حمد بن خليفة آل ثاني.. باني قطر الحديثة ومهندس صعودها الاقتصادي

نشر
آخر تحديث
الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني/ AFP

استمع للمقال
Play

يرحل الأمير الوالد في قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عن عمر ناهز 74 عاماً، وقد حكم البلاد لمدة 18 عاماً، أعاد خلالها تشكيل حضورها الاقتصادي والسياسي على المستويين الداخلي والعالمي محولاً رؤيته لنهضة بلاده إلى إنجاز وإرث تتناقله الأجيال.

من طفرة الغاز والاستثمارات العالمية، ترك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر خلال الفترة من 27 يونيو/حزيران 1995 إلى 25 يونيو 2013، إرثاً اقتصادياً بارزاً، عندما أرسى تحولات استراتيجية أسهمت في ترسيخ مكانة بلده كإحدى أبرز القوى الاقتصادية في المنطقة، عبر استثمار موارد الطاقة، وتأسيس مؤسسات اقتصادية واستثمارية، وتعزيز الإنفاق على البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي.


اقرأ أيضاً: الديوان الأميري القطري ينعي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي وافته المنية صباح اليوم


وُلد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الدوحة عام 1952، وتخرج في كلية ساندهيرست العسكرية البريطانية عام 1971، ثم التحق بالقوات المسلحة وتدرج في المناصب العسكرية حتى عُيّن ولياً للعهد ووزيراً للدفاع عام 1977. 


وفي 27 يونيو/حزيران 1995 تولى الحكم، قبل أن يسلم السلطة إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في يونيو 2013، في انتقال سلس للسلطة من الحالات النادرة في المنطقة، ليكمل مسيرة التنمية والحضور الدولي.

في يونيو/حزيران 1995، تسلم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم وانصب تركيزه منذ السنوات الأولى على تسريع التنمية الاقتصادية، عبر استنباط كنوز الأرض القطرية مستثمراً في الاحتياطيات الضخمة من الغاز الطبيعي، التي باتت ركن من أركان الاقتصاد العالمي.

وخلال عهده، توسعت قطر في تنفيذ المشروعات التنموية والإصلاحات الاقتصادية التي أسهمت في تعزيز مكانتها على الساحة العالمية.

تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر بأكثر من 24 مرة خلال فترة حكم الشيخ حمد، فيما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو 6 مرات، وقفزت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من 11 مليار ريال إلى 403 مليارات ريال قطري.

وبعد تنازله عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الخطوة غير المسبوقة في المنطقة، أصبح لقبه الرسمي الأمير الوالد، وواصلت قطر البناء على المؤسسات والسياسات الاقتصادية التي أُسست خلال فترة حكمه، وعلى رأسها جهاز قطر للاستثمار، ومؤسسة قطر، ومشروعات التنويع الاقتصادي، التي أصبحت ركائز أساسية في مسيرة التنمية، كما انسجمت مع توجهات رؤية قطر الوطنية 2030 الهادفة إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام.



ترك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بصمة عميقة في تاريخ قطر الحديث، حين راهن على المستقبل وارتبط اسمه بتحويل الدولة من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى قوة تمتلك أدوات تأثير متعددة، تشمل الاقتصاد والاستثمار والإعلام والدبلوماسية والرياضة. ولا تزال الإمارة الثرية تكتب امتداداً للنهج الذي أرساه خلال سنوات حكمه، ما جعل إرثه أحد أبرز التحولات السياسية والتنموية في منطقة الخليج خلال العقود الأخيرة.

طفرة الغاز الطبيعي المسال

شكّل تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي خلال فترة حكمه بعد أن أخرج كنوز الأرض إلى العالم، إذ استثمرت قطر بصورة مكثفة في تطوير حقل الشمال، ما مكنها من التحول إلى أحد أكبر منتجي ومصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم وانتشرت ناقلاتها في جميع أنحاء العالم، وهو ما وفر فوائض مالية ضخمة دعمت خطط التنمية والاستثمار.

خلال تسعينيات القرن الماضي، اتخذت قطر خطوات مفصلية في تأسيس صناعة الغاز الطبيعي المسال، إذ أبرمت في عام 1992 أول اتفاقية طويلة الأجل لبيع وتوريد الغاز الطبيعي المسال مع شركة تشوبو إلكتريك اليابانية، بواقع 4 ملايين طن سنوياً.

وفي يناير/ كانون الثاني 1997، صدّرت الدولة أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى الشركة، في محطة شكلت بداية صعود قطر لتصبح لاحقاً أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم.

بلغت قطر في عام 2010 محطة مفصلية في مسيرة تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال، بعدما رفعت طاقتها الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنوياً، لترسخ مكانتها كأحد أكبر منتجي ومصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، مستحوذةً آنذاك على نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً".

جهاز قطر للاستثمار

في عام 2005، أُسس جهاز قطر للاستثمار ليكون صندوق الثروة السيادي للدولة، بهدف حماية وتنمية الأصول المالية وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على عائدات النفط والغاز.

وأصبح الجهاز خلال أكثر من عشرين عاماً أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، مستثمراً في قطاعات تشمل البنية التحتية والعقارات والتكنولوجيا والخدمات المالية.

اتبعت قطر خلال تلك المرحلة استراتيجية قوامها توظيف الفوائض المالية في استثمارات عالمية طويلة الأجل، ما عزز حضورها الاقتصادي في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، ورسخ مكانة جهاز قطر للاستثمار كأحد أبرز المستثمرين السياديين عالمياً.

الاستثمار في التعليم واقتصاد المعرفة

بالتوازي مع الاستثمار في الطاقة، أولى الشيخ حمد اهتماماً خاصاً ببناء اقتصاد قائم على المعرفة.

وأسس مؤسسة قطر عام 1995، التي تعمل على تطوير منظومة التعليم والبحث العلمي والابتكار، واستقطبت جامعات ومراكز أبحاث عالمية إلى المدينة التعليمية، كما تأسست لاحقاً جامعة حمد بن خليفة لدعم البحث العلمي والدراسات العليا.

شهدت قطر خلال فترة حكمه تنفيذ استثمارات واسعة في البنية التحتية، شملت المطارات والموانئ وشبكات الطرق والمرافق العامة، بما وفر قاعدة داعمة للنمو الاقتصادي، وساعد في تعزيز تنافسية الدولة وجذب الاستثمارات الأجنبية.

واليوم، يمتد النفوذ السياسي لقطر ليشمل مناطق عديدة من العالم، بما في ذلك شمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وفي عام 2022، استضافت قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم، وهي البطولة الأكثر مشاهدة في العالم، والتي رافقها ورشة إعمار ضخمة زادت من حداثة الدولة الخليجية.

صناعة قوة قطر السياسية

الأمير الوالد الشيخ حمد، كما يُسميه مواطنو قطر، حوّل الدولة إلى قوة إقليمية مؤثرة، على الخريطة السياسية للشرق الأوسط، وتجاوزت حدود الإقليم.

وامتدت أذرع الدبلوماسية القطرية إلى ما وراء البحار، لتقود وساطات مثمرة في نزاعات وصراعات معقدة على تمتد من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي.

في 2008، جمعت الدوحة الأطراف المتصارعة في لبنان لتبرم اتفاقاً تاريخياً أنهى الأزمة المتفجرة بينها، كما تكررت مساعي الوساطة القطرية في احتضان ورعاية مفاوضات استمرت 30 شهراً بين الأطراف السودانية حول أزمة دارفور، وصولاً إلى التوقيع على "وثيقة الدوحة للسلام" عام 2011.

وتواصلت الجهود الدبلوماسية القطرية إلى رعاية الحوار بين طرفي الانقسام الفلسطيني، وتسوية الخلافات في اليمن والصومال، وبين إريتريا وجيبوتي.

وتبوأت قطر دور الوساطة في أكثر قضايا العصر تعقيداً من أفغانستان إلى فلسطين، إلى الصراع الدائر حالياً بين أميركا وإيران.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة