استطلاعات الاقتصاد الأميركي.. بين التشاؤم الشعبي والنمو الفعلي

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

فقدت الاستطلاعات الاقتصادية أهميتها في أميركا، بعدما باتت تعكس مشاعر الإحباط الشعبي أكثر من كونها مؤشراً على النمو الفعلي.

الناتج المحلي الإجمالي الأميركي سيُظهر نمواً يتجاوز 2% هذا الأسبوع.

وبالفعل تشير التقديرات إلى نمو قريب من هذا المستوى؛ فالربع الأول من 2026 سجّل نمواً نهائياً بلغ 2.1% على أساس سنوي، مقارنة بـ0.5% فقط في الربع الرابع من 2025.



بينما يتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا (GDPNow) نمواً عند 1.7% للربع الثاني، في حين تراوحت توقعات محللين آخرين بين 2% و2.5%، وفق مقال رئيس مؤسسة Rockefeller International، روتشير شارما، في فينانشال تايمز.

 ورغم هذا النمو المعقول، لا تعكس الاستطلاعات هذه الصورة، إذ تسجل مستويات ثقة متدنية تشبه فترات الركود.

فجوة بين النمو والمزاج الشعبي

استطلاعات المستهلكين من Conference Board وجامعة ميشيغان وصلت إلى مستويات لم تُسجل إلا مرتين خلال ثلاثة عقود، رغم استمرار الإنفاق الاستهلاكي، وفق شارما.

وتؤكد البيانات الحديثة هذه الفجوة، فمؤشر جامعة ميشيغان للثقة الاستهلاكية هبط إلى قاع قياسي عند 44.8 نقطة في مايو 2026، قبل أن يرتفع إلى 54.4 نقطة في القراءة الأولية لشهر يوليو، وهو أعلى مستوى منذ فبراير، لكنه يبقى أقل بنحو 12% مقارنة بمستواه قبل عام.

وفي المقابل، أظهرت بيانات وزارة التجارة أن مبيعات التجزئة في يونيو ارتفعت 0.2% فقط اسمياً، لكنها زادت 0.7% بعد استبعاد أثر ارتفاع أسعار البنزين، وهو ما يعكس استمرار الإنفاق رغم تراجع الثقة.

 



 

أما مؤشر Conference Board فقد صعد إلى 91.2 نقطة في يونيو 2026 من 90.6 في مايو، وفق University of Michigan Surveys of Consumers.

 ضعف ثقة الأعمال

استطلاعات الأعمال مثل ISM كثيراً ما أشارت إلى ركود لم يحدث، بينما أظهرت استطلاعات S&P صورة أقرب للواقع لكنها لا تزال أضعف من النمو الفعلي.

والواقع أن مؤشر ISM لمديري المشتريات في قطاع الصناعة سجّل 53.3 نقطة في يونيو 2026، متراجعاً من 54.0 في مايو، لكنه ظل في منطقة التوسع (فوق 50 نقطة) للشهر السادس على التوالي، رغم أن 66% من تعليقات المشاركين في الاستطلاع كانت سلبية مقابل 34% إيجابية فقط وهو ما يبرز الفجوة بين "شعور" المشاركين وأداء المؤشر الفعلي.

كما أن معدلات الاستجابة المتراجعة والتحيزات السياسية والاجتماعية تجعل النتائج غير دقيقة. 

تأثير عدم المساواة والسياسة

تعطي الاستطلاعات بطبيعتها وزناً متساوياً لكل مشارك، ما يجعلها غير قادرة على عكس النمو القائم على إنفاق الأغنياء.

فالأغنى 10% باتوا مسؤولين عن نصف الإنفاق الاستهلاكي.

وتؤكد بيانات Moody's Analytics هذا الطرح بدقة: إذ بلغت حصة الأغنى 10% (من يكسبون 250 ألف دولار سنوياً أو أكثر) من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي 49.7%، وهو رقم قياسي منذ بدء تسجيل البيانات عام 1989، مقارنة بنحو 36% فقط قبل ثلاثة عقود، بل إن هذه الفئة وحدها تساهم بثلث الناتج المحلي الإجمالي تقريباً.



كما أن الانقسام السياسي الحاد جعل تقييم الاقتصاد مرتبطاً بالحزب الحاكم؛ فوفق استطلاع Pew Research الأخير، تراجعت نسبة الجمهوريين الذين يقيّمون الاقتصاد بشكل جيد من 49% في يناير 2026 إلى 41% في يوليو، بينما ظلت نسبة الديمقراطيين منخفضة عند 10% فقط.

وتشير بيانات Gallup إلى أن متوسط رضا الديمقراطيين عن الأوضاع العامة في عهد ترامب الثاني بلغ 27% فقط، وهو أدنى بكثير من متوسطات 39%45% المسجلة خلال رئاسات جمهورية سابقة.

الإعلام ومواقع التواصل

وأوضح تقرير لمعهد بروكينغز أن نبرة الأخبار الاقتصادية أصبحت سلبية منذ 2016، فيما عززت مواقع التواصل شعور المقارنة مع الأثرياء.

وبالفعل، وجد باحثو بروكينغز باستخدام "مؤشر مشاعر الأخبار" الصادر عن الاحتياطي الفدرالي في سان فرانسيسكو أن العلاقة التاريخية بين أساسيات الاقتصاد (كالنمو والتضخم والبطالة) ونبرة الأخبار كانت دقيقة بين عامي 1988 و2016.

لكن بعد 2016 أصبحت نبرة الأخبار الاقتصادية أكثر سلبية بشكل منهجي مقارنة بما تبرره الأساسيات الفعلية، مع تسارع ملحوظ في هذا الاتجاه بعد 2021.

وارتفعت ثقة الأغنياء مؤخراً مع صعود الأسهم، بينما تراجعت لدى ذوي الدخل المنخفض بسبب التضخم؛ ويؤكد ذلك تحليل بروكينغز الذي وجد أن استمرار أثر التضخم يمثل عبئاً يخصم نحو 8.8 نقطة من مؤشر الثقة، مقابل خصم إضافي قدره 3.6 نقطة نتيجة التحيز الحزبي غير المتماثل لدى الجمهوريين، وفق الكاتب.

انقسام الشركات

استطلاعات الشركات الكبرى أظهرت تعافياً نسبياً، بينما واصلت استطلاعات الشركات الصغيرة التراجع.

وتدعم بيانات "الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة في أميركا" NFIB هذا الطرح: فمؤشر تفاؤل الشركات الصغيرة تراجع إلى 95.3 نقطة في مايو 2026، أدنى من متوسطه التاريخي البالغ 98 نقطة، مع إشارة كبير اقتصاديي NFIB إلى أن "المنافسة من الشركات الكبرى تضع ضغوطاً على شركات الشارع الرئيسي". 

وفي المقابل، أظهر مؤشر S&P Global المجمّع للقطاع الخاص أداءً أقوى، إذ سجّل الناتج الخاص أعلى مستوى في 5 أشهر مع نمو قوي في قطاع الصناعة بحسب بيانات يونيو 2026.

وحتى الفدرالي بدأ يشكك في قيمة هذه المؤشرات، إذ صرّح رئيسه السابق جيروم باول بأن "الرابط بين بيانات المشاعر والإنفاق الاستهلاكي كان ضعيفاً، ولم يكن رابطاً قوياً على الإطلاق"، وهو ما تؤكده أيضاً دراسة لباحثي الفيدرالي وجدت أن الأميركيين يقولون إنهم يشعرون بسوء أكبر، لكنهم حتى نهاية 2024 كانوا يشترون فعلياً أكثر مما كانوا يفعلون عام 2019. 

وقد يشير التفاوت بين الأرقام الواقع إلي أن هذه ليست مجرد "مشاعر سيئة"، فقد تمثل انعكاساً لإحباطات حقيقية من نظام يُنظر إليه على أنه منحاز للأغنياء والشركات الكبرى، ما يجعل الاستطلاعات عاجزة عن التنبؤ بالنمو الحقيقي مستقبلاً.


تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة