بدأ المستثمرون الأفراد في الولايات المتحدة إعادة ضبط رهاناتهم على طفرة الذكاء الاصطناعي، بعدما تحولوا من شراء الأسهم الرائجة عند كل انخفاض إلى تقليص انكشافهم على الشركات المنفردة والاحتماء بصناديق المؤشرات المتداولة، ولا يعني التحول مغادرة السوق بقدر ما يكشف عن حذر متزايد حيال التقييمات المرتفعة، والإنفاق الضخم على مراكز البيانات، واحتمال ألا تكون الأرباح كافية لتبرير الأسعار الحالية.
أكبر موجة بيع منذ الجائحة
باع المستثمرون الأفراد، يوم الأربعاء، أسهماً منفردة بقيمة صافية بلغت 243 مليون دولار، في أكبر تدفق يومي إلى الخارج منذ اضطرابات جائحة «كوفيد-19»، وفق بيانات «فاندا ريسيرش» التي أوردها موقع «بيزنس إنسايدر».
وسجلت السوق بذلك تاسع جلسة من البيع الصافي للأفراد منذ بداية 2026، مقارنة بعدم تسجيل أي جلسة مماثلة خلال أعوام 2021 و2024 و2025 مجتمعة.
وجاءت المبيعات بالتزامن مع هبوط حاد في مؤشرات الأسهم الأميركية، ما يشير إلى تراجع استعداد صغار المتعاملين لأداء دور «مشتري الملاذ الأخير» الذي لعبوه خلال موجات التصحيح السابقة.
ويتسق ذلك مع تغير أوسع رصدته «وول ستريت جورنال» خلال يوليو/ تموز، إذ بدأ الأفراد تقليص مشترياتهم في أسهم «العظماء السبعة»، ومنها إنفيديا ومايكروسوفت وأمازون وتسلا، والبحث عن فرص خارج المجموعة التي قادت صعود السوق لسنوات.
الأموال لا تغادر السوق
على الجانب الآخر، اشترى المستثمرون الأفراد في الجلسة نفسها صناديق مؤشرات متداولة بقيمة 388 مليون دولار، ما يكشف أن السيولة لم تنسحب كلياً من الأسهم، وإنما انتقلت إلى أدوات أكثر تنوعاً وأقل ارتباطاً بنتائج شركة واحدة.
وقالت «فاندا ريسيرش» إن المستثمر الفردي أصبح أكثر انتقائية واستعداداً لتقليل مخاطر الأسهم المنفردة، مع الاحتفاظ بانكشافه على السوق عبر الصناديق.
ويقلل هذا الأسلوب أثر أي مفاجأة سلبية في الأرباح أو التوقعات، لكنه قد يحرم الأسهم الأكثر رواجاً من تدفقات التجزئة التي كانت تضخم مكاسبها خلال السنوات الماضية.
وفي يونيو/ حزيران رصدت رويترز اتساع رهان الأفراد على الذكاء الاصطناعي عبر الصناديق المتخصصة، بعدما سجل صندوق يتتبع شركات البرمجيات الأميركية مشتريات يومية قياسية بلغت 46 مليون دولار.
ويظهر التطور الأخير أن الصناديق تحولت أيضاً إلى وسيلة لإدارة المخاطر، وليس فقط لملاحقة قطاعات النمو.
أسهم الذاكرة في قلب العاصفة
تركزت مبيعات الأربعاء بصورة غير متناسبة في شركات الذاكرة والتخزين، ومنها «مايكرون» و«سانديسك» و«سيغيت تكنولوجي» و«ويسترن ديجيتال»، ويعد ذلك انعكاساً سريعاً لاتجاه كان سائداً قبل أشهر، عندما تدفقت أموال الأفراد بقوة إلى هذه الشركات للاستفادة من الطلب المتنامي على مكونات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
واستقطب صندوق (Roundhill Memory ETF) أكثر من مليار دولار خلال عشرة أيام فقط من إطلاقه في أبريل/ نيسان، مدفوعاً بالإقبال على شركات مثل سامسونغ و«إس كيه هاينكس» ومايكرون، لكن هذا التركز جعل أسهم الذاكرة أكثر عرضة للبيع عندما بدأت توقعات المستثمرين تتجاوز حتى الأرباح القياسية التي تحققها الشركات، حسب ما أفادت وول ستريت جورنال.
إنفيديا تفقد «حصانة الانخفاض»
يظهر الحذر بوضوح أيضاً في تراجع مشتريات الأفراد لأسهم إنفيديا عند هبوطها، فقد كانت الشركة خلال الجزء الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي الوجهة الأولى للمتعاملين الذين اعتبروا أي تراجع فرصة لزيادة المراكز، إلا أن ضعف الاستجابة في 2026 يعني أن السهم لم يعد يتمتع بالحصانة السلوكية نفسها.
وتصاعد القلق بعدما أشارت تقارير إلى احتمال تقديم إنفيديا دعماً مالياً ضخماً لمشروع مركز بيانات تابع لـ«أوبن إيه آي».
وأدى ذلك إلى إثارة تساؤلات بشأن اعتماد طفرة الرقائق على ترتيبات تمويل دائرية، يستثمر فيها المورد لدى عملائه كي يتمكنوا من شراء منتجاته، وفق وول ستريت جورنال.
كذلك اتسعت موجة البيع عالمياً مع تزايد المخاوف من الاقتراض المستخدم لتمويل مراكز البيانات، وتعرضت أسهم الرقائق في الولايات المتحدة وآسيا لضغوط قوية، بحسب ذا غارديان.
اختبار الأرباح المقبل
لا تقدم التدفقات الحالية دليلاً كافياً على انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنها تشير إلى انتقال السوق من مرحلة شراء القصة إلى مرحلة محاسبة الشركات على العائد.
وتصبح الأسهم مرتفعة الزخم أكثر هشاشة عندما تتراجع شهية الأفراد لشراء الانخفاضات، لأن أي إخفاق في الأرباح قد يطلق موجة بيع لا تقابلها السيولة المعتادة.
ويرى خبراء أسواق المال أن الخطر الأكبر لا يكمن في خروج المستثمر الفردي من السوق، بل في تغير وجهته، فإذا استمر انتقال الأموال من الشركات المنفردة إلى الصناديق المتنوعة، ستحتاج أسهم الذكاء الاصطناعي إلى إثبات قدرتها على تحويل مليارات الدولارات من الإنفاق إلى تدفقات نقدية حقيقية، بدلاً من الاعتماد على الحماس وحده لدعم تقييماتها.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي