تحولات المسمى الوظيفي في زمن الذكاء الاصطناعي.. مطلوب شخص لمهمات كثيرة

نشر
آخر تحديث
إعلان وظيفي/ AFP

استمع للمقال
Play

مطلوب شخص واحد لأداء مهمات واسعة النطاق.. هذا ليس إعلاناً حقيقياً للتوظيف، لكنه أمر واقع يشير إلى حجم التحولات التي حصلت لمهمات الموظف في الشركات، التي باتت تطلب موظفاً يتمتع بمهارات عديدة.. والسبب في ذلك هو الذكاء الاصطناعي، بحسب الخبراء.

عندما بدأت روبين أولسن في التقدم لوظائف في مجال الاتصالات قبل ثلاثة أشهر، لاحظت تغيراً لافتاً: لقد أصبحت الأوصاف الوظيفية أكثر طولاً. فبعضها يدمج بين الاتصالات والتسويق، وهما عادةً دوران منفصلان، في وظيفة واحدة، بينما يبدو أن البعض الآخر يتضمن "قوائم أمنيات خيالية"، على حد تعبير أولسن، وفق بزنس إنسايدر. 


اقرأ أيضاً: معدل البطالة في الولايات المتحدة.. هكذا استسلم الأميركيون في البحث عن وظيفة


حتى أن أحد الإعلانات كان طويلاً ومُربكاً لدرجة دفعت أولسن لإغلاق الصفحة فوراً؛ إذ تقول: "مبدئي هو أنه إذا كنت تعتقد حقاً أن شخصاً واحداً يمكنه القيام بكل ذلك، فهذا المكان ليس مناسباً لي. فلا أحد يمكنه النجاح في التعامل مع 27 أولوية في آن واحد".

عند تصفح موقع لينكد إن LinkedIn، يسهل العثور على أوصاف وظيفية تضاهي في طولها إيصالات الشراء الطويلة، حيث تتضمن قائمة هائلة من المسؤوليات التي تُقسَّم تحت عناوين فرعية متعددة.

 فعلى سبيل المثال، يطلب إعلان لوظيفة "قائد اتصالات مؤسسية" من المتقدمين استيفاء تسعة مؤهلات أساسية، مدعومة بستة "مؤهلات مفضلة" أخرى، والقيام بـ 22 مسؤولية. وتتضمن وظيفة مهندس ذكاء اصطناعي 11 "واجب ومسؤولية أساسية"، و11 مهارة أخرى (بما في ذلك "التمتع بموقف إيجابي مفعم بالحيوية"). 

أما وظيفة "قائد استراتيجية وعمليات الإيرادات"، فيُتوقع ممن يشغلها أداء 13 مسؤولية واستيفاء اثني عشر مؤهلاً موزعة على خمس فئات.

لقد ارتفع متوسط ​​طول المسمى الوظيفي من 2.4 كلمة في عام 2013 إلى أربع كلمات في العام الماضي، وذلك وفقاً لتحليل لإعلانات الوظائف أجرته شركة BambooHR المتخصصة في برمجيات الموارد البشرية؛ حيث وجد التحليل أن الأدوار الوظيفية الطويلة والمتخصصة للغاية هي السبب وراء زيادة عدد الأحرف المستخدمة. 


Thumbnail for de24d9d97c.jpg

اقرأ أيضاً: هل مؤهلاتك المهنية تفوق متطلبات الوظيفة.. كيف ستتعامل بذكاء في المقابلة؟


كما وجدت منصة التوظيف Greenhouse أن متوسط ​​عدد الأحرف في الوصف الوظيفي قد ارتفع بنسبة 7.4% في الفترة ما بين عامي 2022 و2026، وهي السنوات الأربع التي تلت الانتشار الواسع لأداة ChatGPT. 

وخلال الفترة نفسها، زاد عدد الأقسام في إعلان الوظيفة بنحو 14%، بينما ارتفعت أقسام المهارات بنسبة تقارب 16%. 

ومن جانبها، رصدت منصة Indeed زيادة في عدد الكلمات في المنشورات الوظيفية بنسبة 14.3% بين عامي 2021 و2025.

الذكاء الاصطناعي هو المسؤول

ما الذي يتسبب في تضخم الأوصاف الوظيفية التي لا تنفك تتوسع؟ إنه الذكاء الاصطناعي. ففي بعض الحالات، يُضيف مديرو التوظيف توقعاتٍ جديدة تتعلق بالكفاءة في استخدام الذكاء الاصطناعي وأساليب العمل المرتبطة به إلى المهام الوظيفية التقليدية. 

ويشير مسؤولو التوظيف إلى أن هناك إعلانات وظيفية أخرى تضخمت أحجامها لأن المديرين صاغوها باستخدام نماذج لغوية كبيرة (LLMs) تميل إلى الإطناب والإسهاب.

الرئيس التنفيذي لموقع التوظيف Ladders مارك سينيديلا يقول بشأن الظتهرة الجديدة: "لا يضطر المديرون إلى تنقيح ما يكتبونه، لذا فهم يكدسون كل شيء بلا استثناء في الوصف الوظيفي؛ فهم يدرجون فيه مهاراتٍ يُستحسن توفرها، وأخرى يمكن الاستغناء عنها، بل وحتى أفكاراً عابرة خطرت لهم أثناء الاستحمام في الصباح".


شاهد أيضاً: الانطباع الأول.. أهم ما في مقابلات العمل!


ويضيف أن هذه الأوصاف تتضخم بفعل مدخلات من أشخاص لا يملكون إشرافاً مباشراً على الوظيفة، دون أن يعود ذلك بأي فائدة على المتقدمين أو مسؤولي التوظيف.

خلل جوهري

لقد أصبحت عملية البحث عن عمل تعاني من خلل جوهري؛ إذ يرى مسؤولو التوظيف أن خطابات التقديم والملخصات الشخصية فقدت قيمتها في وقت بات فيه بإمكان أي شخص تخصيص طلبات التوظيف لتناسب أدواراً محددة بمجرد تمريرها عبر أداة مثل ChatGPT. 

وفيما يتعلق بالأوصاف الوظيفية، يفاقم الذكاء الاصطناعي المشكلة، فميله للإطناب يؤدي إلى قوائم طويلة من النقاط المليئة بالمصطلحات المؤسسية الرنانة والمبهمة، فضلاً عن أن هذه التقنية قد غيرت التوقعات بسرعة، إذ أصبح الموظفون مُشجَّعين، بل ومطالَبين، بتحمل المزيد من الأعباء بفضل ما يتيحه لهم الذكاء الاصطناعي من إمكانات. 

ونتيجة لذلك، يجد الباحثون عن عمل أنفسهم مضطرين لتمحيص كتل نصية هائلة لتحديد مدى ملاءمتهم للوظيفة، مما يضيف عقبة أخرى إلى عملية البحث عن عمل التي تتسم أصلاً بالتعقيد والطول.

ويختتم سينيديلا قائلاً: "إن زيادة عدد الفقرات لا تضمن اختيار مرشح أفضل، كما أن الإكثار من النقاط التفصيلية لا يعني بالضرورة العثور على الشخص الأكثر ملاءمة للوظيفة، وعليه، فإن هذه الأوصاف الوظيفية التي تزداد طولاً يوماً بعد يوم تضر بالمرشحين والشركات على حد سواء".

قد تكون الرسالة الموجهة للشخص الأنسب للوظيفة موجزةً ومختصرة.

تاريخ إعلان الوظائف

يعود تاريخ أقدم إعلان وظيفي معروف إلى عام 1752، حين نُشر في إحدى صحف ولاية فرجينيا من قِبَل صاحب عمل كان يبحث عن عامل لجمع المحار. اقتصرت المؤهلات المطلوبة على شرطين فقط: أن يكون المتقدم "شخصاً رزيناً ومشهوداً له بحسن السيرة". 

وعلى مدى أكثر من 200 عام، ظلت الإعلانات موجزة إلى حد كبير، نظراً لأن أصحاب العمل كانوا يدفعون تكاليف النشر في الصحف بناءً على عدد الأسطر. 


Thumbnail for 9d6dcb89b1.jpg

اقرأ أيضاً: أفضل المتحدثين يقومون بثلاثة أشياء بسيطة في مقابلات العمل


ثم جاءت منصات التوظيف الإلكترونية لتُحرر هذه الإعلانات من قيود أقسام الإعلانات المبوبة التقليدية؛ إلا أن أنظمة تتبع المتقدمين المرهقة، إلى جانب الأسئلة أو الاختبارات الإضافية التي تضمنتها طلبات التوظيف، أدت إلى إطالة أمد العملية. 

وقد بدأ هذا التوسع في الطول قبل الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ تُظهر بيانات شركة BambooHR أن طول الأوصاف الوظيفية (من حيث عدد الأحرف) قد ازداد بنسبة 17% في الفترة ما بين عامي 2016 و2025، مع تسجيل أكبر معدل للزيادة بين عامي 2021 و2022.

يقول ترينت كوتون، رئيس قسم رؤى المواهب في شركة ICIMS المتخصصة في برمجيات التوظيف: "لقد ابتعدنا كثيراً عن الغرض الحقيقي من الوصف الوظيفي وما ينبغي أن يكون عليه". 

ويوضح كوتون أن الشركات بدأت في إضافة بنود تتعلق بثقافة الشركة ومحاولة "تسويق الوظيفة"، في حين أن الحديث عن مدى ملاءمة المرشح لثقافة المؤسسة يُعد أكثر ملاءمة لمرحلة المقابلة الشخصية. ويرى أن الإعلان الوظيفي يجب أن يعمل بمثابة "بطاقة تقييم" تتيح للمرشح ومسؤول التوظيف ومدير التوظيف تقييم مهارات الفرد ومدى ملاءمته للوظيفة. 

ويضيف قائلاً: "يحاول مديرو ومسؤولو التوظيف جعل الإعلانات مطولة للغاية كوسيلة لتصفية المرشحين، لكنهم يتبعون نهجاً خاطئاً؛ فهم يضيفون فقرات كثيرة دون تقديم جوهر حقيقي أو معلومات ذات قيمة فعلية".

المهارات أولاً

تُعطي العديد من الشركات الآن الأولوية للتوظيف القائم على المهارات، حيث تضع القدرات العملية في كفة أرجح مقارنةً بالشهادات المرموقة أو الخبرة في الشركات الكبرى. وقد أدى هذا التحول أيضاً إلى تضخم أقسام المهارات في إعلانات الوظائف. 

وتقول تارا مارسيل، نائبة الرئيس لشؤون التوظيف في العمليات الأميركية لشركة Manpower: "بهدف المواءمة بين الوظيفة والموهبة، تقوم الشركات بتضمين أكبر قدر ممكن من المعلومات في الإعلان الوظيفي"؛ وذلك لمساعدة أنظمة الذكاء الاصطناعي على مطابقة المهارات المذكورة في السيرة الذاتية (أو ملخص المهارات) مع تلك المطلوبة في الوظيفة، وتضيف: "إن ذلك يساعد حقاً في تصنيف المرشحين وترتيبهم".

تعكس بعض الأوصاف الوظيفية المستفيضة والمطوّلة التحولات الجذرية القادمة في طبيعة العمل المكتبي؛ إذ أصبح المسوقون يكتبون الأكواد البرمجية، وبات مهندسو البرمجيات يراجعون كميات أكبر من الأكواد، كما تروج شركات مثل ميتا Meta لمستقبل يمكن فيه لشخص واحد إنجاز مهام كان يتولاها فريق كامل سابقاً، وذلك بفضل الاعتماد على الوكلاء agents والأنظمة الذكية. 


اقرأ أيضاً: 3 إجابات خاطئة في مقابلة العمل تهدد بحرمانك من الوظيفة


تقول ميشيل فولبيرغ، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة التوظيف تويِل Twill: "هناك الكثير من الأمور المجهولة هنا". وتضيف أن هذه الإعلانات الوظيفية تكون متضخمة ومحشوة بالتفاصيل، وتعمل "كمظلة شاملة" تجمع كل السيناريوهات المحتملة لمهام الموظف خلال الأشهر الستة إلى التسعة المقبلة، نظراً لأن الشركات لا تعرف بالضبط من ستحتاج إليه بعد مرور ستة أشهر.

ولا تقتصر مشكلة الأوصاف الوظيفية المتضخمة على كونها مجرد مصدر للإزعاج؛ فالنساء أقل ميلاً للتقدم للوظائف إذا لم يستوفين كافة المؤهلات المذكورة، كما أنهن يترددن في التقدم للوظائف التي تتسم لغة إعلانها بالغموض، خشية ألا يمتلكن المؤهلات الكافية.

وفي المقابل، تظهر أبحاث كلية هارفارد للأعمال أن الرجال لا يقلقون كثيراً بشأن التطابق التام للمهارات قبل اتخاذ قرار التقدم للوظيفة. ويمكن أن تؤدي هذه الحالة، التي ترتبط أحياناً بـ "متلازمة المحتال" imposter syndrome،  إلى استمرار انخفاض أعداد النساء في المناصب القيادية والمجالات التي يهيمن عليها الرجال، إذ إن الإعلان عن وظيفة تتطلب مواصفات "خيالية" أو نادرة الوجود، ما يُعرف بـ "اليونيكورن" قد يثير مخاوف المرشحين المؤهلين ويدفعهم للعزوف عن التقدم.

في المقابل، يمتلك المتقدمون للوظائف أدوات الذكاء الاصطناعي أيضاً؛ فهم يطلبون من نماذج اللغة الكبيرة تخصيص ملخصاتهم المهنية ورسائل التقديم لتتضمن المصطلحات الرائجة والمهارات المطلوبة، مما يضع مسؤولي التوظيف أمام تحدي تمييز من يمتلك القدرة الحقيقية على أداء العمل.

ولذا، فإن تقديم طلب توظيف أصيل وخالٍ من بصمة الذكاء الاصطناعي قد يتطلب تميزاً خاصاً وسط سيل من الطلبات النمطية والمكررة التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات التوظيف الأخرى.

في ظل سوق عمل يتولى فيه الذكاء الاصطناعي كتابة الأوصاف الوظيفية وتحرير الملخصات وتقييمها، يتزايد شعور كل من مسؤولي التوظيف والمتقدمين بالإحباط، إذ يبدو أن أرباب العمل هم من يملكون زمام الأمور في هذا السوق. ويقول سينيديلا: "بمجرد أن يعود السوق ليصبح سوقاً يتطلب جهداً لجذب الكفاءات وتشتد فيه المنافسة على المواهب، ستُحل كل هذه المشكلات".

وكما يُنصح المتقدمين للوظائف بالاكتفاء بصفحة واحدة لكل من السيرة الذاتية، أو الملخص المهني وخطاب التقديم، فقد يكون من المفيد أيضاً لمن يكتبون إعلانات الوظائف اتباع النهج ذاته.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة