أشار محللون في شركة الاستشارات بين آند كومباني Bain & Company إلى وجود مؤشرات عديدة تدل على أن سوق السيارات في الولايات المتحدة مقبلة على مزيد من الانكماش.
ووفقاً لتحليلهم، فإن انخفاض معدلات المواليد، والتغيرات السلوكية، وارتفاع أسعار السيارات، وتزايد البدائل المتاحة، قد تؤدي جميعها إلى تراجع المبيعات بأكثر من مليوني وحدة بحلول عام 2040.
وقال مارك غوتفريدسون، الشريك في شركة "بين آند كومباني"، إن هذه المؤشرات ترسم ملامح مستقبل ستخوض فيه شركات صناعة السيارات منافسة شرسة على قاعدة متقلصة من العملاء، وفق تقرير لشبكة CNBC.
اقرأ أيضاً: وكالة الطاقة: السيارات الكهربائية والهجينة تستحوذ على 30% من مبيعات السيارات العالمية في 2026
وأوضح غوتفريدسون أن صناعة السيارات اعتمدت تاريخياً على معدل نمو سنوي يبلغ 1%، وهو ما يتماشى مع الزيادة في إجمالي عدد السكان؛ إلا أن الإحصاءات الحكومية حول العالم تظهر تباطؤاً في النمو السكاني، بل إن بعض الدول تشهد بالفعل تراجعاً في أعداد السكان.
تغير ديموغرافي
وأضاف غوتفريدسون: "إنها أشبه بـ "عاصفة مثالية"، أليس كذلك؟ فالأمر يبدأ بتراجع أعداد السكان؛ إذ لم تعد هذه الصناعة قطاعاً ينمو، بل أصبحت صناعة تشهد تراجعاً، ويحدث هذا الانكماش في وقت تُحدث فيه التكنولوجيا تغييرات جذرية تقلب الموازين في كل المجالات".
يُذكر أن معدل الخصوبة في الولايات المتحدة بلغ حوالي 1.6 مولود لكل امرأة؛ ورغم أن هذا المعدل ليس منخفضاً بالقدر المسجل في بعض دول أوروبا أو آسيا، إلا أنه يُعتبر دون مستوى "معدل الإحلال" البالغ 2.1، وذلك وفقاً لبيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC.
أشارت شركة "بين" Bain إلى أن هذا التراجع قد عُوِّض بمعدلات هجرة مرتفعة نسبياً ، حيث يصل حوالي مليون شخص إلى الولايات المتحدة، وفقاً للمتوسط التاريخي الذي استشهدت به الشركة.
معدلات الهجرة
ومع ذلك، توقعت الشركة استمرار سياسات الهجرة التقييدية على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة، مما سيؤدي إلى خفض صافي معدلات الهجرة التاريخية المسجلة في العشرين عاماً الماضية إلى النصف؛ وهذا يعني أن المعدلات قد تعود إلى المستويات المنخفضة التي شوهدت في عام 2019.
اقرأ أيضاً: تسلا تستعد لتوسيع تجربة السيارات الذاتية القيادة في أميركا هذا العام
ووفقاً لشركة "بين"، فقد تغير سلوك هذه الفئة السكانية، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع الأسعار وتوفر بدائل ميسورة التكلفة. وأوضح غوتفريدسون أن نصف من يبلغون من العمر 16 عاماً اليوم لا يملكون رخصة قيادة، مقارنة بما يقرب من 70% من الفئة العمرية نفسها في الفترة ما بين عامي 1966 و1984.
وقد تعكس هذه الإحصائية مجرد تأجيل للحصول على الرخصة وليس عزوفاً تاماً عنها؛ إذ تشير أبحاث "بين" إلى أن معظم الأشخاص يحصلون عليها في نهاية المطاف بحلول سن الخامسة والعشرين.
تسجيل المركبات
ومع ذلك، انخفضت حصة تسجيلات المركبات الجديدة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً من 12% في الربع الأول من عام 2021 إلى أقل من 10% بحلول منتصف عام 2025، وذلك وفقاً لبيانات شركة إس آند بي غلوبال موبيليتي S&P Global Mobility.
اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة.. تسارع نمو الصناعات التحويلية في أبريل بفضل إنتاج السيارات
وذكرت الشركة أن المشترين الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فما فوق يستحوذون على ما يقرب من نصف إجمالي تسجيلات المركبات الجديدة، كما أنهم حافظوا على الحصة الأكبر من السوق لثمانية أرباع سنوية متتالية.
وقال كريغ دايتش، مؤسس ورئيس شركة تيليمتري Telemetry المتخصصة في أبحاث السوق لقطاع السيارات: "العامل المحرك لهذا الأمر هو القدرة على تحمل التكلفة". وأضاف أن قيمة الأقساط الشهرية للمركبات الجديدة ارتفعت بنسبة 30% على مدى أربع سنوات، وأن ما يقرب من واحدة من كل خمس مركبات جديدة تتطلب الآن سداد قسط شهري يتجاوز 1000 دولار.
في المقابل، تتوقع شركة "AutoForecast Solutions" المتخصصة في التنبؤات أن تظل مبيعات السيارات الجديدة في الولايات المتحدة مستقرة نسبياً عند مستوى 16 مليون سيارة تقريباً حتى عام 2033، وهو أبعد أفق زمني تصدر الشركة تقديرات بشأنه.
المواصلات العامة
يقول سام فيوراني، نائب الرئيس لشؤون التنبؤات العالمية للمركبات في الشركة: "عند النظر إلى المستقبل، نجد أن الشباب أكثر ميلاً لاستخدام خدمات مثل أوبر Uber أو ليفت Lyft عند التنقل. ورغم أننا لا نزال نرى مجموعات من الشباب يستمتعون بالقيادة ويرغبون في اقتناء سيارة جديدة، إلا أن أعداداً أقل منهم لديهم القدرة المالية على ذلك".
ووفقاً لأبحاث أجرتها شركة "Bain"، فإنه في حال توفرت سيارات الأجرة ذاتية القيادة (الروبوتاكسي) على نطاق واسع وبأسعار معقولة خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، فقد تنخفض نسبة السكان الحاصلين على رخص قيادة بمقدار نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية لتصل إلى 85%. كما قد ينخفض معدل عدد المركبات لكل سائق من 1.2 إلى 1.1، وهو ما يعادل تخلي ما بين 10% و20% من الأسر الأميركية عن إحدى سياراتها.
وتُعد التوقعات التي عرضها غوتفريدسون على شبكة CNBC بمثابة مراجعة لتقديرات سابقة؛ إذ كان قد حدد في وقت سابق عام 2030 موعداً لانخفاض حجم المبيعات إلى ما دون 14 مليون سيارة، لكنه أوضح أنه عدّل تلك الافتراضات نظراً لأن طرح المركبات ذاتية القيادة يستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً.
التراجع السكاني
ومع ذلك، فإن الأرقام المتعلقة بأعداد السكان تُعد ثابتة ومحسومة.
قال غوتفريدسون "نحن نعلم بالفعل عدد المواليد وعدد الأشخاص الذين سيبلغون سن القيادة (16 عاماً) بعد 16 سنة من الآن. وبالتالي، يمكننا القول بدرجة كبيرة من اليقين إننا سنشهد تراجعاً في هذا الصدد داخل الولايات المتحدة بحلول عام 2040؛ بل إن هذا التراجع سيكون أكثر حدة في مناطق مثل أوروبا ومعظم دول آسيا".
وأشار غوتفريدسون إلى أن المؤشر الأكثر دلالة على احتمالية حدوث تراجع مستقبلي هو معدل "إلغاء تسجيل" المركبات؛ أي سحبها من الخدمة وتحويلها إلى خردة أو تصديرها إلى أسواق أخرى، كما هو الحال مع السيارات المستعملة.
ووفقاً لتقرير شركة بين Bain، بلغ معدل إلغاء التسجيل حوالي 6% في عام 2000، وانخفض إلى نحو 5% بحلول عام 2025. وتوقع غوتفريدسون أن يهبط هذا المعدل إلى 4.4% بحلول عام 2040. ويعزى ذلك في المقام الأول إلى زيادة العمر الافتراضي للمركبات؛ إذ وصل متوسط بقائها في الخدمة إلى مستوى قياسي بلغ 12.8 عاماً في 2025، بحسب بيانات شركة "إس آند بي جلوبال موبيليتي" (S&P Global Mobility).
عمر المركبات
غير أن هذا الاتجاه قد ينعكس؛ إذ لا يزال العمر الافتراضي لبطاريات السيارات الكهربائية غير مؤكد، كما أنه من غير الواضح إلى متى ستكون شركات صناعة السيارات راغبة أو قادرة على تحديث البرمجيات التي تزداد أهميتها الحيوية في السيارات الحديثة.
ومع ذلك، يرى خبراء التوقعات في قطاع السيارات أنه نظراً لارتفاع أسعار المركبات، سيتعين على الصناعة إيجاد سبل لإبقاء السيارات قيد الاستخدام والخدمة.
وقال فيوراني: "لا يمكن أن يقتصر عمر سيارات اليوم على فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات؛ فليس من المنطقي أن تتحول سيارة دفع فيها المشتري 50 ألفاً أو 100 ألف دولار إلى مجرد خردة في أقل من عقد من الزمان".
وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فمن المرجح أن تزداد حدة المنافسة في قطاع السيارات الأميركي؛ لا سيما وأن المستهلكين لديهم بالفعل خيارات واسعة تشمل نحو 450 طرازاً مختلفاً في البلاد.
وقال غوتفريدسون: "ستكون المنافسة في الولايات المتحدة شرسة للغاية؛ فهناك عدد كبير جداً من الشركات والعلامات التجارية التي تتنافس على استقطاب المستهلكين، مما سيفرض بالضرورة حدوث عمليات اندماج وتوحيد في السوق".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي