"الفدرالي المتشدد" يقلب رهانات العملات العالمية مع عودة الدولار

نشر
آخر تحديث
كيفن وارش - AFP

استمع للمقال
Play

أعاد التحول المتشدد في توقعات أسعار الفائدة الأميركية خلط أوراق أسواق الصرف العالمية، بعدما دفع تعافي الدولار المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على عملات الأسواق الناشئة وكبار منتجي السلع، في انعكاس سريع لإحدى أكثر صفقات العملات جاذبية خلال العام.

وضغط ارتفاع العملة الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة على عملات مثل البيزو الأرجنتيني والكرونة النرويجية، مع بدء الأسواق في تسعير احتمال بقاء الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، بل وربما رفعها مجدداً قبل نهاية العام، وفق فايننشال تايمز.

لم يكن قرار الفدرالي الأميركي تثبيت أسعار الفائدة هو ما أحدث الصدمة وحده، بل اللغة التي رافقته؛ ففي أول اجتماع برئاسة كيفن وارش، أبقى البنك المركزي الأميركي النطاق المستهدف للفائدة عند 3.50% و3.75%، لكنه تخلى عن الإشارات السابقة التي كانت تميل إلى خفض الفائدة، في تحول قرأته الأسواق باعتباره عودة واضحة إلى أولوية مكافحة التضخم.

الدولار يستعيد سلاح العائد

مدد الدولار مكاسبه عقب اجتماع الفدرالي الأميركي، بعدما أظهرت توقعات صناع السياسة النقدية احتمال رفع تكاليف الاقتراض لاحقاً هذا العام، في ظل قلق متزايد من بقاء التضخم أعلى من الهدف، وانخفض اليورو أمام الدولار، بينما ظل الين الياباني تحت ضغط فجوة العوائد الواسعة بين الولايات المتحدة واليابان، وفق رويترز.

وتعكس الحركة الأخيرة عودة ما يُعرف في الأسواق بـ"أفضلية العائد الأميركي"، فعندما ترتفع العوائد الحقيقية على سندات الخزانة الأميركية، تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة الأموال من الأسواق ذات المخاطر الأعلى إلى الولايات المتحدة.

هذا التحول يضغط خصوصاً على العملات التي استفادت في الشهور السابقة من توقعات خفض الفائدة الأميركية ومن صعود أسعار السلع، مثل الدولار الأسترالي والريال البرازيلي والكرونة النرويجية.

ووفق فايننشال تايمز، تراجعت عملات مثل الريال البرازيلي والدولار الأسترالي والوون الكوري الجنوبي بأكثر من 2% أمام الدولار خلال الشهر الماضي، بينما هبطت الكرونة النرويجية بأكثر من 4%.

نهاية مؤقتة لصفقة "الكاري تريد"؟

تضررت أيضاً صفقات "الكاري تريد" وتعرف أيضاً بالأموال المحمولة، وهي استراتيجية تقوم على الاقتراض بعملة ذات تكلفة تمويل أقل، ثم الاستثمار في أصول أو عملات تقدم عائداً أعلى، كانت هذه الصفقات قد جذبت تدفقات إلى أسواق مثل البرازيل، حيث لا يزال سعر الفائدة الأساسي عند 14.25% رغم بدء دورة خفض تدريجية.

اقرأ أيضاً: هواجس التضخم تقلق البنوك المركزية رغم "اتفاق إيران"

لكن ارتفاع الدولار وتغير توقعات الفائدة الأميركية جعلا هذه الاستراتيجية أكثر خطورة، فالمستثمر الذي يحقق عائداً مرتفعاً من السندات المحلية قد يخسر جزءاً كبيراً من المكاسب إذا تراجعت العملة المحلية أمام الدولار.

في هذا السياق، نقلت فايننشال تايمز عن لي هاردمان، كبير محللي العملات في بنك (MUFG)، أن ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وقوة الدولار تسببا في تراجع بعض رهانات "الكاري تريد" الأكثر شيوعاً.

التضخم يفرض نفسه على وارش

جاء اجتماع الفدرالي بينما قفز التضخم الأميركي فوق 4% للمرة الأولى منذ 2023، متجاوزاً بفارق كبير هدف البنك المركزي البالغ 2%. وتزامن ذلك مع ضغوط أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، قبل أن يفتح اتفاق وقف التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز الباب أمام احتمال تراجع جزئي في أسعار الوقود، وفق واشنطن بوست.

غير أن الأسواق لم تعد تربط مسار الفائدة بالنفط وحده. فالضغوط التضخمية الأوسع، بما في ذلك أثر الرسوم الجمركية وتكاليف الاستثمار الضخم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أبقت المستثمرين في حالة حذر من أن التضخم قد يظل أكثر صلابة مما كان متوقعاً قبل أشهر.

وصعد الدولار إلى أعلى مستوى في عام تقريباً مع ازدياد احتمالات رفع الفائدة، بعدما أظهرت التوقعات الفصلية أن تسعة من مسؤولي الفدرالي يتوقعون رفعاً واحداً على الأقل للفائدة قبل نهاية العام، مقارنة بعدم وجود أي توقعات مماثلة في مارس/ آذار، بحسب وول ستريت جورنال.

الأسواق الناشئة لم تعد كتلة واحدة

رغم موجة البيع الأخيرة، لا تبدو الأسواق الناشئة في وضع هش كما كانت خلال موجات تشديد نقدي سابقة، فقد استفادت اقتصادات عدة من احتياطيات أجنبية أعلى، وسياسات نقدية أكثر مصداقية، وانضباط مالي نسبي مقارنة بفترات الأزمات في 2022 و2023.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن مؤشرات السندات المحلية في الأسواق الناشئة ما زالت تحقق مكاسب منذ بداية العام، بدعم من الفوارق الكبيرة في أسعار الفائدة مقارنة بالأسواق المتقدمة، لكن الانتقائية أصبحت القاعدة الجديدة: لم يعد المستثمرون يتعاملون مع الأسواق الناشئة كصفقة واحدة، بل يميزون بين دول ذات مصداقية نقدية واحتياطيات قوية، وأخرى أكثر عرضة لضغوط الدولار والطاقة.

وتبرز الهند وإندونيسيا والفلبين كأمثلة على أسواق مستوردة للطاقة استفادت من إجراءات البنوك المركزية وتدفقات رؤوس الأموال، خصوصاً بعد تراجع أسعار النفط من مستويات الذروة التي بلغتها خلال الحرب.

في المقابل، ظلت عملات منتجي السلع أو الأسواق المعتمدة على تدفقات المحافظ أكثر حساسية لتحولات الدولار والعوائد الأميركية.

الأسهم والذهب تحت الضغط أيضاً

لا تقف تداعيات التحول المتشدد عند العملات، فالعوائد الأميركية المرتفعة تقلل جاذبية الأصول التي لا تقدم عائداً ثابتاً، مثل الذهب، كما تضغط على تقييمات الأسهم، خصوصاً في الأسواق التي استفادت من السيولة الرخيصة.

اقرأ أيضاً: خمس خلاصات رئيسية من أول اجتماع للفدرالي تحت قيادة وارش

واتجه الذهب إلى تسجيل خسائر أسبوعية متتالية تحت ضغط قوة الدولار وتوقعات الفائدة الأميركية المرتفعة، وتفسر هذه الحركة سبب اتساع أثر الفيدرالي من سوق السندات إلى العملات والذهب والأسهم في وقت واحد: عندما ترتفع تكلفة الدولار، يعاد تسعير معظم الأصول العالمية، بحسب رويترز.

اختبار جديد لهيمنة الدولار

تأتي عودة الدولار القوية بعد فترة كان فيها المستثمرون يتحدثون عن تراجع "الاستثنائية الأميركية" وتنويع المحافظ بعيداً عن الأصول الأميركية، لكن مزيج النمو الأميركي الأقوى، وطفرة الذكاء الاصطناعي، وارتفاع العوائد، أعاد العملة الأميركية إلى مركز المشهد.

ومع ذلك، لا يوجد إجماع كامل على استمرار الصعود؛ إذ تشير تقديرات نقلتها وول ستريت جورنال إلى أن مكاسب الدولار قد تكون محدودة إذا كانت الأسواق تبالغ في تسعير احتمالات رفع الفائدة، كما أن أي تراجع سريع في أسعار الطاقة أو تباطؤ في التضخم الأساسي قد يعيد فتح النقاش حول مسار أكثر توازناً للفدرالي.

لكن في الوقت الراهن لم تعد الأسواق تتعامل مع خفض الفائدة الأميركية باعتباره المسار المرجح، وهذا التحول وحده كافٍ لتغيير خريطة العملات العالمية، من الريال البرازيلي والكرونة النرويجية إلى الوون الكوري والروبية الهندية.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة