الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران -الذي يضع حداً لأشهر من المواجهة والحصار البحري الخانق في المنطقة- لم يكن وليد توافق سياسي جذري أو بعيد المدى، إنما يُمكن وصفه بأنه "سلام الضرورة" الذي فرضته الضغوط الراهنة على كاهل الأطراف المنخرطة في هذا الصراع، ومع تداعيات الحرب الأوسع نطاقاً على الاقتصاد العالمي ككل.
في قلب هذه الضغوط، برز مضيق هرمز بوصفه نقطة الاختناق الأهم في منظومة الطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، بما يعادل قرابة 17 إلى 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات، ومن ثم تحول هذا الشريان الحيوي إلى ورقة ضغط استراتيجية شديدة الحساسية، قادرة على إعادة تشكيل أسعار الطاقة فوراً وإرباك سلاسل الإمداد العالمية.
ومع تصاعد التوترات العسكرية والتهديدات المتبادلة في المنطقة، ارتفعت تكاليف التأمين البحري بشكل حاد، وقفزت أسعار الشحن إلى مستويات غير مسبوقة، ما انعكس مباشرة على أسعار النفط العالمية التي شهدت موجات تقلب عنيفة خلال الأشهر الماضي، وهي الاضطرابات التي امتدت آثارها إلى التضخم العالمي، حيث زادت الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصاً في أوروبا وآسيا، ما عزز شبح الركود التضخمي.
في الولايات المتحدة، بدأ التضخم بالفعل في الارتفاع تدريجياً في العديد من الاقتصادات الكبرى، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 4.2% في مايو/ آيار - وهو أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات. وفي أوروبا، أعلن البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس عن رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة، مما رفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ عام 2023 في ظل استمرار الحرب الإيرانية في إخراج التضخم في منطقة اليورو عن مساره المستهدف.
وبشكل عام، كانت أزمة هرمز كفيلة بإدخال الأسواق في حالة عدم يقين مزمنة، وهو ما دفع مؤسسات مالية كبرى وشركات طاقة عملاقة إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، وهذا العامل تحديداً خلق حالة من القلق البنيوي في الأسواق، جعل استمرار التصعيد خياراً مكلفاً لجميع الأطراف دون استثناء.
وفي هذا السياق، جاء الاتفاق -المكون من 14 بنداً طبقاً لما تُظهره المسودة المتداولة- كاستجابة عملية أكثر منه تحوّلاً في المواقف السياسية؛ على اعتبار أن تكلفة استمرار التصعيد باتت أعلى من مكاسب إدارة الأزمة، سواء على مستوى الدول المنخرطة مباشرة وأيضاً على مستوى الاقتصاد العالمي الذي بدأ يُظهر علامات إجهاد واضحة تحت ضغط أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد المشوشة.
وبناءً عليه، يمكن قراءة هذا "السلام" باعتباره نتيجة مباشرة لإعادة تقييم لمعادلة الربح والخسارة، حيث لعب مضيق هرمز دور العامل الحاسم الذي سرّع الوصول إلى تسوية مؤقتة، هدفها الأساسي ليس إنهاء التناقضات الاستراتيجية، بل احتواء تداعياتها الاقتصادية ومنع انفجارها في قلب النظام التجاري العالمي.
ومع هذا التقدم نحو "سلام الضرورة"، يبرز السؤال: "من الرابح الأكبر من الاتفاق"، هل هي الولايات المتحدة وإسرائيل بعد العمليات النوعية التي أطاحت بقادة إيران الرئيسيين من الصف الأول والثاني -كما يصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب- أم أن طهران -ورغم ما منيت به من خسائر واسعة- هي الفائز الأكبر بعدما طوّعت ورقة مضيق هرمز لصالحها وأجبرت واشنطن على تقديم تنازلات ضمن بنود الاتفاق، الذي قال ترامب إنها سوف يتم الكشف عنها بعد يوم الجمعة المقبل؟
وبينما هوية الفائز من الاتفاق من بين الأطراف الرئيسية تظل محل خلاف في تقديرات مختلفة، إلا أن فائزاً واحداً ربما لا خلاف عليه، وهو "الاقتصاد الدولي" الذي ربما يمنحه الاتفاق الجديد فرصة لتنفس الصعداء.
هل خرجت إيران "منتصرة"؟
يتبنى عديد من المحللين الرأي القائل بأن إيران خرجت من الحرب فائزة، رغم الأضرار والخسائر البشرية والمادية التي لحقت بها خلال فترة الحرب.
يقول عالم السياسة، المحاضر في جامعة ميشيغان مايكل جيه مونتغمري، لدى حديثه مع CNBC عربية: "من وجهة نظري، تُعد إيران الرابح الأكبر في هذه المرحلة؛ إذ إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا حتى الآن أياً من الأهداف التي كانتا تسعيان إليها قبل الحرب".
ويضيف: "على الرغم من الخسائر البشرية، تمكنت إيران من الصمود في وجه الهجمات الجوية المكثفة والمنسقة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل.. وخلال تلك الفترة، اكتشفت أنها قادرة على إغلاق مضيق هرمز بنجاح لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما يمثل مكسباً هائلاً في النفوذ والقوة بالنسبة لها".
كما يشدد مونتغمري على أنه "بعد آلاف القتلى وإنفاق مليارات الدولارات، عدنا عملياً إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، لكن مع فارق جوهري واحد: لقد اكتشفت إيران ما يمكن وصفه بـ (قوتها السياسية الخارقة)"، على حد تعبيره.
ترامب "في وضع حرج"
على الجانب الآخر، يتحفظ المحلل الجيوسياسي والباحث في القانون بجامعة أكسفورد دانيال هيرشبرغ، لدى حديثه مع CNBC عربية، على الرأي القائل بأن واشنطن "تعرضت للإذلال"، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن "الصورة العامة لا تبدو جيدة للرئيس ترامب"، مشدداً على أنه "صحيح أن ترامب يستطيع التفاخر بإبرام اتفاق وإعادة فتح مضيق هرمز، وهما إنجازان سياسيان على الصعيد الداخلي، لكن في نهاية المطاف، كانت إيران هي من فرضت الشرط المركزي للاتفاق (مضيق هرمز)، كما انتهى الأمر بالولايات المتحدة إلى إزالة حصارها البحري باعتباره التنازل الرئيسي المعلن. وهذا بعيد جداً عن المبررات التي قُدمت عند بدء الحرب".
فيما يخص إيران، يصف الأمر بالنسبة إليها بأنه بمثابة "انتصار مشروط إلى حد كبير"؛ فقد نجح النظام الإيراني في البقاء بعد حملة عسكرية مباشرة أميركية-إسرائيلية، وخرج من الأزمة مع احتمال تخفيف العقوبات مطروحاً على الطاولة. والأهم من ذلك أن ورقة مضيق هرمز أثبتت أنها أداة ضغط يمكن لطهران استخدامها لانتزاع تنازلات "وهذا يشكل سابقة بالغة الخطورة بالنسبة للاقتصاد العالمي".
ويستطرد: "لكن (البقاء) لا يعني (الاستقرار)؛ فنحن نتحدث عن نظام قُدّر أنه قتل نحو 40 ألف متظاهر خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة، ويواجه انهياراً اقتصادياً وأزمة بيئية تضاف إلى أزمته السياسية.. وما إذا كان هذا الاتفاق سيتحول إلى طوق نجاة حقيقي للنظام -عبر الإفراج عن الأصول المجمدة ورفع العقوبات - لا يزال أمراً مفتوحاً، لكنني سأتابع هذا الملف عن كثب".
ماذا عن إسرائيل ودول الخليج؟
أما على صعيد موقف دول الخليج، فهي تنظر إلى مرحلة ما بعد الحرب من زاوية أكثر تعقيداً تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة؛ ذلك أن انتهاء التصعيد لا يلغي حقيقة أن بنية التهديد الإقليمي بقيت قائمة، وإن تغيّرت أدواته وحدّته. فإيران، حتى مع خروجها من المواجهة باتفاق سياسي، لا تزال تحتفظ بشبكة نفوذ ممتدة في عدد من ساحات الاشتباك غير المباشر.
أما في إسرائيل، فإن المشهد لا يقل تعقيداً على المستوى الداخلي، إذ ينعكس مسار الحرب وما انتهت إليه من تسوية على النقاش السياسي والأمني الداخلي.
ويقول هيرشبرغ: "لقد أنفقت طهران عقوداً في تمويل وكلاء يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر ضد إسرائيل ودول الخليج.. واليوم تخرج إيران من الحرب فيما لا يزال كل من الحرس الثوري والقيادة قائمين، ومع امتلاكها أداة ضغط مثبتة الفاعلية في مضيق هرمز، وربما مع حافز أكبر للتسابق نحو امتلاك سلاح نووي بعدما أظهر هذا الصراع مدى اقتراب النظام من ضغوط هددت بقاءه".
ويستطرد: "أما بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو تحديداً، فإن هذه النتيجة لا تصب في مصلحته؛ فقد دخل الحرب متعهداً بالنصر الكامل، لكنه يواجه الآن ناخبين غير راضين واستحقاقاً انتخابياً خلال الأشهر المقبلة".
وقال الرئيس الأميركي، الاثنين 15 يونيو: "لقد كنا على وفاق كبير مع إيران.. إنها مجموعة مختلفة من القادة.. تعلم، المجموعة الأولى رحلت، والثانية رحلت، ووجدنا أن المجموعة الثالثة ذكية وقوية، ذكية جداً.. لكننا انتهينا إلى إبرام اتفاق"، مشيراً إلى أن "الكثير من الأمور الجيدة ستحدث في الشرق الأوسط الآن".
من جانبه، يقول الاستاذ في جورجيا كوليدج، نيكولاس كريل، لدى حديثه مع CNBC عربية: "تُعد إيران بوضوح الرابح الأكبر من هذا الاتفاق، فقد أثبتت أنها قادرة على توظيف أداة ردع اقتصادية مدمرة تتمثل في إغلاق مضيق هرمز، حتى بعد تعرضها لضربات عسكرية قاسية وعقوبات اقتصادية مؤلمة. ومن غير المرجح أن يرغب أي طرف في اختبار هذه الإرادة مرة أخرى، وهو ما يتحول مباشرة إلى نفوذ طويل الأمد على واشنطن والاقتصاد العالمي".
ويتابع: "كما أن عدم التوازن في هذا الاتفاق لافت للنظر، ويعزز الانطباع بأن إيران خرجت منه في موقع أقوى؛ فالولايات المتحدة ترفع حصارها البحري وتعيد فتح المضيق فوراً، بينما لم تلتزم إيران سوى بالدخول في محادثات لمدة 60 يوماً وإعادة فتح ممر مائي يمكنها، نظرياً، إغلاقه مجدداً متى شاءت".
ملف السلاح النووي
لكن على الجانب الآخر، يستند الرئيس ترامب إلى جملة من العوامل التي تشكل انتصاراً لواشنطن وأهدافها في مواجهة إيران، إذ أكد أن "الأهم هو أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً"، مشيراً في مؤتمر صحافي يوم الاثنين إلى أن الإيرانيين "وافقوا على ذلك بالكامل مع آليات رقابة صارمة، ولن يمتلكوا سلاحاً نووياً، وهذا هو جوهر الموضوع، لأنهم ربما كانوا سيستخدمونه لو امتلكوه".
غير أن كريل، يرى أن "تعهد إيران بعدم تطوير سلاح نووي ليس تنازلاً جديداً، بل إعادة تأكيد لالتزام قائم بالفعل بصفتها دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"، مضيفاً: "وبذلك، تبدو واشنطن وكأنها تستبدل أوراق ضغط حقيقية وملموسة بمجرد تأكيد للوضع القائم، فيما تُرجأ قضايا التحقق والمخزونات النووية ومستويات التخصيب إلى مرحلة لاحقة".
وعن إمكانية فرض المزيد من الضغوط الأميركية، يعتقد بأنه "مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، من المرجح أن تتراجع شهية الرئيس ترامب لممارسة ضغوط جديدة، ما يمنح طهران هامشاً أكبر للمناورة ويعزز موقعها التفاوضي".
ماذا عن الملفات الاقتصادية؟
وبخلاف التأكيد على عدم امتلاك إيران سلاح نووي، وهو الملف الذي يوليه ترامب اهتماماً كبيراً في تصريحاته السابقة والتالية للاتفاق، فإن الأبعاد الاقتصادية، وما يشكله الاتفاق من نافذة أمل للاقتصادات العالمية والأسواق، تظل المكسب الأكبر في هذا السياق في تقدير الكثير من المحللين.
وتباهى ترامب في أحدث تصريحاته برد فعل الأسواق الفوري على الاتفاق، قائلاً: "الأهم من ذلك أن أسعار النفط تتراجع بشدة، وسوق الأسهم يرتفع بشكل صاروخي اليوم، بأرقام قياسية تقريباً. والنفط سجل أكبر انخفاض له. ونحن الآن عند مستويات منخفضة".
وقالت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغيفا، يوم الاثنين، إن الاقتصاد العالمي يتجاوز حتى الآن صدمة الحرب في الشرق الأوسط، على الرغم من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وزيادة التضخم والضغوط التي تواجه الأوضاع المالية، دون وجود أي مؤشرات على تباطؤ عالمي.
ورحبت بالاتفاق الذي تسنى التوصل إليه أمس الأحد بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب ومعاودة فتح مضيق هرمز، لكنها حذرت في مدونة جديدة من أن تصاعد الصراع واضطرابات الإمدادات يشكل "خطرا واضحا على النمو العالمي".
وسيصدر صندوق النقد توقعات محدثة لنمو الاقتصاد العالمي في الثامن من يوليو تموز.
اتفاق أميركا وإيران يعيد بريق الذهب
من مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية.. اتفاق السلام ينعش المخاطرة ويضغط على الدولار والنفط
المكسب الذي يتفق عليه الجميع
وفي هذا السياق، وبالعودة لحديث دانيال هيرشبرغ مع CNBC عربية، فإنه يقول: "يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط. وكما نعلم جميعاً، أدت الحرب إلى ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط على نطاق واسع.. وبالتالي فإن إعادة فتح مضيق هرمز تزيل صدمة حقيقية في الإمدادات بين عشية وضحاها، وهذه ربما النتيجة الوحيدة التي يمكن للجميع الاتفاق على أنها مكسب، بغض النظر عن كيفية قراءة الأبعاد السياسية للاتفاق".
تعاف هش
لكن نيكولاس كريل يشير إلى أن "الاقتصاد العالمي لديه الكثير مما يمكن أن يكسبه من هذا الاتفاق، لكن التعافي سيكون بطيئاً وقابلاً للانتكاس بسهولة. فأسعار النفط ترتفع بسرعة الصاروخ عند اندلاع الأزمات، لكنها تنخفض ببطء شديد بعد انحسارها. وبالمثل، فإن علاوة المخاطر المرتبطة بإمكانية إقدام إيران على إغلاق المضيق مستقبلاً ستبقي أسعار النفط والأسمدة عند مستويات أعلى من تلك التي كانت سائدة قبل اندلاع هذه الحرب، وربما لسنوات قادمة".
فائزون على الهامش
على الجانب الآخر، يعتقد محللون بأن ثمة فائزين على الهامش، من بينهم باكستان وتركيا، حيث خرجتا في موقع أقوى، لا سيما النفوذ الذي اكتسبته باكستان خلال الأشهر الماضية، من خلال لعب دور الوساطة، وفرض مكانتها في منظومة الأمن العالمي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي