار بشكل واسع، حيث انعكس ارتفاع أسعار الوقود مباشرة على المستهلكين بسبب انخفاض الضرائب الأميركية على البنزين مقارنة بدول مجموعة السبع.
كما أظهرت مؤشرات التضخم الأساسية أن معظم السلع والخدمات تشهد زيادات متزامنة، ما يثير مخاوف من تحول التضخم إلى حلقة ذاتية التعزيز.
ويرى مراقبون أن أفضل فرصة لخفض تكاليف الاقتراض قريبًا تكمن في التوصل إلى اتفاق سلام سريع في الخليج وإعادة فتح مضيق هرمز، ما قد يخفف من الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة، وفق فينانشال تايمز.
ميزانية الفدرالي
انتقد وارش تضخم ميزانية الفدرالي التي بلغت 6.7 تريليون دولار، معتبرًا أنها ساهمت في تغذية التضخم وتداخل السياسة المالية مع النقدية.
ويرى أن تقليص الميزانية سيكون محورًا رئيسيًا في عهده، مع احتمال تعديل اللوائح المصرفية لتشجيع البنوك على شراء السندات الحكومية بدلًا من الاحتفاظ بالاحتياطيات لدى الفدرالي.
العلاقة مع وزارة الخزانة الأميركية
صرّح وارش أن الفدرالي "مستقل داخل الحكومة وليس مستقلًا عنها"، مشيرًا إلى إعجابه بالنموذج البريطاني الذي يسمح لممثل وزارة الخزانة بحضور اجتماعات لجنة السياسة النقدية.
هذا يثير تساؤلات حول مدى استعداده لمنح السلطة التنفيذية دورًا أكبر في رسم السياسة النقدية الأميركية، وفق شبكة CNBC.
اقرأ أيضاً: رهانات رفع الفائدة تنتعش.. إليك ما يجب فهمه من تقرير الوظائف الأخير
التنظيم المالي والعملات الرقمية
أكد وارش أنه لا يرى للفدرالي حقًا خاصًا في سياسات الرقابة المصرفية، وهو موقف ينسجم مع دعوات الإدارة لتخفيف القيود.
لكن ذلك يفتح الباب أمام جدل حول كيفية التعامل مع مخاطر الاستقرار المالي المرتبطة بالبنوك والعملات المشفرة والـ"ستيبلكوينز".
ويرى ترامب أن الفدرالي يجب ألا يعرقل أي طفرة اقتصادية ناتجة عن تحسن في جانب العرض مثل الذكاء الاصطناعي، الذي قد يرفع الإنتاجية.
لكن خبراء يحذرون من أن توقعات مستقبل أكثر إشراقًا قد تدفع المستهلكين إلى الإنفاق المفرط الآن، ما يضيف ضغوطًا تضخمية جديدة.
علاقات وارش
وأثارت قرارات وارش اهتمامًا واسعًا، إذ يضم محيطه الاستشاري شخصيات بارزة مثل وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، المستثمر ستانلي دروكنميلر، والرئيس التنفيذي لشركة Chevron مايك ويرث، الذين حضروا مراسم تنصيبه في البيت الأبيض.
لكن يُلاحظ أن عدد مستشاريه ممن لديهم خبرة مباشرة في الفدرالي أو البنوك المركزية الكبرى محدود، وفق فينانشال تايمز.
شاهد أيضاُ: قفزة عوائد السندات تضع كيفن وارش أمام اختبار التضخم والنمو
التعيينات الجديدة.. ما الدلائل؟
أبدى وارش رفضه لتعدد الأصوات داخل الفدرالي، داعيًا إلى تقليل الاجتماعات وتبني نهج أكثر تحفظًا في نشر التوقعات الاقتصادية، معتبرًا أن الإفراط في التصريحات يجعل صانعي السياسة "أسرى لكلماتهم".
اتخذ رئيس الاحتياطي الفدرالي، كيفن وارش، أولى خطواته بعد أدائه اليمين الشهر الماضي، حيث عيّن بول وينفري ودانيال هايل كمستشارين مؤقتين لدعم عمله في صياغة السياسات.
واستقطب وارش الباحثين في السياسات الاقتصادية المحافظة للعمل معه كمستشارين مؤقتين في البنك المركزي.
وينفري كتب فصلًا عن الفدرالي في كتاب السياسات المحافظ "مشروع 2025"، فيما يشغل هايل منصب باحث في معهد هوفر بجامعة ستانفورد حيث عمل وارش سابقًا.
ويعمل كلاهما "كمقاولان مؤقتان لدعم وارش في التحليل والسياسات ومشاريع خاصة"، وفق مصادر تحدثت لشبكة CNBC.
وعمل وينفري سابقًا في مجلس السياسات الداخلية خلال إدارة ترامب الأولى، وأسس لاحقًا مركز ابتكار السياسات الاقتصادية المؤيد لترامب.
وفي مساهمته بكتاب "مشروع 2025"، اقترح إنهاء ما يُعرف بالتفويض المزدوج للفدرالي، الذي يلزمه بالسعي لتحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار، داعيًا بدلًا من ذلك إلى التركيز على "حماية الدولار وكبح التضخم". أما وارش فقد أكد في كلمته أنه ملتزم بالجانبين معًا.

شاهد أيضاُ: كيفن وارش تحت الضغط.. "ملف الأصول" يثير التساؤلات قبل توليه رئاسة الفدرالي
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي