بينما تراهن وول ستريت والشركات الكبرى على أن الذكاء الاصطناعي سيطلق موجة إنتاجية جديدة، يطرح اقتصاديو المعلومات سؤالاً معاكساً: ماذا لو أدت وفرة المعلومات الرخيصة إلى أسواق أكثر ضجيجاً، وأقل قدرة على التمييز بين الجيد والرديء؟
لا يدور الجدل الاقتصادي حول الذكاء الاصطناعي فقط حول عدد الوظائف التي سيستبدلها، أو مقدار الزيادة التي قد يضيفها إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فهناك زاوية أكثر دقة، تناولتها فايننشال تايمز في تحليل نشرته ضمن نشرة (Free Lunch)، ترى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة إنتاجية، بل "تقنية معلومات" تخفض تكلفة جمع البيانات ومعالجتها وإنتاجها إلى مستويات غير مسبوقة، بما قد يغير طريقة عمل الأسواق نفسها، لا سرعة العمل داخل الشركات فحسب.
هذه الفرضية تأتي في لحظة تضخ فيها الشركات الكبرى مئات المليارات من الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتقترب خطط الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعي في 2026 من 600 مليار دولار، ما أثار قلق المستثمرين بشأن العائد على هذه الاستثمارات، إلى جانب المخاوف من أن تهدد التقنية نماذج أعمال شركات البرمجيات التقليدية، وفق رويترز.
من "سوق الليمون" إلى سوق المعلومات الزائدة
تستند زاوية فايننشال تايمز إلى أحد أشهر نماذج اقتصاديات المعلومات: "سوق السيارات المعيبة" للاقتصادي جورج أكيرلوف، فالفكرة بسيطة لكنها مؤثرة: عندما يعرف البائع جودة السلعة أكثر من المشتري، يخفض المشتري السعر لتعويض مخاطر شراء سلعة رديئة.
ومع انخفاض السعر، ينسحب بائعو السلع الجيدة، وتبقى السلع الأقل جودة، إلى أن يضعف السوق أو ينهار.
وقد مُنح أكيرلوف، مع مايكل سبنس وجوزيف ستيغليتز، جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001 عن تحليل الأسواق ذات المعلومات غير المتماثلة.
اقرأ أيضا: هل ينافس الذكاء الاصطناعي المستقبلي من ميتا ينافس نموذج أوبن إيه آي؟
في هذا المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون قوة إيجابية، فإذا استطاع المشتري استخدام أدوات ذكية لفحص سيارة مستعملة أو تحليل تاريخها الفني أو تقدير قيمتها العادلة، تقل فجوة المعلومات بين الطرفين.
النتيجة المحتملة هي سوق أكثر كفاءة، حيث لا تُعاقَب السلع الجيدة فقط لأن المشتري لا يعرف كيف يميزها، لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من تحسين القدرة على كشف المعلومات إلى إغراق السوق بمعلومات متشابهة، مصقولة، وسهلة التوليد. عندها لا تعود المعضلة نقص المعلومات، بل صعوبة معرفة أي معلومة تستحق الثقة.
الشهادات والسير الذاتية تفقد قيمتها كإشارات
في اقتصاديات المعلومات، تُستخدم "الإشارات" لتمييز الطرف الجيد عن الأقل جودة، فالشهادة الجامعية، الخبرة المهنية، خطاب التقديم، أو حتى الضمان التجاري، كلها إشارات يفترض أنها تحمل تكلفة لا يتحملها إلا صاحب الجودة الأعلى. لذلك تصبح مفيدة لصاحب العمل أو المشتري أو المستثمر.
لكن الذكاء الاصطناعي قد يُضعف هذه الإشارات، فإذا استطاع كل طالب كتابة بحث جيد بمساعدة نموذج لغوي، وكل متقدم لوظيفة إنتاج سيرة ذاتية وخطاب تقديم مصقولين، وكل شركة ناشئة صياغة عرض استثماري يبدو احترافياً، فإن الإشارة تفقد جزءاً من معناها، لا يعني ذلك أن الجميع أصبحوا أكثر كفاءة، بل أن السوق أصبح أقل قدرة على التمييز بينهم.
هذه المشكلة بدأت تظهر بوضوح في سوق العمل، فقد قالت وول ستريت جورنال إن تزايد استخدام المرشحين لأدوات الذكاء الاصطناعي في المقابلات الافتراضية دفع بعض الشركات للعودة إلى المقابلات الشخصية، وسط مخاوف من الغش أو حتى انتحال شخصيات متقدمين في حالات احتيال أكثر تطوراً.
وتحدثت بيزنس إنسايدر عن ما وصفه خبراء بـ"حلقة ذكاء اصطناعي مفرغة" في التوظيف، تشمل أدوات تسهّل على الباحثين عن عمل إرسال أعداد كبيرة من الطلبات، ما يرهق مسؤولي التوظيف، ويدفع الشركات إلى استخدام مزيد من أدوات الفرز الآلي، ليصبح تمييز المرشح الجاد أصعب لا أسهل.
سوق العمل أسرع.. لكنه ليس بالضرورة أفضل
على الجانب الآخر، تستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي لتسريع التوظيف وخفض تكلفته.
وقالت شركة (Capita) البريطانية إنها تستخدم أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مطورة مع (Salesforce)، لتقليص بعض عمليات التوظيف من أسابيع إلى ساعات، في نموذج يعكس كيف ترى الشركات التقنية كوسيلة لتقليل الاحتكاكات الإدارية، بحسب رويترز.
شاهد أيضاً: الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.. قاطرة نمو الاقتصاد العالمي في 2026 رغم الحرب
غير أن تسريع العملية لا يعني بالضرورة تحسين جودة المطابقة بين العامل والوظيفة. فالنظرية الاقتصادية الخاصة بـ“تكاليف البحث”، التي ارتبطت بأعمال بيتر دايموند وديل مورتنسن وكريستوفر بيساريدس، توضّح أن الأسواق، خصوصاً سوق العمل، لا تصل دائماً إلى توازن فوري؛ إذ يمكن أن يوجد عاطلون عن العمل ووظائف شاغرة في الوقت نفسه بسبب صعوبة البحث والمطابقة. وقد حصل الاقتصاديون الثلاثة على نوبل 2010 عن تحليلهم للأسواق التي تتضمن "احتكاكات بحث".
إذا خفّض الذكاء الاصطناعي تكلفة إرسال الطلبات أو إنشاء ملفات المرشحين، فقد يزيد عدد الطلبات أكثر من قدرة السوق على فرزها. هنا يصبح كل فرد منطقياً في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين فرصه، لكن النتيجة الجماعية قد تكون أسوأ: ضجيج أعلى، فرز أطول، وإشارات أقل موثوقية.
من معلومات أكثر إلى ثقة أقل
لا تقتصر المخاطر على سوق العمل. في الأسواق المالية، قد يؤدي المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي إلى تسريع انتشار الشائعات أو المعلومات الكاذبة، بما يخلق ردود فعل جماعية يصعب احتواؤها.
وحذرت دراسة بريطانية من أن الأخبار الزائفة المنتجة بالذكاء الاصطناعي والمتداولة عبر وسائل التواصل قد تزيد مخاطر حدوث سحوبات جماعية من البنوك، ما يفرض على المصارف تحسين أدوات مراقبة المعلومات المضللة قبل أن تؤثر في سلوك العملاء، وفق رويترز.
كما حذر بنك إيطاليا، بحسب رويترز، من مقاطع فيديو ومقالات وصور مزيفة تستخدم تقنية "ديب فيك" وتظهر محافظ البنك فابيو بانيتا وكأنه يروج لمنتجات استثمارية، في مثال واضح على أن انخفاض تكلفة إنتاج المحتوى المقنع قد يرفع تكلفة الثقة في الأسواق المالية.
وتتسع هذه المخاطر إلى سوق رأس المال نفسه. فقد قالت رويترز إن دعاوى "غسل الذكاء الاصطناعي" بدأت تتحول إلى فئة مميزة في قضايا الأوراق المالية، إذ يتهم مستثمرون شركات بالمبالغة في ادعاءاتها بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي أو قدراته، فيما ركزت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية على مكافحة إساءة استخدام المصطلح في إفصاحات الشركات.
الخوارزميات قد ترفع الأسعار بدلاً من خفضها
هناك خطر آخر يتعلق بطريقة تسعير السلع والخدمات. فالنظرية التقليدية تقول إن المعلومات الأفضل تعزز المنافسة وتخفض الأسعار، لكن إذا استخدمت شركات متنافسة أدوات تسعير متشابهة أو خوارزميات تعتمد على بيانات حساسة، فقد تتحول الشفافية الزائدة إلى وسيلة للتنسيق الضمني.
وبدأت السلطات الأميركية تنظر بجدية أكبر إلى مخاطر "التواطؤ الخوارزمي"، خصوصاً عندما تستخدم شركات منافسة مورداً تقنياً مشتركاً أو خوارزمية واحدة في تحديد الأسعار، بما قد يشبه نموذج "المحور والأطراف" في قضايا مكافحة الاحتكار، بحسب رويترز.
وفي سوق الإيجارات، توصلت وزارة العدل الأميركية إلى تسوية مع (RealPage)، بحسب رويترز، في قضية اتهمت الشركة بمساعدة ملاك عقارات على تنسيق الأسعار عبر برمجيات تعتمد على بيانات غير عامة.
ووافقت (RealPage) على قيود في طريقة جمع واستخدام البيانات، في واحدة من أبرز القضايا التي ربطت بين البرمجيات والتنسيق السعري.
المفارقة: إنتاجية أعلى وأسواق أكثر ارتباكاً
لا تنفي هذه المخاطر أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية. تقديرات غولدمان ساكس، التي نقلتها رويترز، أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يرفع النمو الاقتصادي العالمي بنحو 7% على المدى الطويل، مع تعرّض ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل للأتمتة بدرجات متفاوتة.
لكن زاوية فايننشال تايمز تضيف تحذيراً مهماً، وهو إنتاج المهام بسرعة أكبر لا يعني أن التفاعلات السوقية نفسها ستصبح أكثر كفاءة، فإذا انهارت الإشارات، وارتفعت تكاليف البحث، وانتشرت المعلومات الزائفة، وتزايدت قدرة الخوارزميات على تنسيق الأسعار أو تضخيم الضجيج، فقد ينتج عن الذكاء الاصطناعي اقتصاد أسرع في توليد المعلومات، لكنه أبطأ في الوصول إلى الثقة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي