تدخل الولايات المتحدة مرحلة أكثر حساسية في إدارة ماليتها العامة، بعدما لم تعد مشكلة الديون سؤالًا مؤجلًا داخل واشنطن، بل عاملًا مباشرًا في تكاليف الاقتراض وأسعار السكن والإنفاق الفدرالي.
وتجاوز الدين الأميركي هذا العام الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد، في تطور يعيد نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات لم تُسجَّل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بحسب مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز.
وتشير أحدث تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي إلى أن الدين الفدرالي المحتفظ به لدى الجمهور سيبلغ 101% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026، على أن يرتفع إلى 120% بحلول 2036، متجاوزًا الذروة التاريخية السابقة البالغة 106% في عام 1946، أما الدين الإجمالي للحكومة الأميركية، الذي يشمل الديون المتداولة بين الوكالات الحكومية، فبلغ نحو 39.22 تريليون دولار في يونيو/ حزيران، وفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية.
1.9 تريليون دولار عجزاً فدرالياً
ولم تعد كلفة خدمة الدين بندًا ثانويًا في الموازنة؛ فبحسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، يصل العجز الفدرالي إلى 1.9 تريليون دولار في 2026، بما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يتسع إلى 3.1 تريليون دولار في 2036.
وتقول مؤسسة (Peter G. Peterson Foundation)، استنادًا إلى بيانات الميزانية، إن صافي فوائد الدين أصبح بين أكبر بنود الإنفاق الفدرالي، بعد الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، ومتقدمًا على الدفاع، في تحول يضغط على قدرة الحكومة على تمويل أولوياتها الأخرى.
وتُظهر بيانات نشرتها رويترز نقلًا عن وزارة الخزانة أن مدفوعات الفائدة على الدين سجلت مستوى قياسيًا شهريًا بلغ 133 مليار دولار في مايو/ أيار 2026، بزيادة 44% على أساس سنوي، بينما بلغ العجز منذ بداية السنة المالية وحتى مايو 1.246 تريليون دولار؛ هذا يعني أن ارتفاع أسعار الفائدة لم يعد ينعكس فقط في الأسواق، بل في الحسابات اليومية للخزانة الأميركية.
اقرأ أيضاً: الديون تمارس ضغوطات على التصنيف الائتماني الأميركي .. فهل وصلت إلى مرحلة الخطر؟
الأزمة السياسية حول الدين لا تنفصل عن تجربة الأسر والشركات مع أسعار الفائدة، ففي ثمانينيات القرن الماضي، جعلت العوائد المرتفعة على سندات الخزانة الرهن العقاري وتمويل السيارات والاستثمار التجاري أكثر كلفة، ما دفع الناخبين إلى الضغط على السياسيين لمعالجة العجز، وفق فايننشال تايمز.
يذكر أنه في انتخابات 1992، تحوّل الدين الوطني إلى قضية معيشية، لا مجرد نقاش محاسبي في واشنطن.
واليوم، تعود العلاقة نفسها بصيغة جديدة، فقد بلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات 4.45% في 11 يونيو/ حزيران 2026، وفق بيانات الاحتياطي الفدرالي المنشورة عبر منصة (FRED) التابعة لبنك الاحتياطي الفدرالي في سانت لويس.
ورغم أن هذا المستوى بعيد عن ذروة الثمانينيات، فإنه أعلى بكثير من مستويات ما بعد الأزمة المالية العالمية، ويكفي لإبقاء تكلفة الاقتراض مرتفعة للحكومة والقطاع الخاص على حد سواء.
سوق الإسكان الأميركي تحت ضغط الديون
وتظهر الضغوط بوضوح في سوق الإسكان؛ فقد بلغ متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عامًا 6.52% في الأسبوع المنتهي في 11 يونيو/ حزيران، وفق فريدي ماك، مقارنة بمستويات قرب 3% في 2021.
هذا التحول ضاعف تقريبًا كلفة التمويل لمشتري المنازل، وساهم في تحويل أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن إلى واحدة من أبرز القضايا الاقتصادية في الولايات المتحدة.
وتزامن ذلك مع عودة التضخم إلى واجهة القلق السياسي. فقد قال مكتب إحصاءات العمل الأميركي إن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع 0.5% في مايو/ أيار و4.2% على أساس سنوي، بينما صعدت أسعار الطاقة 23.5% والبنزين 40.5% خلال 12 شهرًا.
وبحسب رويترز، فإن قراءة مايو مثلت أسرع وتيرة تضخم سنوية في ثلاث سنوات، مدفوعة خصوصًا بارتفاع تكاليف الطاقة.
اقرأ أيضاً: نُذر معركة مبكرة لترامب مع رئيس الفدرالي الجديد
هذه الأرقام تمنح الجدل المالي بعدًا انتخابيًا محتملًا، فكلما ارتفعت كلفة المعيشة، أصبح من الأسهل على المرشحين ربط العجز الكبير بارتفاع الأسعار والفوائد، حتى إن العلاقة الاقتصادية بين العجز والتضخم ليست آلية أو فورية دائمًا.
ووفق فايننشال تايمز، قد يدفع ذلك مرشحي انتخابات 2028 إلى تبني خطاب أكثر صرامة تجاه العجز، خصوصًا إذا ظل السكن والطاقة والفائدة ضمن أولويات الناخبين.
خفض العجز لن يكون مسارًا سهلًا
تمس البرامج التي تقود نمو الإنفاق، وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، شرائح واسعة من الناخبين، وأي محاولة لتقليص مزاياها تحمل تكلفة سياسية عالية، كما أن زيادة الضرائب، حتى إن أصبحت مطروحة ضمن تسوية مالية، ستواجه مقاومة في بيئة حزبية شديدة الاستقطاب.
تزيد الصورة طويلة الأجل صعوبة الخيارات، فبحسب تقديرات طويلة المدى من مكتب الميزانية في الكونغرس نقلتها مؤسسات بحثية أميركية مثل (Brookings Institution) و(American Action Forum)، قد يرتفع الدين المحتفظ به لدى الجمهور إلى نحو 175% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2056، بينما قد تصل مدفوعات الفائدة إلى 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح أحد أكبر مصادر الضغط على الموازنة الفدرالية.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي