هل يختبر ترامب "عقيدة ماهان البحرية" في مضيق هرمز الآن؟

نشر
آخر تحديث
هل يختبر ترامب "عقيدة ماهان البحرية" في مضيق هرمز الآن؟

استمع للمقال
Play

كيف تصنع القوة البحرية الإمبراطوريات؟ رحلة تاريخية من بزوغ نجم الأسطول الأميركي والسيادة البريطانية، وصولاً إلى اختبار عقيدة السيطرة في مضيق هرمز اليوم.

أسماء باسل فكري- محررة في CNBC عربية

في عام 1890 نُشر كتاب "The Influence of Sea Power upon History, 1660–1783" للمؤرخ الأميركي ألفريد ثاير ماهان، الذي خدم أيضاً في البحرية الأميركية، ثم درس التجربة البريطانية تاريخياً واستخلص منها دروساً للسياسة الأميركية، وكان كتابه: "تأثير القوة البحرية في التاريخ 1660 - 1783" بمثابة دعوة للولايات المتحدة إلى بناء قوة بحرية قادرة على حماية تجارتها وتوسيع نفوذها خارجياً، حيث أشار في كتابه إلى أن الدولة التي تسيطر على البحار تستطيع السيطرة على التجارة العالمية، وأن هدف الحرب البحرية هو فتح ممرات أمام التجارة البحرية، ونقل الجيوش إلى حيثما دعت الحاجة، وبالتالي حرمان العدو من استخدام البحر لحماية مصالحه، ومن ثم تصبح قوة عظمى.

بدء بزوغ نجم الولايات المتحدة في البحار!

تحليلات ألفريد ماهان وكتاباته حول القوة البحرية نبّهت الولايات المتحدة في أواخر القرن الـ 19 إلى ضرورة امتلاك سفن فولاذية متطورة لحماية مصالحها، حيث أجاز الكونغرس عام 1890 بناء 3 بوارج جديدة من فئة Indiana، هي Indiana وMassachusetts وOregon، وقد شهدت هذه السفن عهداً جديداً من القوة البحرية الأميركية، استطاعت من خلالها لاحقاً لعب دور محوري في الحرب الإسبانية - الأميركية عام 1898، وكان انفجار بارجة من الدرجة الثانية تُدعى USS Maine أحد أبرز الأحداث التي سرّعت اندلاع الحرب، وهي تعد من البوارج الفولاذية التي مثّلت جيل التحديث البحري الأميركي، والتي كانت قد أرسلتها الولايات المتحدة إلى هافانا في كوبا الواقعة تحت الاحتلال الإسباني حينذاك، حيث وقع انفجار ضخم بالسفينة دون إثبات بتورط إسبانيا فيه، لكن واشنطن اعتمدته كذريعة لحرب امتدت نحو 100 يوم وانتهت بانتصارها وتنازل إسبانيا عن مستعمراتها، وتخليها عن مطالبها في كوبا والتنازل عن غوام وبورتوريكو للولايات المتحدة، والتي اشترت الفلبين أيضاً من إسبانيا بـ 20 مليون دولار، لتبدأ حينها الولايات المتحدة فصلاً جديداً كقوة عظمى على الساحة والبحرية على وجه الخصوص.

وخلال الحرب الأميركية - الإسبانية أبحرت السفينة من نوع Oregon الأميركية في المحيط الهادي حول طرف أميركا الجنوبية لأكثر من شهرين للانضمام الى الأسطول قبالة كوبا، ما نبّه الولايات المتحدة للوقوف وراء مشروع يوحد أسطولها ويختصر عليه وقت الإبحار عملاً بأفكار "ماهان"، ليبزغ في الأفق مشروع حفر "قناة بنما" الذي اعتبرته واشنطن مشروعاً استراتيجياً مباشراً لمصالحها البحرية، بينما اعترضته كولومبيا، فما كان من واشنطن إلا أن دعمت قرار انفصال بنما سياسياً، ثم شرعت في حفر القناة عام 1904 وافتتحتها في 1914 وأصبح الأسطول الأميركي قادراً على التنقل بين المحيطين في أيام بدلاً من أشهر.



مئة ألف طن من الدبلوماسية في البحار! 

بعد حفر قناة بنما وافتتاحها، تنبهت واشنطن إلى ضرورة الإمساك بالبحار والمحيطات، وإلى ضرورة بناء قوة بحرية هائلة تضاهي قواتها البرية والجوية، ففي عبارة تُنسب على نطاق واسع إلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسينجر، وصفت حاملة الطائرات بأنها "100 ألف طن من الدبلوماسية"  قاصداً أن مجرد وجود حاملة طائرات أميركية قبالة سواحل أي دولة يُغني عن الكلام.

كسينجر الذي ربما وصف بجملته المنسوبة إليه هذه حالة الهيمنة البحرية الأميركية وحالة التفوق البحري الأميركي خلال الحرب الباردة، رغم المنافسة المتصاعدة مع البحرية السوفييتية، كان يقصد بها الحاملات العملاقة التي كانت أبرز أدوات استعراض القوة الأميركية آنذاك، وبالتالي هدفت واشنطن إلى أن تكون حاملات الطائرات في البحار هي أحد أبرز نقاط القوة للولايات المتحدة للإمساك بزمام الحروب والمواجهات بحراً وجواً وبراً.

الولايات المتحدة وعسكرة البحار!

حاملة الطائرات هي عبارة عن سفينة حربية ضخمة، تعمل كـ "قواعد جوية عائمة" في البحار والمحيطات، تستطيع إطلاق الطائرات العسكرية منها وإليها، والقيام بعمليات عسكرية دون الحاجة لقواعد برية.

لدى الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات تعرف باسم حاملات الأسطول الكبرى Supercarriers، وتعمل بالطاقة النووية، وبعضها يستطيع حمل عشرات الطائرات المقاتلة والمروحيات، وتشمل 10 حاملات من فئة نيميتز وحاملة USS Gerald R. Ford من فئة فورد.  

ووفقاً للموقع الرسمي للبحرية الأمريكية U.S. Navy، فإن منطقة الشرق الأوسط تشهد حالياً وجود لحاملات الطائرات الأميركية، حيث شاركت USS Abraham Lincoln في بحر العرب والتي شاركت في تنفيذ الحصار البحري على إيران في أبريل 2026، وكذلك حاملة الطائرات USS George H.W. Bush CVN-77 التي تقع في منطقة أسطول الولايات المتحدة الخامس في الشرق الأوسط دعماً للعمليات البحرية.

أما في المحيط الهادي، فتعمل حاملة الطائرات USS George Washington CVN-73 في بحر الفلبين، بينما حاملة الطائرات USS Theodore Roosevelt CVN-71 فهي تعمل قبالة سواحل هاواي وتقود مناورات RIMPAC 2026 وهي أضخم مناورة بحرية دولية في العالم تشارك فيها نحو 30 دولة وتمتد لنهاية يوليو 2026.

وبالنسبة لحاملة الطائرات العملاقة جيرالد فورد فقد دخلت ترسانة نورفولك البحرية في 7 يوليو 2026 لإجراء صيانة مجدولة بعد إمضاء 326 يوماً من العمليات في البحر المتوسط والكاريبي والبحر الأحمر.

وإذا تم تحديد قوة أميركا البحرية بشكل أدق فهناك 9 سفن هجومية برمائية من فئتي Wasp وAmerica القادرة على تشغيل مقاتلات F-35B، ليرتفع عدد المنصات الأميركية الكبيرة القادرة على تشغيل الطيران البحري إلى نحو 20 سفينة.

بريطانيا.. الإمبراطورية التي لا تغيب عن شمس البحار والمضائق!

بريطانيا سبقت الولايات المتحدة كقوة بحرية عظمى تجوب بأساطيلها المحيطات والمضائق والبحار، فخلال حرب الخلافة الإسبانية ونشوب صراع أوروبي كبير عقب وفاة ملك إسبانيا تدخل الأسطول الإنجليزي - الهولندي للاستيلاء على جبل طارق عام 1704، واضطرت إسبانيا للتنازل رسمياً عن جبل طارق لصالح التاج البريطاني بموجب معاهدة أوتريخت عام 1713، التي منحت بريطانيا السيطرة على جبل طارق كموقع استراتيجي مهم عند المدخل الغربي للبحر المتوسط، ويربطه بالمحيط الأطلسي، إلا أن إسبانيا والمغرب لا تزالان تشرفان على المضيق ذاته بحكم الموقع الجغرافي لهما.  

اقرأ أيضاً: أزمة هرمز تشعل فاتورة التحرك العسكري الأميركي

فرنسا في زمن نابليون لم تزح أياديها عن البحار أيضاً، وكانت جزيرة مالطا تقع تحت سيطرتها، لكن بريطانيا لم تتركها، حاصرت القوات البحرية البريطانية مالطا وانتزعتها من الفرنسيين عام 1800 وتمسكت بها في معاهدة باريس 1814 لتصبح تحت السيطرة البريطانية ومعترفاً بها دولياً، حينذاك رأت بريطانيا في مالطا موقعاً استراتيجياً بحرياً؛ فحولتها إلى قاعدة بحرية ومركز مهم لصيانة وإصلاح سفن أسطولها البحري قبل العودة إلى البحار.

صراع اللحاق بالممرات المائية بالمنطقة!

بالنظر إلى حال البحار بين فرنسا وبريطانيا قبل مئات السنين، وفي مايو 1798 أبحر نابليون بونابرت من ميناء طولون الفرنسي إلى ميناء الإسكندرية، معلناً دخول الحملة الفرنسية على مصر، ومهدداً الطريق المار عبر البحر المتوسط، هنا اكتشفت إنجلترا أن ممراتها المائية ومصالحها العابرة بالمنطقة وصولاً إلى الهند بدت مكشوفة وتحت التهديد الفرنسي المسيطر على مصر في منتصف الطريق، لتبدأ فصلاً جديداً نحو الاهتمام بميناء عدن باليمن كقاعدة بحرية استراتيجية في البحر الأحمر.

وبعد نحو 30 عاماً من حملة نابليون على مصر، جنحت سفينة تُدعى "Duria Dawla" التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية قرب سواحل عدن، واتهمت بريطانيا بعض السكان في عدن بتفريغ حمولتها، إلا أن هذا كان ذريعة سياسية للاستيلاء على عدن وفق ما جاء في فصل داخل كتاب أكاديمي  بعنوان "عدن، الهند البريطانية وتطوير الطاقة البخارية في البحر الأحمر، 1825-1839" للكاتب Robert J. Blyth، ففي 19 يناير 1839 وصلت قوات بحرية بريطانية - هندية مسلحة إلى ميناء عدن للاستيلاء عليه، لتسقط عدن في غضون ساعات ويتم إعلانها مستعمرة بريطانية، حيث كانت هناك دوافع شبه إمبراطورية تتعلق بالأمن الإقليمي للهند البريطانية، وتأمين مرور سفنها الآتية من الهند عبر البحر الأحمر وصولاً إلى مصر ثم البحر المتوسط، وكذلك إنشاء محطة تزويد بالفحم في ميناء عدن لتزويد السفن البريطانية البخارية آنذاك بالوقود لمواصلة رحلاتها.

ورغبة منها في التمدد البحري، اشترت بريطانيا في عام 1875 حصة الخديوي اسماعيل حاكم مصر آنذاك في قناة السويس البالغة 44% من الأسهم بـ4 ملايين جنيه إسترليني، بقرض فوري من بنك روتشيلد، منحت الصفقة بريطانيا نفوذاً مالياً واستراتيجياً متزايداً في شركة قناة السويس، قبل أن يتعزز نفوذها الفعلي على مصر والقناة بعد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882.

بريطانيا التي كانت سيدة البحار لأكثر من قرنين من الزمان، والتي استلهم منها المؤرخ الأميركي ألفريد ثاير ماهان، ومن قوتها البحرية الضخمة، وحرّض بلاده على أن تحذو حذوها في البحار، لم تعد الآن بنفس القوة التي كانت عليها، وتركت المجال للولايات المتحدة بفارق كبير.

اختبار العقيدة البحرية الأميركية في هرمز!

منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026، صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً في بداية الحرب أن هدفه هو إسقاط النظام الإيراني، وتدمير مشروع إيران الصاروخي والنووي، وسبق أن ضربت واشنطن ثلاثة من مواقعه النووية في يونيو 2025، لكن سرعان ما تغيرت دفة الحرب حتى صارت في منتصف مضيق هرمز، وتصاعد الأمر إلى حبس السفن التي كانت داخل المضيق أثناء نشوب الحرب، وتراجعت حركة السفن والناقلات عبر المضيق إلى مستويات شبه متوقفة، بعدما أعلنت إيران إغلاقه وهددت باستهداف السفن التي تحاول العبور مطلع مارس 2026، ما أشعل حرباً من نوع آخر تمثلت في اختناق أسعار وكميات الطاقة والسلع والبضائع حول العالم، وضاق الخناق أكثر عندما بدأت واشنطن في 13 أبريل 2026 حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، شمل حركة السفن الداخلة إليها والخارجة منها.

ورغم توقيع مذكرة تفاهم أميركية - إيرانية في 17 يونيو 2026 لإنهاء الحرب، ورفع الحصار المزدوج، إلا أن الهدنة انهارت في 8 يوليو 2026 مع استئناف الضربات الأميركية، واستمرار اشتباكات متقطعة، وفي 11 يوليو 2026 أعلنت إيران مجدداً إغلاق المضيق حتى إشعار آخر، مع انتشار تقارير عن بقاء مسار جنوبي مفتوح جزئياً.

مضيق هرمز هو ممر مائي يقع بين عُمان وإيران ويربط بين الخليج العربي شمالاً وخليج عُمان وبحر العرب جنوباً، يبلغ  طوله 167 كيلومتراً، بينما يبلغ اتساعه 33 كيلومتراً عند أضيق نقطة، ولا يتجاوز عرض ممري الدخول والخروج فيه 3 كيلومترات في كلا الاتجاهين، وقد يكون المضيق أهم ممر مائي لنقل الطاقة في العالم، حيث تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية ونسبة كبيرة من شحنات الغاز الطبيعي المسال، وحينما تصاعدت التوترات الجيوسياسية في المنطقة وعلى رأسها المضيق، وتحولت دفة الحرب من حرب إسقاط نظام وإسقاط مشروع نووي إلى حرب داخل المضيق، ومحاولة السيطرة على منافذه.

الولايات المتحدة وإيران سحبتا ساحة الحرب كلياً إلى داخل مضيق هرمز، رغم كونه مضيقاً دولياً وممراً مائياً يخضع لقواعد الملاحة الدولية مع مراعاة القواعد الخاصة بالنزاعات المسلحة في البحر،  إلا أن العالم اختنق بسبب المضيق، واشتعلت أزمة الطاقة في أنحاء واسعة من العالم، ومرت أسعار النفط بتقلبات لم تشهدها منذ عقود، بل ذهب مسؤولون وخبراء في قطاع الطاقة إلى أن الأزمة الحالية قد تفوق أزمة الطاقة إبان حرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل، حين فرضت دول عربية مصدرة للنفط حظراً على الولايات المتحدة ودول أخرى دعمت إسرائيل.

الحرب الحالية عقدت الوضع بشكل غير مسبوق في مضيق هرمز، نظراً لأهميته من ناحية، ولأهمية المنطقة الاستراتيجية التي يقع فيها من ناحية أخرى، فمنطقة الخليج مصدر رئيسي للنفط والغاز المسال، ومضيق هرمز نقطة مرور أساسية لتصدير الطاقة من المنطقة إلى باقي أنحاء العالم، وتصاعد النزاع البحري بين الولايات المتحدة وإيران في المضيق وحوله سيعقد الأمور أكثر، لكن يبدو أن دونالد ترامب يريد اختبار العقيدة البحرية الأميركية داخل مضيق هرمز إعمالاً بـ "عقيدة ماهان" وانطلاقاً من الفكرة المركزية في نظريته التي تربط النفوذ العالمي بالقدرة على حماية طرق التجارة وفرض السيطرة البحرية، فإلى متى ستمتد رغبة ترامب في طرح هذا الاختبار داخل مضيق يخدم مصالح وإمدادات الطاقة لأغلب دول العالم؟ 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة