أندي بورنهام، السياسي البريطاني البارز، عاد إلى واجهة المشهد بعد فوزه في الانتخابات الفرعية عن دائرة "ماكيرفيلد"، ليصبح أحد أبرز المرشحين لخلافة كير ستارمر في رئاسة الوزراء.
بدأ "بورنهام" مسيرته السياسية في صفوف حزب العمال منتصف التسعينيات، وتدرج في المناصب حتى تولى وزارة الصحة عام 2007.
ورغم محاولاته الفاشلة مرتين لقيادة الحزب، اختار عام 2016 الابتعاد عن البرلمان ليخوض تجربة محلية كعمدة مانشستر الكبرى، حيث رسخ لنفسه صورة "زعيم إقليمي" قادر على إدارة الملفات المعقدة بعيداً عن مركزية لندن.
واليوم، بورنهام يعود إلى وستمنستر بخطاب جديد يركز على اللامركزية الاقتصادية والسياسية، عبر منح صلاحيات أوسع للمناطق في مجالات النقل والإسكان والطاقة، فيما يطرح رؤية "اشتراكية صديقة للأعمال" تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد البريطاني مع الحفاظ على الانضباط المالي، وفق تقرير بوليتيكو.
المشهد السياسي في بريطانيا
يتسم المشهد العام في بريطانيا باضطراب غير مسبوق:
فعلي جانب، يواجه حزب العمال أزمة قيادة مع تراجع شعبية ستارمر وضغوط داخلية متزايدة أدت لرحيله.
وضغط أكثر من 100 نائب من العمال على ستارمر للإستقالة، وفق فايننشال تايمز
بينما جزء واسع من حزب العمال بات رأي أن بقاء ستارمر يهدد فرص الحزب والحكومة، بعد تراجع شعبيته وتراكم ما يُوصف داخل الحزب بأخطاء سياسية وارتباك في الأداء، بالتزامن مع صعود أندي بيرنهام كبديل محتمل عقب فوزه الكبير في انتخابات فرعية أعادته إلى البرلمان
فالناخبون في الشمال تخلوا تدريجياً عن الحزب منذ استفتاء بريكست عام 2016، وصولاً إلى موجة الدعم الحالية لحزب "Reform UK" بقيادة نايجل فاراج.
في المقابل، اليمين الشعبوي بقيادة نايجل فاراج وحزب "Reform UK" يحقق مكاسب انتخابية، مستفيداً من السخط الشعبي على السياسات الاقتصادية والضغوط المعيشية.
بينما الاقتصاد البريطاني يرزح تحت عبء التضخم المرتفع وتذبذب الجنيه، فيما تتزايد المخاوف من فقدان الثقة في الأسواق المالية إذا لم يتم التوصل إلى قيادة مستقرة.
بورنهام.. الفرصة الأخيرة
يمثل بورنهام بالنسبة لكثيرين "الفرصة الأخيرة" لإعادة بناء الثقة في حزب العمال، عبر خطاب يجمع بين العدالة الاجتماعية والانفتاح على الأعمال، وبين مركزية وستمنستر وقوة الأقاليم.
ونجاحه سيعتمد على قدرته في إعادة توحيد الحزب، ومواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تعصف ببريطانيا في مرحلة دقيقة من تاريخها.
مغادرة البرلمان
اتخذ أندي بورنهام قراره الأكثر أهمية في حياته السياسية داخل حانة بلندن عام 2016، حين أعلن لصديقه ستيف روذرهام أنه سيترك البرلمان ويعود إلى شمال غرب إنجلترا ليخوض انتخابات عمدة مانشستر الكبرى.
كان ذلك خطوة غير مألوفة في السياسة البريطانية، إذ تخلى أحد أبرز وزراء حزب العمال السابقين عن مسيرته في وستمنستر لصالح منصب محلي.
وأحدث القرار صدمة في الأوساط السياسية، لكن المغامرة أثمرت بعد عقد كامل. فاليوم، يستعد بورنهام للعودة إلى البرلمان عبر انتخابات فرعية في دائرة "ماكيرفيلد"، وسط توقعات بأن يصبح رئيس وزراء بريطانيا خلال أسابيع قليلة.
ويعكس صعوده بروز شعبوية إقليمية جديدة، قد تمثل آخر فرصة لليسار الوسطي في مواجهة المد الشعبوي اليميني المستلهم من التجربة الأميركية.
اقرأ أيضاُ: الدولار يرتفع وسط تفاؤل بشأن الاتفاق بين واشنطن وطهران.. والإسترليني صامد رغم استقالة ستارمر
مسيرة سياسية غير تقليدية
بدأ بورنهام مشواره كباحث برلماني عام 1994 مع صعود توني بلير، ثم تولى وزارة الصحة عام 2007.
ترشح مرتين لزعامة حزب العمال (2010 و2015) لكنه فشل. وبعد خسارته الثانية، قرر وهو في السادسة والأربعين أن يترك البرلمان، في وقت كان الحزب يتجه يساراً تحت قيادة جيريمي كوربن.
اتُهم حينها بالتخلي عن المعركة، لكنه رد قائلاً إن "مانشستر الكبرى مكان يمكن أن أحدث فيه فرقاً، الحزب يفقد صلته بالشمال ويحتاج إلى صوت شمالي أقوى".
اقرأ أيضاُ: حياة ستارمر السياسية عند منعطف.. هل يغادر رئيس الوزراء البريطاني داونينغ ستريت؟
مانشستر.. قاعدة النفوذ الجديدة
ومنذ انتخابه عمدة عام 2017، تحولت مانشستر إلى أسرع المناطق نمواً في بريطانيا، حتى أطلق عليها السكان لقب "مدينة ناطحات السحاب".
وتوسعت المطاعم والبنية التحتية في المدن المحيطة مثل ستوكبورت، فيما اعتبر عمدة لندن صادق خان أن تجربة بورنهام أثبتت أن "المدن والعمد المنتخبين قادرون على إحداث تغيير حقيقي".
ورغم الانتقادات المتعلقة بملفات الإسكان والشرطة وارتفاع معدلات التشرد، ظل بورنهام رمزاً لنهضة مانشستر، ما جعله اليوم السياسي الأكثر شعبية في البلاد وفق استطلاعات الرأي.
أندي بورنهام في البرلمان البريطاني /AFP
هل ينقذ بورنهام العمال؟
يرى مراقبون أن بورنهام يمثل "المنقذ" لحزب العمال، إذ تشير استطلاعات العضوية إلى أنه قادر على هزيمة ستارمر في أي انتخابات داخلية، فيما يؤكد حلفاؤه أن لديه الدعم الكافي من النواب لتحقيق ذلك.
وينفي بورنهام أنه خطط مسبقاً للعودة إلى وستمنستر، إذ وصف منصب العمدة عام 2020 بأنه "آخر وظيفة سياسية له". لكنه أدرك أن بناء قاعدة إقليمية قوية قد يمنحه نفوذاً أكبر من البقاء في البرلمان.
واليوم، يقف على أعتاب رئاسة الوزراء، مستنداً إلى تجربة فريدة أعادت تعريف العلاقة بين الحكم المحلي والسلطة المركزية في بريطانيا.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي