السيولة وتحولات الحوكمة: قراءة في خصوصية هيكل سوق العراق للأوراق المالية

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

بقلم محمود جمال
محلل مالي ومؤسس منصة "خارج الصندوق"

 

 

تحتفظ الأسواق المالية الناشئة دائمًا بملامح تعكس طبيعة اقتصاداتها الأم، إلا أن سوق العراق للأوراق المالية (ISX) يمثل نموذجًا متفردًا ببنيته، إذ يبدو بمعزل عن الاستنساخ التقليدي لحركة الأسواق الإقليمية أو العالمية. ففي الوقت الذي تتحرك فيه البورصات الدولية مدفوعة بالطفرات التكنولوجية أو تقلبات أسواق الطاقة الحادة، ينكفئ السوق العراقي على ديناميكية داخلية شديدة الحساسية لقرارات السياسة النقدية والمحيط الاستثماري المحلي. هذه الخصوصية لا تعني انغلاقًا، بل تعكس واقع قنوات استثمارية واعدة تبحث عن توازنها بين القيمة الدفترية الجاذبة لأسهمها، والتحديات الهيكلية التي تفرضها طبيعة توزيع السيولة.

 

تركيز السيولة في قطاع المصارف

 

عند تحليل حركة التداول اليومية، يتضح سريعًا أن قطاع المصارف الخاصة يمثل الثقل الأكبر والعمود الفقري للسوق، مستحوذًا على حصة الأسد من حجوم السيولة المتداولة والتي تصل أحيانًا إلى 95%. إن هذا التمركز لا يمكن قراءته بمعزل عن توجهات البنك المركزي العراقي؛ فالحزم الإصلاحية المتتالية، ومتطلبات الامتثال للمنصة الإلكترونية، والقرارات المتعلقة برفع رؤوس أموال المصارف لتعزيز ملاءتها، جعلت من هذا القطاع المحرك الأساسي لبوصلة المستثمرين. لقد باتت حركة الأسهم المصرفية رهنًا بمدى قدرة هذه المؤسسات على التكيف مع الصيرفة الشاملة، وهو ما أوجد فائضًا في السيولة الموجهة نحو القطاع المالي على حساب قطاعات حيوية أخرى كالصناعة، والخدمات، والفنادق، والتي ما زالت تبحث عن عمق أكبر داخل قاعة التداول.

 

سلوك المحافظ والاستثمارات الأجنبية

 

هذا التركيز القطاعي قاد بدوره إلى تشكيل سلوك فريد للمحافظ والاستثمارات الأجنبية داخل السوق. فرغم تصنيف السوق في كثير من الأحيان كبيئة شبه محلية، إلا أن المحافظ الأجنبية النوعية حاضرة بوضوح، لكنها اختزلت وجودها بشكل شبه كامل في القطاع المصرفي. إن هذا التموضع الأجنبي يستند إلى محددات استراتيجية واضحة، فالمستثمر الخارجي يجد في المصارف التي تمتلك شراكات ومساهمات من مؤسسات مالية إقليمية وعالمية كبرى مظلة آمنة تطبق معايير حوكمة مألوفة لديه. ومع ذلك، فإن سلوك هذه المحافظ يتسم بالتقلب والتحوط المرن؛ إذ تنشط عمليات التجميع والشراء مع استقرار مؤشرات الصرف والسياسات النقدية، بينما تتحول إلى وضعية الانتظار وجني الأرباح عند حدوث أي تموجات في الاقتصاد الكلي نتيجة تقلبات السوق الموازي التي تخلق ضبابية واضحة رغم ثبات السعر الرسمي المقر من قبل البنك المركزي العراقي، مما يجعل حركتها مؤشرًا دقيقًا لدرجة الثقة الاستثمارية الخارجية في الاستقرار المالي والمؤسسي.

 

مفارقة تقييم القوة والتحديات الهيكلية

 

وفي المقابل، فإن تقييم مكامن القوة والضعف يضعنا أمام مفارقة استثمارية واضحة. تكمن القوة الأساسية للسوق في مستويات الأسعار الحالية، حيث تتداول العديد من الأسهم القيادية بقيم سوقية تقل عن قيمتها الدفترية الحقيقية، ناهيك عن نسب توزيع أرباح ممتازة تتراوح ما بين 40% و150% كعائد على رأس المال، بالإضافة إلى تحقيق قمم سعرية رغم ما يعصف بالسوق من توترات تكاد تكون من ضمن سياق هذا السوق أو من ضمن طبيعة المستثمر الذي تأقلم بصورة مثالية قلما نراها في أسواق إقليمية وطريقة تحييد مشاعره بصورة ملفتة للنظر، ونتيجة لذلك تحقق هامش أمان مرتفع للمستثمر متوسط وطويل الأجل، وفرص نمو مستقبلية واعدة مع اتساع رقعة الشمول المالي في بلد يمتلك بيئة اقتصادية بكر.

لكن في الجانب الآخر، يواجه السوق تحديًا متمثلاً في محدودية ارتكاز السوق وغياب الشركات السيادية الكبرى في قطاعات النفط والنقل، مثل شركة تسويق النفط العراقية (سومو SOMO) أو شركة الخطوط الجوية العراقية وبنسبة بسيطة تتراوح بين 5% و7%، أو من شركات الجيل الجديد كالمحافظ الإلكترونية مثل (Card Qi) أو (Cash Zain) وغيرها، فضلًا عن الافتقار إلى أدوات مالية متنوعة كصناديق الاستثمار المشتركة وصناديق التقاعد أو المحافظ الاستثمارية التي من شأنها تنويع خيارات المخاطر والعوائد، ناهيك عن غياب (صانع سوق) يعطي توازنًا حقيقيًا في مواجهة التقلبات الإقليمية أو الداخلية.

 

التحول الرقمي ومعايير الامتثال الدولية

 

لو نظرنا للواقع اليوم بصورة موضوعية، لشاهدنا في السنوات الأخيرة تحولًا جوهريًا يهدف إلى إعادة صياغة البنية التحتية للسوق وتقريبه من معايير الامتثال الدولية. تمثلت هذه الطفرة في الانتقال شبه الكامل نحو الأتمتة وتبني أنظمة الإيداع والتداول المركزي الحديثة، وصولًا إلى إطلاق تطبيقات التداول عبر الهاتف المحمول. هذا التحول الرقمي لم يكن مجرد تحديث تقني، بل يسمح بتدفق البيانات والأسعار الفورية بدقة عالية للمستثمر الفرد والمؤسسي على حد سواء. وتزامن هذا التطور مع تشديد هيئة الأوراق المالية لرقابتها عبر إلزام الشركات بمعايير التقارير الدولية (IFRS) وتطبيق أدلة حوكمة صارمة، مما ساهم في تقليص مستويات عدم اليقين، وزيادة الشفافية في الإفصاحات المالية الربعية والسنوية، والحد من التلاعبات السعرية.

 

أفق الرؤية المستقبلية للسوق

 

إن إعادة توجيه بوصلة سوق العراق للأوراق المالية ليتجاوز مركزيته المصرفية الحالية لا يتطلب كبح جماح القطاع المالي، بل يتطلب العمل على تحفيز وتوسيع نطاق القطاعات الأخرى. إن إدراج الشركات الرابحة في قطاعات الطاقة والخدمات، بالتوازي مع استمرار تطوير البنية التحتية الرقمية، واستقرار السياسات النقدية، هو السبيل الكفيل بتحويل السوق من منصة تداول قطاعية محصورة، إلى مركز مالي إقليمي قادر على جذب واستيعاب رؤوس الأموال المستدامة والداخلية قبل الخارجية.

 

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة