دخلت معركة الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة في مرحلة متطورة لا تقتصر فقط على من يقدم النموذج الأكثر ذكاءً أو الرقاقة الأسرع، فقد نقل الرئيس الصيني شي جين بينغ المنافسة إلى ساحة أكثر اتساعاً، وهي من سيزوّد الدول النامية بالتكنولوجيا والتدريب والبنية التحتية، ومن سيكتب القواعد التي ستحكم استخدامها؟
في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي الذي انعقد في شنغهاي بين 17 و20 يوليو/ تموز 2026، قدّم شي حزمة تجمع بين النماذج منخفضة التكلفة، وتدريب الكفاءات، وإنشاء مراكز تطبيق إقليمية، ومنظمة دولية جديدة مقرها الصين.
ويعد العرض من أكثر خطوات بكين طموحاً حتى الآن لبناء نظام عالمي بديل للنظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، بحسب وصف خبراء التكنولوجيا لـ"فايننشال تايمز".
ويرى خبراء التكنولوجيا أن الرسالة الصينية بسيطة وجذابة للدول التي لا تملك مراكز بيانات عملاقة أو ميزانيات تضاهي شركات وادي السيليكون، وهي لن نبيعكم أداة جاهزة فحسب، بل سنساعدكم على امتلاك القدرة على استخدامها وتكييفها، أما المقابل غير المعلن، فهو دخول أعمق إلى منظومة تكنولوجية صينية تحمل معها معاييرها ومورديها ورؤيتها للسيادة على البيانات.
5 آلاف فرصة تدريب ومراكز تمتد إلى العالم العربي
لم يكتفِ شي بالشعارات، فوفق النص الرسمي لخطابه، ستوفر الصين خلال الأعوام الخمسة المقبلة 5 آلاف فرصة تدريب وندوة لمواطني الدول النامية، وتؤسس مراكز دولية للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع رابطة آسيان، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، وتجمع دول أميركا اللاتينية والكاريبي، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس، كما تعتزم إتاحة نظام «مازو» للإنذار المبكر بالطقس المدعوم بالذكاء الاصطناعي أمام 30 دولة.
واعتبر شي هذه الخطوات استجابة لـ«نداء الجنوب العالمي»، محذراً من أن التفاوت في الوصول إلى التكنولوجيا قد يصنع «ظلماً تاريخياً جديداً»، وبحسب خبراء التكنولوجيا هنا تكمن قوة العرض؛ فبكين تربط النقاش المجرد حول الحوكمة بمنافع قابلة للقياس، من التدريب إلى تطبيقات المناخ والخدمات العامة.
وقبل انطلاق المؤتمر بيوم، وقّعت 29 دولة اتفاق تأسيس «منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي - WAICO »، وهي منظمة حكومية دولية مستقلة سيكون مقرها شنغهاي.
وضمت قائمة المؤسسين روسيا وبيلاروسيا وصربيا وكوبا والبرازيل وفنزويلا، إلى جانب 10 دول أفريقية و12 دولة آسيوية، وفق رويترز.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن دول «بريكس» المنضمة تشمل البرازيل وروسيا وإندونيسيا وجنوب أفريقيا، بينما غابت الهند.
«لحظة ديب سيك» تحوّل السعر إلى أداة نفوذ
لم يكن هذا العرض ليحظى بالوزن نفسه قبل ظهور «ديب سيك» في يناير 2025، فقد أثبتت الشركة الناشئة أن نموذجاً صينياً مفتوح الأوزان يمكن أن ينافس أنظمة أميركية متقدمة بكلفة استخدام أقل، وأن ينتشر سريعاً خارج الصين.
وذكرت بيزنس إنسايدر أن مايكروسوفت وأمازون سارعتا إلى إتاحة نسخ من نموذج (R1) عبر منصاتهما السحابية، بينما بدأت جهات غربية محاولة إعادة إنتاجه.
منذ ذلك الحين، توالت نماذج «كيوين» التابعة لعلي بابا، و«ديب سيك»، و«كيمي» التابعة لمون شوت.
وأثار طموح الصين لتحويل نماذجها المتاحة مجاناً إلى معيار عالمي قلق الشركات وصانعي السياسة في الولايات المتحدة. كما رأت ذا غارديان أن النماذج الصينية الرخيصة، وفي مقدمتها (Kimi K3)، باتت تضغط على هيمنة الشركات الأميركية وعلى قدرتها على تسعير خدماتها بعلاوة مرتفعة، وفق وول ستريت جورنال.
وتخفض إتاحة النماذج رسوم الترخيص وتشجع المطورين على تكييفها، وهذه ميزة حاسمة في دول تحتاج إلى نماذج تعمل بلغاتها المحلية، ويمكن تشغيلها داخل حدودها، من دون دفع فاتورة متكررة لمزود أميركي، بحسب فوربس.
لكن الوصف الأدق لمعظم هذه الأنظمة هو «مفتوحة الأوزان» لا «مفتوحة المصدر» بالكامل؛ إذ يمكن تنزيل المعلمات الرقمية للنموذج وتشغيله محلياً، من دون أن تكون الشفرة وبيانات التدريب ومنهجية البناء مكشوفة جميعاً، وهذا التمييز، الذي أبرزته بيزنس إنسايدر، مهم عند تقييم مقدار الاستقلال الفعلي الذي تحصل عليه الدول المستوردة.
طريق الحرير الرقمي يحصل على طبقة ذكاء اصطناعي
الدبلوماسية الجديدة ليست مشروعاً منفصلاً، بل امتداد لـ«طريق الحرير الرقمي» الذي أطلقته الصين في 2015 ضمن مبادرة الحزام والطريق.
أنفقت بكين ما يقدّر بنحو 79 مليار دولار على مشروعات مرتبطة به، تشمل شبكات الاتصالات والحوسبة السحابية والمدن الذكية والمدفوعات المحمولة والمراقبة، فيما شارك نحو ثلث دول الحزام والطريق في مشروعاته، وفق مجلس العلاقات الخارجية.
هذه البنية تمنح الصين أفضلية يصعب على منافسيها تقليدها سريعاً، فالدولة التي تستخدم معدات اتصالات صينية، وسحابة صينية، ومنصات دفع صينية، ستجد من الأرخص إضافة نموذج ذكاء اصطناعي صيني إلى المنظومة القائمة.
ويحذر مجلس العلاقات الخارجية من أن الحزم التكنولوجية المتكاملة ترفع تكلفة الانتقال إلى مورد بديل بعد تثبيتها.
«وايكو» في مواجهة «باكس سيليكا»
تدخل بكين هذه المنافسة في وقت تتراجع فيه واشنطن عن أجزاء من النظام متعدد الأطراف. فقد أفادت رويترز بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب قررت في يناير الانسحاب من 35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة و31 كياناً أممياً، إلى جانب خطوات سابقة للابتعاد عن منظمة الصحة العالمية واتفاق باريس واليونسكو.
ويرى خبراء في تصريحات لـ«فايننشال تايمز» أن الصين تحاول ملء جزء من فراغ القيادة الناتج عن هذا الانكفاء.
مع ذلك، لا تعني هذه التحركات غياب الولايات المتحدة عن دبلوماسية التكنولوجيا؛ فمبادرة «باكس سيليكا» الأميركية تضم 24 عضواً، وفق بيان القمة الثانية المنشور عبر السفارة الأميركية، بينما جمعت واشنطن 35 دولة حول «بيان فرص الذكاء الاصطناعي» الأوسع، بحسب رويترز.
ويشير خبراء التكنولوجيا إلى الفارق اللافت في التصميم، حيث تركز «باكس سيليكا» على تأمين سلاسل توريد الرقائق والمعادن الحيوية ومراكز البيانات والبنية التحتية الموثوقة، بينما تبيع «وايكو» نفسها بوصفها منصة للحوكمة وبناء القدرات وسد الفجوة الرقمية.
وكانت كازاخستان الدولة الوحيدة المدرجة في المبادرتين الصينية والأميركية، ما يكشف أن المنافسة بدأت ترسم كتلتين متباعدتين أكثر مما تصنع إطاراً عالمياً واحداً، وفق رويترز.
المعايير هي الجائزة الكبرى
يتجاوز الرهان صادرات البرمجيات؛ فالنموذج الذي تتبناه الجامعات والوزارات والشركات المحلية سيؤثر في قواعد تخزين البيانات، وأساليب الرقابة على المحتوى، ومعايير السلامة، وشروط المشتريات الحكومية، وإذا انتشرت الأدوات الصينية أولاً، فقد تتحول ممارساتها إلى معايير فعلية قبل التوصل إلى قواعد دولية مشتركة.
وقال الباحث أريندراجيت باسو إن اندفاعة شي تنسجم مع مسعى صيني أوسع لإعادة تشكيل المعايير الأساسية التي تحدد فهم العالم للتكنولوجيا. ويختلف هذا النهج عن الأطر الغربية التي تعطي وزناً أكبر للحقوق الفردية والشفافية؛ إذ تكرر بكين مفاهيم السيادة الوطنية والتنمية، إلى جانب ضرورة أن يكون الذكاء الاصطناعي «آمناً وقابلاً للسيطرة»، وفق فايننشال تايمز.
وعود الانفتاح تصطدم بالأرباح والأمن
وثمة ثغرتان في العرض الصيني، بحسب الخبراء، الأولى اقتصادية حيث إن إتاحة الأوزان مجاناً تنشر النموذج، لكنها لا تضمن دخلاً لمطوره، بينما تظل تكلفة تشغيله من الرقائق والكهرباء ومراكز البيانات مرتفعة.
وأظهرت أرقام بيزنس إنسايدر أن شركتي (Zhipu) و(MiniMax) تكبدتا خسائر كبيرة في 2025، ما يزيد الضغط لإغلاق بعض النماذج أو فرض رسوم عليها.
والثغرة الثانية سياسية؛ فقد كشفت رويترز أن وزارة التجارة الصينية ناقشت مع علي بابا وبايت دانس و(Z.ai) فرض قيود على وصول الأجانب إلى النماذج المتقدمة وأوزانها وبيانات تدريبها؛ لذلك لا يوجد ضمان بأن يظل الباب مفتوحاً إذا تحولت هذه الأصول إلى أوراق استراتيجية.
ودفعت القيود الأميركية على الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها بكين إلى حملة واسعة لتطوير بدائل محلية بقيادة هواوي، لكن سد الفجوة مع إنفيديا وسلسلة التوريد الأميركية لا يزال تحدياً، وفق وول ستريت جورنال.
ويرى خبراء التكنولوجيا وخبراء أسواق المال أنه بالنسبة إلى دول الجنوب العالمي، لا يبدو العرض الصيني مجرد دعاية؛ فهو يعالج نقصاً حقيقياً في التمويل والحوسبة والمهارات، لكنه ليس منحة بلا ثمن أيضاً، فاختيار النموذج والسحابة ومركز التدريب قد يتحول إلى قرار جيوسياسي طويل الأجل، وإذا نجحت بكين في جعل تقنيتها الخيار الافتراضي للأسواق الناشئة، فلن تكون قد ربحت سباق الانتشار فحسب، بل ستقترب من تحديد القواعد التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي خارج الغرب.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي