تحت وطأة مشهد جيوسياسي واقتصادي مشحون بالتوترات، عاشت الأسواق المالية العالمية في الأسبوع الأول من يونيو/ حزيران واحدة من أكثر فتراتها اضطراباً وتقلبًا منذ فترة.
شكل الأسبوع هزة ارتدادية عكست حالة الترقب المتزايدة والضبابية التي تفرض سياجاً من الغموض على مستقبل الاقتصاد العالمي برمته. ومن ثم هيمن اللون الأحمر بشكل شبه كامل على شاشات التداول من نيويورك إلى طوكيو، مروراً بالعواصم الأوروبية، في وقت تضافرت فيه العوامل الجيوسياسية والاقتصادية لتدفع برؤوس الأموال لإعادة التموضع، وتجبر المستثمرين على إعادة تقييم مراكزهم المالية بشكل متسارع وضاحٍ، وسط مخاوف حقيقية من اندلاع شرارة أزمة ممتدة.
لا يمكن قراءة هذه التراجعات الحادة في أسواق الأسهم والعملات المشفرة بمعزل عن الأجواء السياسية والعسكرية القاتمة التي تسيطر على منطقة الشرق الأوسط وتحديداً التطورات المرتبطة بإيران؛ فقد واجه المستثمرون على مدار الأسبوع حالة من القلق الجيوسياسي نتيجة تصاعد النبرة الحربية والضبابية المحيطة بسيناريوهات متفاوتة بين التهدئة و المواجهة العسكرية.
تضع هذه السيناريوهات أسواق المال أمام مخاوف ترتبط مباشرة بممرات الطاقة العالمية، وخاصة مع أزمة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمثل الشريان الحيوي لتدفق النفط للعالم.
وإلى جانب هذا المشهد، كانت البيانات الاقتصادية القادمة من واشنطن تمثل الزاوية الثانية لفكّي كماشة ضغطت على معنويات المستثمرين بشكل نسبي. فيما جاء تقرير الوظائف القوي نهاية الأسبوع ليمنح الأسواق بصيصاً من الأمل.
وول ستريت تعكس اتجاهها
في وول ستريت، تجرع مؤشر ناسداك المجمع، المثقل بأسهم التكنولوجيا والنمو الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة، خسارة أسبوعية بلغت نسبتها 4.7%، ليتراجع في نهاية المطاف إلى مستوى 25,709.432 نقطة، مسجلاً خلال جلسة يوم الجمعة أسوأ أداء يومي له منذ شهر أبريل/ نيسان من عام 2025.

ولم يكن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بأوفر حظاً، إذ أنهى تعاملات الأسبوع الأول من يونيو/ حزيران عند مستوى 7,383.74 نقطة، وهو ما يشكل تراجعاً إجمالياً بنسبة 2.6%، تحت ضغط هبوط جماعي شمل معظم القطاعات الرئيسية وفقدان المؤشر لمستويات دعم فنية وتاريخية هامة.

فيما أبدى مؤشر داو جونز الصناعي مرونة نسبية مقارنة بقية المؤشرات الأميركية نظراً لطبيعة مكوناته التي تضم أسهم القيمة والشركات الدفاعية التقليدية، لكنه رغم ذلك لم يسلم من حمى التراجعات الجماعية التي سادت الأجواء، لينهي تداولاته منخفضاً إلى مستوى 50,866.78 نقطة، مسجلاً خسارة أسبوعية طفيفة بلغت قيمتها 0.32%.

تفاوت في أوروبا
وفي القارة العجوز، لم تكن الأسواق الأوروبية بمعزل عن هذه الموجة البيعية..لينهي مؤشر ستوكس 600 الأوروبي، الذي يقيس أداء شريحة واسعة من الشركات في القارة، تعاملاته متراجعاً بنسبة 0.53% ليغلق عند مستوى 622.66 نقطة.

وكان مؤشر داكس الألماني الخاسر الأكبر على الصعيد الأوروبي، إذ تكبد هبوطاً أسبوعياً بنسبة 1.4% ليصل في الختام إلى مستوى 24,759.05 نقطة، نظراً للحساسية الشديدة التي يتمتع بها قطاع التصنيع والصناعات الثقيلة في ألمانيا تجاه تكاليف الطاقة ومعدلات التضخم العالمية.

في ذات السياق، سجل مؤشر فوتسي البريطاني تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.4% ليستقر عند مستوى 10,368.05 نقطة. لكن على الجانب الآخر، غرد مؤشر كاك الفرنسي خارج السرب الأوروبي بشكل استثنائي، حيث تمكن من إنهاء تعاملات الأسبوع على مكاسب أسبوعية بلغت نسبتها 0.43% ليصل إلى مستوى 8,218.24 نقطة.

أداء متباين في آسيا
أما في الأسواق الآسيوية، فقد تباين المشهد بشكل حاد بين القلق الجيوسياسي والمكاسب الهامشية المرتبطة بالتحركات المحلية للعملات.
تلقى مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية ضربة موجعة للغاية، متراجعاً بنسبة بلغت 3.72% ليستقر عند مستوى 8,160.59 نقطة، وذلك مدفوعاً بمتلازمة الهبوط في قطاع التكنولوجيا العالمي.

وفي المقابل، أظهر مؤشر نيكاي الياباني تماسكاً ملحوظاً وأنهى تعاملاته عند مستوى 66,588.12 نقطة، محققاً مكاسب أسبوعية بلغت 0.39%.

أسواق السلع
وفي أسواق السلع، تمخضت المعادلة الاقتصادية والسياسية المعقدة عن مشهد شديد التناقض بين قطاعي الطاقة والمعادن الثمينة.
فيما يتعلق بالنفط، قفزت العقود الآجلة لخام برنت القياسي لتستقر عند مستوى 93.09 دولاراً للبرميل، بينما ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي الخفيف لتصل إلى مستوى 90.54 دولاراً للبرميل.
وعلى العكس من ذلك، وعلى غير العادة في أوقات الأزمات السياسية الكبرى، تخلى الذهب عن بريقه المعتاد كملاذ آمن وسجل خسارة أسبوعية حادة بلغت نحو 4% في الأسبوع الأول من يونيو/ حزيران.
العملات المشفرة
ولم تكن أسواق العملات المشفرة بعيدة عن هذه العاصفة، فقد عاشت ما يمكن وصفه بتراجع حاد وتسييل واسع النطاق للأصول ذات المخاطر المرتفعة.
تخلت العملات الرقمية عن مستوياتها الداعمة بسرعة فائقة مع اندفاع المستثمرين لتوفير السيولة وتغطية المراكز المالية المفتوحة في أسواق الأسهم. وتكبدت عملة بتكوين الأشهر عالمياً خسائر فادحة حيث فقدت أكثر من 16% من قيمتها خلال تداولات الأسبوع، في حين كانت الصدمة أشد قسوة على عملة الإيثر التي تراجعت بنسبة تجاوزت 20%.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي