من قمة الـ 126 ألف دولار إلى الـ 61 ألفاً.. البتكوين تفقد أكثر من نصف قيمتها، في رحلة هبوط حر أعادت للأذهان ذكريات عام الانهيارات الكبرى (2022)
العملة المشفرة الأكبر عالمياً تتجه لإنهاء 3 فصول متتالية باللون الأحمر، والتاريخ يخبرنا: لم يحدث أن سجلت 4 فصول خسارة متتالية إلا مرة واحدة فقط.
تواجه عملة البتكوين، الأشهر والأكبر في سوق العملات المشفرة عالمياً، ضغوطاً بيعية حادة ومستمرة، دفعت بها إلى مسار هبوطي يعيد إلى الأذهان ذكريات "شتاء الكريبتو" القاسي، لتواصل الابتعاد بشكل حاد عن مستوياتها القياسية التاريخية التي سجلتها في وقت سابق.
تتجه العملة المشفرة الأكبر من حيث القيمة السوقية نحو إنهاء الربع الثالث على التوالي باللون الأحمر، في مؤشر يعكس حالة من التوجس تسيطر على المستثمرين، وتراجع الشهية نحو الأصول ذات المخاطر العالية.
لم يكن النزيف الحالي وليد اللحظة، بل جاء نتاج سلسلة من التراجعات الفصلية المتلاحقة التي بدأت في أواخر العام الماضي، وتوزعت كالتالي:
الربع الرابع من عام 2025: مُنيت البتكوين بخسارة فصلية حادة تجاوزت 23%
الربع الأول من عام 2026: تواصل الهبوط لتسجل العملة انخفاضاً إضافياً بأكثر من 22%
الربع الثاني من عام 2026 (حتى الآن): لا يزال اللون الأحمر مخيماً على التداولات، حيث سجلت العملة تراجعاً يقدر بنحو 10% منذ بداية الربع وحتى الآن.
يأتي هذا التراجع المستمر بعد طفرة قياسية عاشها سوق الكريبتو في العام الماضي؛ ففي السادس من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، نجحت البتكوين في اختراق حاجز 126 ألف دولار مسجلة أعلى مستوى قياسي لها على الإطلاق، مدفوعة بزخم تدفقات السيولة والتفاؤل التنظيمي آنذاك.

مصدر البيانات: منصة coinglass
إلا أن المشهد انقلب تماماً اليوم، حيث يجري تداول العملة المشفرة الأكبر حالياً في نطاق الـ 61 ألف دولار، مما يعني أنها فقدت أكثر من نصف قيمتها (ما يزيد عن 51%) مقارنة بذروتها التاريخية.
يضع هذا الأداء السلبي المتواصل عملة البتكوين أمام اختبار تاريخي حرج. وتُظهر البيانات التاريخية أن البتكوين لم يسبق لها أن سجلت أربعة فصول متتالية من الخسائر إلا مرة واحدة في تاريخها الحديث، وكان ذلك خلال العام 2022، والذي وُصف بعام الانهيارات الكبرى في سوق التشفير.
وللمقارنة، جاءت خسائر عام 2022 على النحو التالي:
الربع الأول: تراجع طفيف بنحو 1.5%
الربع الثاني: انهيار عنيف بأكثر من 56%
الربع الثالث: هبوط بـ 2.5%
الربع الرابع: خسارة إضافية تخطت 14.5%

يثير المسار الحالي مخاوف حقيقية بين الأوساط الاستثمارية من تكرار "سيناريو 2022" المقلق، ففي حال فشل الثيران في استعادة السيطرة على مستويات الدعم الحالية خلال ما تبقى من الربع الجاري، قد تندفع العملة نحو فصل رابع من التراجع، مما سيؤكد دخول السوق في دورة هبوطية طويلة المدى قد تتطلب وقتاً طويلاً للتعافي منها.
تكررت خسائر الثلاث فصول المتتالية بين عامي 2014 و2015؛ فبعد ربع ثانٍ إيجابي في 2014، بدأت العملة رحلة هبوط حر قاسية خلال الربعين الثالث والرابع من نفس العام، لتتكبد خسائر بلغت -39.74% و-16.7% على التوالي. ولم يتوقف هذا النزيف مع تبدل التقويم، بل امتد ليعصف بالربع الأول من عام 2015 بموجة حمراء إضافية أفقدت العملة -24.14% من قيمتها، في سلسلة هبوط متواصلة لم تنكسر حدتها إلا مع مطلع الربع الثاني من عام 2015، لتظل تلك الفترة شاهدة على عمق التقلبات والدورات التصحيحية العنيفة التي صاغت هوية هذا السوق.
وتشير الدورات التاريخية لسوق العملات المشفرة إلى أن فترات التراجع الممتدة غالباً ما تتزامن مع انحسار السيولة العالمية وارتفاع جاذبية الأصول التقليدية، وهو ما يدفع شريحة واسعة من المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر. وفي مثل هذه المراحل، تتراجع أحجام التداول تدريجياً وتتزايد حساسية السوق تجاه أي أخبار سلبية أو تطورات اقتصادية قد تؤثر على تدفقات رؤوس الأموال.
كما أن فقدان البتكوين لأكثر من نصف قيمتها مقارنة بذروتها التاريخية يضعها ضمن نطاقات تصحيحية شهدتها دورات سابقة، إذ اعتادت العملة المرور بموجات هبوط حادة عقب كل قمة تاريخية كبرى قبل أن تدخل مرحلة استقرار طويلة نسبياً. إلا أن الفارق هذه المرة يتمثل في اتساع قاعدة المستثمرين المؤسسيين وحجم الأموال المرتبطة بالأصول الرقمية، ما يجعل تحركات السوق أكثر ارتباطاً بالمتغيرات الاقتصادية الكلية وأسعار الفائدة والسياسات النقدية العالمية.
اقرأ أيضاً: نهاية أسبوع خاسر للعملات المشفرة.. البتكوين تخسر بنسبة 50% عن أعلى مستوى لها على الإطلاق
ويرى محللون أن الأسابيع المتبقية من الربع الجاري ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه المقبل للسوق، فنجاح البتكوين في الحفاظ على مستويات الدعم الحالية قد يمنح المستثمرين إشارة إلى بدء مرحلة استقرار وبناء مراكز جديدة، بينما قد يؤدي كسر هذه المستويات إلى زيادة الضغوط البيعية وإعادة إحياء المخاوف من دخول السوق في موجة هبوط أعمق تشبه ما حدث خلال الدورات التصحيحية الكبرى السابقة.
الأسابيع المتبقية من الربع الجاري ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه المقبل للسوق، فنجاح البتكوين في الحفاظ على مستويات الدعم الحالية قد يمنح المستثمرين إشارة إلى بدء مرحلة استقرار وبناء مراكز جديدة
فيما يبقى التساؤل المفتوح في وول ستريت وأسواق الأصول الرقمية: هل تشهد المستويات الحالية (61 ألف دولار) عمليات بناء مراكز وتجميع جديدة تنقذ العملة من فخ الخسارة الفصلية الثالثة، أم أن الضغوط المختلفة ستجبر البتكوين على مواصلة رحلة الهبوط الحر؟
تراجعات الكريبتو
وبحسب كبير مسؤولي الاستثمار في مجموعة Syz، تشارلز هنري مونشو، فإن الانخفاض الأسبوعي الأخير للبيتكوين كان مدفوعًا بمزيج من عمليات البيع التي قامت بها شركة Strategy وتأثير مزاحمة الأموال الساخنة التي تطارد الأصول الأخرى.
وأضاف مونشو في التصريحات التي نقلتها CNBC: "يستثمر المضاربون كل أموالهم في أسهم الذكاء الاصطناعي ورقائق الذاكرة، وخاصة في كوريا، ويتوقع السوق أيضاً أن تؤدي الاكتتابات العامة الأولية الضخمة القادمة إلى تحويل بعض أموال الأفراد إلى الأسهم الجديدة".

بالإضافة إلى ذلك، فإن المحفز الرئيسي لاهتمام المستثمرين المتجدد بالبيتكوين، وهو مشروع قانون هيكلة سوق العملات المشفرة المعروف باسم قانون الوضوح ، يبتعد أكثر فأكثر عن متناول اليد مع تغير الأولويات التشريعية واستمرار انقسام المشرعين حول الأحكام الرئيسية لمشروع القانون.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين المحيطة بحرب إيران، والتي أبقت البيتكوين تحت ضغط في الأشهر الأخيرة، ارتفع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية جديدة. هذا التباين يدفع المستثمرين إلى التشكيك في كلا الروايتين السائدتين حول البيتكوين: الأولى أنها ”ذهب رقمي” يجب أن يستفيد من عدم الاستقرار الجيوسياسي، والثانية أنها تُتداول كسهم تقني عالي المخاطر.
ويقول رئيس إدارة المحافظ الدولية في شركة ويف ديجيتال أسيتس، راجيف ساهني: "لقد رأينا ارتباط بيرسون لمدة 30 يومًا بين البيتكوين ومؤشري ناسداك وستاندرد آند بورز 500 يصل إلى ارتباط إيجابي شبه مثالي قبل شهر واحد فقط، لكن هذا الارتباط انهار خلال الأسابيع القليلة الماضية".
ويضيف: "لذا، فبينما استمرت الأسهم العالمية، وخاصة أسهم التكنولوجيا، في الوصول إلى مستويات قياسية جديدة، فشل البيتكوين في تتبع نفس الاتجاه الصعودي للسعر".
حققت صناديق الاستثمار المتداولة في البيتكوين، وهي محرك رئيسي لارتفاع الأسعار، تدفقًا صافيًا بقيمة 3 ملايين دولار يوم الخميس، منهيةً بذلك سلسلة من التدفقات الخارجة استمرت 13 يومًا، وهي أطول سلسلة لها على الإطلاق. وانخفض صافي أصول صناديق الاستثمار المتداولة في البيتكوين إلى 80.4 مليار دولار من 107.8 مليار دولار في 14 مايو.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي