هل يفتح الاتحاد الأوروبي أبوابه لبريطانيا من جديد؟

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة: AFP

استمع للمقال
Play

في بريطانيا، بات التيار التقدمي أكثر حماساً مع تزايد الدعوات للعودة إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن دوائر صنع القرار في القارة لا تزال متحفظة بشأن إعادة قبول المملكة المتحدة داخل التكتل.

وحذّر دبلوماسيون ومسؤولون ووزراء أوروبيون كبار من أن أي عملية لإعادة انضمام بريطانيا من المرجح أن تمتد إلى ما بعد ولاية برلمانية واحدة، أي لأكثر من خمس سنوات.

وتشمل الأسباب إرثاً طويلاً من انعدام الثقة الناتج عن المفاوضات السابقة، إضافة إلى استمرار صعود نايجل فاراج، مهندس البريكست، في استطلاعات الرأي داخل بريطانيا.

وقال جواو فالي دي ألميدا، الذي شغل منصب أول سفير للاتحاد الأوروبي في بريطانيا بعد البريكست لصحيفة فايننشال تايمز، إن حتى بعد مرور 10 سنوات فإن "شبحَي البريكست" —فاراج ومفاوض الاتحاد الأوروبي السابق ميشيل بارنييه— سيظلان يطاردان أي مفاوضات لإعادة الانضمام.

وأضاف: "الثقة طويلة الأمد قضية كبيرة: التفاوض مع رئيس الوزراء كير ستارمر أو خلفائه، والحكم مع فاراج، هو احتمال لا نرغب في التفكير فيه. لا يزال لدى بروكسل ذاكرة واضحة للغاية عن الماضي، ونحتاج إلى طرد تلك الأشباح عبر خطوات جريئة".


اقرأ أيضاً: حياة ستارمر السياسية عند منعطف.. هل يغادر رئيس الوزراء البريطاني داونينغ ستريت؟


كما تبنّى ماروش شيفتشوفيتش، المفوض المسؤول عن العلاقات مع بريطانيا، نبرة مماثلة، قائلاً إن الاتحاد الأوروبي سيرحب من حيث المبدأ بعودة حليف إقليمي مهم في مجالي الدفاع والتجارة، لكنه سيحتاج إلى قدر كبير من اليقين.

وقال: "سيكون من الضروري جداً توضيح أن هذا تعبير عن إرادة البلد بأكمله بأن [إعادة الانضمام] يجب أن تتم، لأن هذه قرارات مهمة للغاية ولا ينبغي اتخاذها بشكل متسرع"، وفق ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز.

في المقابل، تعهّد كل من حزب "ريفرم يو كيه" بزعامة فاراج وحزب المحافظين بقيادة كيمي بادينوك بإلغاء أي اتفاق قد يبرمه ستارمر أو أي حكومة لاحقة مع بروكسل.

وقال ساندر توردوير، كبير الاقتصاديين في مركز الإصلاح الأوروبي، وهو مركز أبحاث بريطاني مؤيد للاتحاد الأوروبي: "لا ترغب في الزواج من شخص لا تعرف مدى التزامه بالعلاقة".

وفي ظل هذا الغموض، يرى تحليل صادر عن أندرو داف، النائب الأوروبي السابق وخبير شؤون الاتحاد الأوروبي، أنه إذا تحركت حكومة بريطانية مستقبلية لتفعيل المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي وتقديم طلب إعادة الانضمام، فمن المرجح أن تمتد العملية إلى ما بعد ولاية برلمانية واحدة.

أكد جان-كلود يونكر، الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، أن عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي لم تعد "ممكنة"، مشيراً إلى أن الدول الأعضاء لا تزال "مصدومة" من تجربة البريكست.

في المقابل، يقول دبلوماسيون أوروبيون حاليون إن العديد من العواصم الأوروبية من حيث المبدأ ترحب بعودة بريطانيا لتعزيز قدرات الاتحاد الدفاعية والأسواق المالية، إلا أن بيروقراطية بروكسل تدرك أن أي مفاوضات من هذا النوع ستكون معقدة وممتدة سياسياً وإجرائياً.



وبحسب هؤلاء الدبلوماسيين، قد لا تحصل بريطانيا عند العودة المحتملة على حق النقض (الفيتو) الذي كانت تتمتع به سابقاً، في ظل توجه الاتحاد الأوروبي إلى وضع ضمانات للدول المرشحة للانضمام مثل أوكرانيا وصربيا، لضمان عدم تعطيل عمل المؤسسات الأوروبية. كما سيُطلب من أي دولة منضمة جديدة تقديم مساهمات مالية كبيرة، والالتزام بحرية حركة الأفراد، فضلاً عن التعهد —ولو على الورق— بالانضمام إلى منطقة اليورو.

وخلال اجتماع لوزراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل الشهر الماضي لمناقشة ملف بريطانيا، شدد المسؤولون على أن لندن ستحتاج إلى قبول "الحريات الأربع" في السوق الموحدة —حرية حركة الأشخاص والبضائع والخدمات ورؤوس الأموال— دون إمكانية "انتقاء ما يناسبها".

ويعتمد الدعم البريطاني لفكرة العودة إلى الاتحاد الأوروبي أيضاً على طبيعة عضوية الانضمام المطروحة.

لكن هذه الحريات الأربع تُعد غير مقبولة لدى الحكومة العمالية الحالية، التي بدأت ما تسميه "إعادة ضبط" محدودة للعلاقات مع بروكسل، مع استبعاد العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي خلال هذه الدورة البرلمانية.

ويرى مراقبون أن هذا الطرح قد لا يكون مقبولاً أيضاً لدى الرأي العام البريطاني، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة مؤيدي العودة تتراوح بين 55 و65%، وهي نسبة تُوصف بأنها "ضمن هامش حملة سياسية"، بحسب خبير الاستطلاعات السير جون كيرتس، ما يدفع بعض المحللين إلى اعتبار أن الوقت لا يزال مبكراً من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي لمناقشة العودة بشكل جدي.

وفي السياق السياسي البريطاني، أعرب بعض المرشحين لقيادة حزب العمال مثل آندي بيرنهام وويز ستريتينغ عن رغبتهم في عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، لكنهم في الوقت نفسه أرجأوا الفكرة إلى مستقبل غير محدد، في ظل استمرار حساسية ملف البريكست.

كما يثير بعض محللي الاتحاد الأوروبي تساؤلات حول إمكانية استفادة بريطانيا من النماذج الأكثر مرونة التي تطورها المفوضية الأوروبية لاستيعاب دول هشة مثل أوكرانيا وصربيا، عبر ما يُعرف بـ"الهندسة المتغيرة"، والتي تسمح بدرجات متفاوتة من المشاركة في سياسات الاتحاد.

وقد يشمل ذلك منح بريطانيا وصولاً إلى أسواق السلع الأوروبية مع إبقاء مرونة في تنظيم مجالات أخرى مثل الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والأعمال. إلا أن وزراء الاتحاد الأوروبي يؤكدون أن مثل هذا النموذج لن يفتح الباب أمام "انتقاء الحريات الأربع".


شاهد أيضاً: تباطؤ غير متوقع للبطالة في بريطانيا إلى 4.9% قُبيل قرار بنك إنكلترا


من جانبه، شدد ميشيل بارنييه، كبير مفاوضي البريكست السابق، على أن موقف الاتحاد الأوروبي لم يتغير، مؤكداً رفض أي صيغة تسمح بـ"انتقاء" مزايا السوق الموحدة.

وقال بارنييه إن هذا الموقف ضروري لمواجهة صعود التيارات الشعبوية في أوروبا، بما في ذلك قادة اليمين المتطرف في فرنسا وإيطاليا، مثل جوردان بارديلا ومارين لوبان وماتيو سالفيني، مضيفاً: "الإجابة هي لا… ليس بسبب بريطانيا، بل بسبب الشعبويين في أماكن أخرى. إذا أعدنا فتح باب الانتقاء، فسيسعى الآخرون إلى الشيء نفسه. لا مجال لذلك".

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة