شبكة تحالفات أميركا تحت الاختبار.. التوترات الجيوسياسية والرسوم الجمركية تعيدان رسم مستقبل العلاقات الدولية

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

تحتفظ الولايات المتحدة بشبكة واسعة من التحالفات تشمل أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحلفاء رئيسيين من خارج الناتو، إضافة إلى شركاء ثنائيين وإقليميين في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ.

 هذه التحالفات تقوم على معاهدات دفاعية واتفاقات تعاون عسكري واقتصادي ودبلوماسي، وتشمل دولاً مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وإسرائيل وأستراليا.

ومع ذلك، فإن هذه الشبكة التي تضم أكثر من 120 حليفاً تواجه اليوم اختباراً صعباً، إذ تتزايد الشكوك حول مدى التزام واشنطن بدورها القيادي، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وتبحث بعض الدول عن بدائل استراتيجية بعيداً عن المظلة الأميركية.

حيث تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين تراجعاً واضحاً، حيث تتزايد مؤشرات فقدان الثقة الأوروبية في واشنطن، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وشرق آسيا.



أميركا أولاً

اتبعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة "أميركا أولاً" التي تقوم على إعادة تعريف الأولويات الوطنية في مواجهة الالتزامات الدولية.

ركزت هذه السياسة على تقليص الاعتماد على التحالفات التقليدية مثل الناتو، والضغط على الحلفاء لزيادة مساهماتهم الدفاعية والمالية، مع تهديدات متكررة بالانسحاب من الاتفاقيات التي اعتبرها ترامب غير عادلة.

كما انعكست هذه المقاربة في المجال الاقتصادي عبر فرض رسوم جمركية على واردات من أوروبا وآسيا، ما أدى إلى توترات تجارية وسياسية واسعة.  

وأدت هذه السياسة إلى إعادة رسم ملامح العلاقات الدولية، حيث دفعت الحلفاء إلى البحث عن بدائل استراتيجية لتقليل اعتمادهم على واشنطن.

في المقابل، عززت "أميركا أولاً" النزعة القومية داخل الولايات المتحدة، لكنها خلقت حالة من عدم اليقين لدى الشركاء التقليديين الذين باتوا يشككون في استمرارية المظلة الأمنية الأميركية.

هذا التوجه جعل العلاقة بين أميركا وحلفائها أكثر هشاشة، خاصة في ظل الأزمات الجيوسياسية مثل الحرب في إيران وأزمة الطاقة العالمية.  

الحرب في الشرق الأوسط

أثارت الحرب في إيران غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصف الأوروبيين بـ"الجبناء" واعتبر حلف الناتو مجرد "نمر من ورق".

وتساءل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، علناً عن جدوى استمرار القواعد الأميركية إذا لم تُستخدم وقت الحاجة.

وفي المقابل، انتقد سياسيون أوروبيون بشدة قرار واشنطن شن الحرب دون استشارة الحلفاء، معتبرين أن الثقة في القيادة الأميركية وصلت إلى أدنى مستوياتها. 

وأظهر استطلاع أجرته "Politico" أن غالبية المواطنين في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا باتوا يعتبرون أميركا تهديداً أكثر من كونها حليفاً، بينما حذر رئيس وزراء بولندا دونالد توسك من احتمال هجوم روسي على أراضي الناتو خلال أشهر.

حرب روسيا وأوكرانيا  

تفاقمت الأزمة بين روسيا وأوكرانيا لتصبح اختباراً حقيقياً لوحدة الغرب. بينما تدفع أميركا نحو استمرار الدعم العسكري لكييف، بدأت بعض الدول الأوروبية في إبداء تحفظات بسبب الضغوط الاقتصادية وتداعيات الحرب على الطاقة.

هذا التباين يعكس تراجع الانسجام داخل المعسكر الغربي، ويزيد من حدة النقاش حول جدوى استمرار المواجهة المفتوحة مع موسكو.  



أوروبا تعيد حساباتها  

تعمل دول الاتحاد الأوروبي على تعزيز استقلالها الاستراتيجي بعيداً عن المظلة الأميركية. الخلافات حول إدارة الحرب في إيران واستخدام القواعد العسكرية الأميركية دفعت بروكسل إلى التفكير في بناء قدرات دفاعية ذاتية، فيما أظهرت استطلاعات الرأي أن قطاعات واسعة من الأوروبيين باتوا ينظرون إلى أميركا باعتبارها تهديداً أكثر من كونها شريكاً، وفق تقرير التايمز البريطانية. 

الناتو في مأزق  

ويتعرض حلف شمال الأطلسي لضغوط غير مسبوقة، بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي وصف فيها الأوروبيين بـ"الجبناء"، وتحذيرات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أن القواعد الأميركية في أوروبا بلا جدوى إذا لم تُستخدم وقت الحاجة.

هذه المواقف أثارت غضباً واسعاً في العواصم الأوروبية، وزادت من الحديث عن مستقبل العلاقة الأطلسية.  

 أميركا تراجع قواتها في أوروبا 

وأعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيت عن مراجعة شاملة لانتشار القوات الأميركية في أوروبا، وذلك خلال خطاب أمام وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي في بروكسل، يوم الخميس 18 يونيو/حزيران 2026.

وأكد هيجسيت أن المراجعة ستشمل "وضعية القوات الأميركية وقواعدها في أوروبا"، وستتضمن مشاورات مع الكونغرس الأميركي.

وأضاف أن الهدف هو ضمان أن يتحرك الناتو "بسرعة وبشكل لا رجعة فيه نحو أن تتولى أوروبا المسؤولية الأساسية عن الدفاع عن نفسها".  

انتقاد الحلفاء  

وهاجم وزير الدفاع الأميركي الدول الأوروبية التي رفضت السماح باستخدام القواعد المشتركة في العمليات الهجومية خلال الحرب مع إيران، واصفاً موقفها بـ"المخزي" الذي عرض الجنود الأميركيين للخطر.

وأشار إلى أن ردود فعل الحلفاء كشفت أن الناتو ظل "نمراً من ورق وطريقاً باتجاه واحد".  



تطمينات سابقة

يأتي هذا رغم تأكيد السفير الأميركي لدى الناتو ماثيو ويتكر خلال مؤتمر ميونيخ للأمن فبراير/شباط الماضي، أن "أميركا لن تغادر أوروبا"، في محاولة لتهدئة المخاوف المتزايدة من احتمال انسحاب واشنطن من القارة أو من الحلف.

وجاءت تصريحات ويتكر بعد ساعات من تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للأوروبيين أن واشنطن لن تتخلى عنهم، رغم النقاشات حول تقليص القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا. 

خلافات سياسية متصاعدة  

وأدت تداعيات الحرب في إيران إلى انقسام العلاقات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من أبرز حلفائه الأوروبيين، بينهم رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس.

كما أثار هيجسيت قضية الإنفاق الدفاعي، مهدداً بحرمان الدول التي لا تفي بالتزاماتها المالية من المساهمات الأميركية.  

اقرأ أيضاً:  هل ينفصل الغرب عن أميركا؟

في المقابل، أوضح الأمين العام للناتو مارك روته أن هناك "اتفاقاً واسعاً بين الحلفاء على ضرورة تعزيز الجهود"، واعتبر الموقف الأميركي "مقبولاً تماماً".

وكانت واشنطن قد أعلنت الشهر الماضي تقليص عدد الأصول العسكرية المخصصة للحلف، في محاولة لتقليل الاعتماد غير الصحي على القوات الأميركية.  

انسحابات وتخفيضات  

وسبق أن أعلنت إدارة ترامب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، وأجلت نشر 4 آلاف آخرين في بولندا، كما خفضت عدد فرق القتال البرية في أوروبا من أربع إلى ثلاث، وهو المستوى الذي كان قائماً عام 2021، أي قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

وهدد ترامب أيضاً بسحب قوات من إيطاليا وإسبانيا، ما أثار قلقاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية.  

مستقبل العلاقة مع الناتو  

وتزايدت الضغوط على العلاقة بين أميركا والناتو منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث كرر انتقاداته للحلف وهدد بالانسحاب منه.

وحذر خبراء من أن خطوة كهذه ستكون خطيرة على الأمن الأوروبي. وفي المقابل، دعا قادة دوليون إلى ضبط النفس، إذ شدد الملك تشارلز الثالث في خطابه أمام الكونغرس الأميركي في أبريل على أهمية الناتو ووعده بالدفاع المشترك.  

صعود الشعبوية الأوروبية  

واستغل قادة أوروبيون مثل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز هذه اللحظة لتعزيز شعبيتهم عبر انتقاد السياسة الأميركية، فيما حذر رئيس وزراء بولندا دونالد توسك من احتمال هجوم روسي على أراضي الناتو خلال أشهر.

هذا المشهد يعكس انتقال أوروبا من الاعتماد الكامل على واشنطن إلى البحث عن بدائل دفاعية واقتصادية.  

أوروبا غير مطمئنة بالكامل  

مع ذلك، لم يبد الاتحاد الأوروبي اقتناعاً كاملاً بالضمانات الأميركية، إذ دعا مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبليوس إلى إنشاء قوة عسكرية أوروبية قوامها 100 ألف جندي، تحسباً لأي انسحاب محتمل من جانب واشنطن. هذا الموقف يعكس استمرار حالة القلق داخل أوروبا بشأن استمرارية المظلة الأمنية الأميركية.  



اختلاف الرؤى بشأن الصين  

وتتصاعد التوترات بين واشنطن وبكين على خلفية ملفات التجارة والتكنولوجيا وتايوان.

أميركا ترى الصين تهديداً استراتيجياً مباشراً، بينما تتبنى أوروبا نظرة أكثر براغماتية، إذ تعتبرها شريكاً اقتصادياً أساسياً رغم المخاوف الأمنية.

اقرأ أيضاً:  بعد زيارة الرئيس الصيني لترامب، الصين توقف استيراد الفحم من كوريا الشمالية

هذا الاختلاف في التقييم يعكس اتساع الفجوة بين الموقفين الأميركي والأوروبي، ويزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي العالمي.  

ويرى محللون أن هذه التطورات قد تمثل بداية "انفصال بارد" بين أميركا وأوروبا، حيث لم تعد العلاقة قائمة على الثقة بل على الضرورة، ما يجعلها أقرب إلى زواج غير سعيد يصعب الاستمرار فيه.  



الشرق الأوسط وحالة عدم اليقين  

كما تولدت حالة من عدم اليقين لدى دولبالشرق الأوسط بعد توقيع اتفاق مع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة الحرب.

ورغم الترحيب الأولي بالاتفاق، تخشى هذه الدول من أن يكون مؤقتاً أو هشاً، خاصة مع استمرار التوترات بين واشنطن وطهران.

فدول مثل السعودية والإمارات تراقب بحذر مدى التزام إيران ببنود الاتفاق، فيما تتخوف الأسواق من أي انهيار محتمل يعيد أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة.

هذا القلق يعكس إدراكاً بأن الاعتماد على المظلة الأميركية لم يعد ضمانة كافية للأمن والاستقرار.  



الرسوم الجمركية

كما فرضت أميركا رسوماً جمركية واسعة على واردات من أوروبا وآسيا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات مع الحلفاء التقليديين.

فقد اعتبرت دول مثل ألمانيا وفرنسا أن هذه الإجراءات تمثل "عقاباً اقتصادياً" يضر بالشركات الأوروبية ويقوض مبدأ الشراكة المتوازنة داخل حلف الناتو. وأدى ذلك إلى تصاعد الانتقادات ضد واشنطن، خصوصاً مع تزامن الرسوم مع مطالب أميركية بزيادة الإنفاق الدفاعي، ما جعل الحلفاء يرون أن العلاقة باتت غير متكافئة.  

وأثرت هذه الرسوم أيضاً على الثقة السياسية بين أميركا وحلفائها، إذ دفعت بعض الدول إلى البحث عن بدائل تجارية مع الصين وروسيا لتقليل الاعتماد على السوق الأميركية.

هذا التحول عزز المخاوف داخل واشنطن من فقدان نفوذها الاقتصادي، فيما يرى مراقبون أن الرسوم الجمركية ساهمت في تعميق الشرخ بين أميركا وشركائها الغربيين، وأصبحت عاملاً إضافياً يهدد وحدة الموقف الغربي في مواجهة الأزمات الدولية.  

هل تظل واشنطن "القائدة"؟

يعكس تراجع النفوذ الأميركي بين حلفائها التقليديين أزمة ثقة بين الطرفين، ويضع مستقبل التحالفات الغربية أمام اختبار صعب في ظل تصاعد التوترات مع روسيا والصين، وحالة عدم اليقين في الشرق الأوسط.

وباتت أوروبا وأطراف أخري عديدة أكثر ميلاً إلى بناء سياسات مستقلة، فيما تواجه واشنطن خطر فقدان دورها القيادي في النظام الدولي.  

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة