الطلب على سندات الخزانة الأميركية يتآكل.. وعصر الدائنين الموثوقين يوشك على الأفول

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

فقدت سندات الخزانة الأميركية بريدها التاريخي لدى الدائنين الأجانب، إذ تراجعت حصة الحكومات الأجنبية من إجمالي الدين الفدرالي إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاثة عقود، في ظل تحولات جذرية تعيد رسم ملامح تمويل الدين الأميركي وتُلقي بظلالها على تكاليف الاقتراض مستقبلاً.

بدأت القصة في عام 1974، حين توجّه وزير الخزانة الأميركي آنذاك، ويليام سايمون، إلى جدة لإبرام اتفاق سري مع السعودية، منح بموجبه الرياض وصولاً مميزاً إلى سندات الخزانة مقابل ضخ عائدات النفط في الدين الأميركي.

وفي العقود التالية، تدفقت مشتريات الحكومات الأجنبية بشكل متسارع، لا سيما بعد الأزمات المالية الآسيوية التي أقنعت دول المنطقة بضرورة تكديس الأصول المقوّمة بالدولار. 

وفي عام 2008 بلغت ذروتها، حين امتلكت الحكومات الأجنبية %38 من إجمالي الدين الفدرالي الأميركي.

الصين في القمة.. ثم التراجع

كانت الصين في طليعة هؤلاء الدائنين، إذ بلغت حيازاتها ذروتها عام 2013 بنحو 1.3 تريليون دولار من سندات الخزانة، استخدمه بنك الشعب الصيني أداةً لإدارة سعر صرف اليوان. 

 

وتشير أبحاث رشاد أحمد من معهد أندرسن وأليساندرو ريبوتشي من جامعة جونز هوبكنز إلى أن كل استثمار مفاجئ بقيمة 100 مليار دولار من حكومة أجنبية كان يُخفّض عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات بمقدار نقطة مئوية كاملة لحظة حدوثه، وفق تقرير الإيكونوميست  The Economist  الأحد 1 يونيو/حزيران.

 

أدنى مستوى في 30 عاماً

وتراجعت حصة الحكومات الأجنبية اليوم إلى %13 فحسب، وهو أدنى مستوى منذ ثلاثين عاماً. ويعكس ذلك جزئياً تنويع البنوك المركزية لاحتياطياتها بعيداً عن الدولار، الذي انخفضت حصته في الاحتياطيات العالمية من %71 عام 2001 إلى نحو %57 العام الماضي. 

كما باتت البنوك المركزية تُحجم عن الاستثمار في سندات الخزانة عقب تجميد الأصول الأجنبية للبنك المركزي الروسي في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وفي مسح أجراه بنك يو بي إس السويسري العام الماضي، أبدى %49 من مديري الاحتياطيات قلقهم إزاء توظيف الاحتياطيات سلاحاً سياسياً، مقارنة بـ%14 فحسب عام 2023.

شاهد أيضاً: هل تبدأ موجة تصحيح جديدة في وول ستريت؟

الذهب بديلاً.. 

ودفع هذا المناخ من الحذر عدداً من البنوك المركزية إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب، إذ بلغت مشترياتها نحو ألف طن متري سنوياً منذ 2022، أي ضعف معدل العقد السابق. 

وفي المقابل، اضطر البنكان المركزيان الروسي والتركي إلى بيع جزء من احتياطياتهما الذهبية لمواجهة الاضطرابات المالية الناجمة عن الحرب مع إيران.

فجوة التمويل تتسع

وتجدر الإشارة إلى أن السبب الجوهري لتراجع الحصة النسبية للحكومات الأجنبية هو التوسع الهائل في حجم سوق سندات الخزانة ذاته، فقد نما الدين الفدرالي الأميركي بمقدار 17 تريليون دولار خلال العقد الماضي، في حين لم تنمُ الاحتياطيات الأجنبية العالمية إلا بأكثر من 2 تريليون دولار قليلاً.

المستثمرين التجاريين الأكثر تقلباً

تجاوزت حيازات المستثمرين التجاريين الأجانب منذ عام 2023 حيازات الحكومات الأجنبية، لتبلغ نحو 5 تريليونات دولار أو %17 من السوق، مضيفةً 545 مليار دولار في العام الماضي وحده.

غير أن هؤلاء المستثمرين أكثر انتقائية وأقل ثباتاً، إذ يُحركهم هاجس العائد لا الاعتبارات الاستراتيجية.

وتكشف مؤشرات عدة عن تراجع الشهية لسندات الخزانة؛ فقد بدأ صندوق التقاعد السويدي أليكتا، الذي يدير أصولاً تزيد على 180 مليار دولار، ببيع حيازاته منها تدريجياً مطلع 2025 بسبب ارتفاع الدين الوطني الأميركي، فيما أعلن صندوق أكاديميكر بنشن الدنماركي والمجموعة البلجيكية ديغروف بيتركام قرارات مماثلة.

وتُجسّد شركات التأمين على الحياة اليابانية نموذجاً صارخاً لسرعة تبدّل الرغبة في الشراء؛ فبعد أن اشترت بين 2010 و2019 ما يزيد على 29 تريليون ين من السندات الأجنبية، باعت منذ 2020 ما يعادل 20 تريليون ين صافياً، مع تسارع موجات البيع عام 2022 حين رفع الفدرالي الأميركي أسعار الفائدة بوتيرة حادة رفعت تكلفة التحوط في العملات.

ويُلفت كبير المحللين في كابيتال إيكونوميكس، توماس ماثيوز، إلى أن شيخوخة السكان وتراجع معدلات الخصوبة قد يُضعفان الطلب على منتجات التأمين على الحياة مستقبلاً، مما يُهدد مصدراً آخر من مصادر الطلب التقليدية على سندات الخزانة.

وخلاصة التحول أن الانتقال من دائنين حكوميين لا يُعيرون الأسعار اهتماماً كبيراً إلى مستثمرين تجاريين يُطاردون العائد يعني أن أميركا ستضطر إلى تقديم عوائد أعلى لاستقطاب مشترين جدد، مما سيرفع فاتورة الديون على كاهل دافعي الضرائب الأميركيين.

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة