يدخل النفط مرحلة إعادة تسعير لا مرحلة انهيار، فالاتفاق الأميركي الإيراني خفف الخوف من نقص حاد في الإمدادات، لكنه لم يلغِ مخاطر هرمز، ولم يعالج بعد نقص المخزونات أو هشاشة الترتيبات السياسية.
لذلك، يبدو السيناريو الأقرب هو هبوط تدريجي في الأسعار، مع بقاء برنت فوق مستويات ما قبل الحرب لفترة، إلى أن تتأكد الأسواق من ثلاثة أمور: عودة حركة هرمز إلى طبيعتها، استئناف صادرات إيران والمنطقة دون عوائق، وتحول وقف إطلاق النار المؤقت إلى اتفاق أكثر ديمومة، وفق غولدمان ساكس.
ويتعامل سوق النفط مع الاتفاق الأميركي الإيراني المؤقت باعتباره بداية تفكيك لأكبر علاوة مخاطر جيوسياسية في الطاقة منذ سنوات، لا نهاية فورية للأزمة، فالأسعار التي قفزت مع إغلاق مضيق هرمز بدأت تتراجع مع عودة جزء من حركة الناقلات، لكن بقاء المخزونات العالمية عند مستويات منخفضة، واستمرار الغموض حول شروط العبور، يجعلان الهبوط مرشحاً لأن يكون تدريجياً لا حاداً.
وقال جيروم دورتمانز، الرئيس المشارك لقسم تداول النفط والمنتجات العالمية في وحدة الخدمات المصرفية والأسواق العالمية لدى بنك غولدمان ساكس، إن معظم حركة الأسعار المرتبطة بالاتفاق "تم استيعابها بالفعل" في السوق، لكنه شدد على أن المشهد لم يُحسم بعد، وأن السوق يتجه إلى بيئة أكثر هدوءاً تسمح للنفط بالبحث عن توازن سعري أكثر استدامة.
السوق يسعّر الاتفاق قبل اكتماله
انخفض خام برنت إلى نحو 76 دولاراً للبرميل في 18 يونيو/ حزيران، مقارنة بذروة قريبة من 118 دولاراً في أبريل/ نيسان، خلال الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وفق غولدمان ساكس.
ورغم ذلك، ما زالت الأسعار أعلى من مستويات ما قبل النزاع، إذ كان برنت قرب 60 دولاراً للبرميل في أوائل يناير/ كانون الثاني.
يعكس هذا الفارق استمرار علاوة مخاطر في السوق، فالاتفاق الحالي لا يمثل تسوية نهائية بين واشنطن وطهران، بل تمديداً مؤقتاً لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، مع السماح لإيران بالتصدير خلال هذه الفترة وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً.
وتقول رويترز إن مذكرة التفاهم المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران تتضمن فترة تفاوض مدتها 60 يوماً، على أن تسمح طهران بمرور مجاني عبر المضيق خلال تلك الفترة.
أما وول ستريت جورنال فأشارت إلى أن الاتفاق يشمل إعادة فتح هرمز وإنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، في حين ذكرت واشنطن بوست أن الاتفاق الأولي يتيح لإيران بيع النفط بحرية مع استمرار التفاوض حول الملفات النووية والعقوبات.
هرمز يعود.. لكن ليس بكامل طاقته
تنبع حساسية السوق من أهمية مضيق هرمز، الذي تصفه وكالة الطاقة الدولية بأنه أحد أهم اختناقات الطاقة في العالم، ويمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات النفطية، بما يعادل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى حصة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج.
وأظهرت بيانات رويترز أن حركة الشحن عبر هرمز بدأت تتحسن بعد الاتفاق، إذ سجل المضيق 25 عبوراً تجارياً في 18 يونيو/ حزيران، وهو أعلى مستوى منذ منتصف أبريل/ نيسان، لكنه لا يزال بعيداً عن مستويات ما قبل النزاع البالغة نحو 120 عبوراً يومياً.
اقرأ أيضاً: أسعار النفط تسجل خسائر أسبوعية وسط تأجيل محادثات السلام بين أميركا وإيران في جنيف
هذا التعافي الجزئي يفسر لماذا لم تهبط الأسعار إلى مستويات يناير. فعودة الناقلات لا تعني بالضرورة عودة التدفقات الطبيعية فوراً، فلا تزال هناك مخاطر ألغام، وترتيبات عبور جديدة، ومطالب تنسيق مسبق مع السلطات الإيرانية، إلى جانب احتمال عودة التوتر إذا تعثرت المفاوضات.
مخزونات منخفضة تكبح الهبوط
يرى دورتمانز أن انخفاض المخزونات العالمية خلال أشهر النزاع سيجعل السوق بحاجة إلى أسعار لا تنهار بسرعة، فالموسم الصيفي في نصف الكرة الشمالي يرفع الطلب على البنزين والديزل في الربع الثالث، بينما تحتاج الدول والشركات إلى إعادة بناء مخزوناتها التجارية والاستراتيجية بعد أشهر من السحب.
وتتفق وكالة الطاقة الدولية مع هذا المنحى، إذ قالت إن المخزونات قد تتراجع أكثر قبل أن يتحول ميزان السوق إلى فائض لاحقاً، مشيرة إلى أن الحرب عطلت أكثر من 14 مليون برميل يومياً من إنتاج الشرق الأوسط، وأن عودة الإمدادات ستكون تدريجية ومشروطة بعوامل سياسية وتشغيلية.
هذا يعني أن الأسعار قد تتراجع من مستويات الذروة، لكنها لن تعود بسهولة إلى نطاق ما قبل الحرب، ما لم تُفتح هرمز بالكامل وتتعافى الإمدادات بسرعة وتستقر المفاوضات السياسية.
المستهلكون يتحوطون والمستثمرون يراهنون على هبوط أعمق
مع تراجع الأسعار، بدأ كبار مستهلكي النفط في العودة إلى التحوط ضد تقلبات الأسعار المستقبلية، هذا السلوك يعكس رغبة شركات الطيران والمصافي والصناعات كثيفة الطاقة في تثبيت التكاليف بعد أشهر من الارتفاعات الحادة، وفق غولدمان ساكس.
في المقابل، يستعد بعض المستثمرين المؤسسيين لاحتمال هبوط خام برنت إلى نطاق 50 أو 60 دولاراً للبرميل إذا تسارع حل النزاع وتراكم فائض كبير في المعروض، لكن دورتمانز يحذر من أن هبوطاً بهذا الحجم قد يضغط على المنتجين ذوي التكلفة العالية، ويدفع بعضهم إلى تقليص الإنتاج، ما يضع حداً طبيعياً لانخفاض الأسعار.
لماذا لم ترتفع الأسعار أكثر؟
رغم إغلاق هرمز وانخفاض الإمدادات، لم تنفلت أسعار النفط إلى مستويات أعلى لفترة أطول بسبب تعديلات سريعة في السوق، فقد خفضت آسيا استهلاكها تحت ضغط الأسعار، وقلصت الصين طلبها على النفط بدرجة أكبر من المتوقع، بينما لجأت دول عدة إلى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.
اقرأ أيضاً: إيران تعفي السفن من رسوم عبور مضيق هرمز لمدة 60 يوما
كما استطاع بعض المنتجين في الشرق الأوسط تحويل جزء من التدفقات عبر خطوط أنابيب بديلة، في حين زاد منتجون خارج المنطقة، مثل البرازيل وكازاخستان وفنزويلا، إنتاجهم للاستفادة من الأسعار المرتفعة.
لكن هذه العوامل قد لا تستمر بالزخم نفسه. فمع انخفاض الأسعار وعودة الإمدادات، قد يتعافى الطلب، خصوصاً في آسيا، بينما تبدأ الحكومات والشركات في إعادة ملء المخزونات، هنا تظهر معادلة أكثر تعقيداً: زيادة المعروض تضغط على الأسعار، لكن إعادة بناء المخزون وعودة الطلب قد تمنع انهيارها.
فائض محتمل في 2027
تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتحول سوق النفط إلى فائض كبير في 2027 إذا استمر تعافي هرمز وعادت إمدادات الشرق الأوسط تدريجياً.
وقالت الوكالة إن نمو المعروض قد يتجاوز نمو الطلب بشكل واضح، ما يتيح إعادة بناء المخزونات التي استنزفتها الحرب.
وتقترب هذه الرؤية من تقديرات غولدمان ساكس، التي ترى أن خام برنت قد يتداول في المرحلة الأولى حول أرضية بين 70 و75 دولاراً للبرميل، حتى مع احتمال ظهور فوائض لاحقاً.
لكن مخاطر الصعود لم تختف؛ فإذا لم يُفتح المضيق بالكامل، أو عادت التوترات حول الملف النووي، أو توسعت العقوبات الغربية على النفط الروسي، قد تستعيد الأسعار جزءاً من علاوة المخاطر بسرعة، كما أن أي اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا قد يضيف إمدادات روسية أكبر إلى السوق، ما يزيد الضغوط النزولية في سيناريو معاكس.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي