يدخل مجلس الاحتياطي الفدرالي اختبار سبتمبر/ أيلول وسط معادلة شديدة الحساسية، وهي تقرير وظائف قوي قد يثبت أن الطلب لا يزال ساخناً بما يكفي لتغذية التضخم، بينما ستُضعف قراءة هزيلة مبررات رفع الفائدة، لكنها قد تثير في الوقت نفسه مخاوف أوسع بشأن النمو وأرباح الشركات.
وبين الاحتمالين، تستعد وول ستريت لأسبوع قد يعيد تسعير الأسهم والسندات والدولار معاً، بعدما اختار رئيس الفدرالي كيفن وارش تقليص الإشارات المسبقة إلى مسار السياسة النقدية.
وتتوقع الأسواق أن يُظهر تقرير الوظائف غير الزراعية، المقرر صدوره في 7 أغسطس/ آب، إضافة 91 ألف وظيفة خلال يوليو/ تموز، مع استقرار معدل البطالة عند 4.3%.
وستتحول أي مفاجأة كبيرة عن هذه التقديرات إلى تصويت مبكر على قرار الفدرالي في سبتمبر، الذي تسعّر العقود الآجلة احتمال رفع الفائدة خلاله بنحو 64%، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG).
قراءة ساخنة تقرّب رفع الفائدة
تكمن خطورة التقرير في أنه يصدر بعد اجتماع اتسم برسائل متناقضة؛ فقد أبقى الفدرالي نطاق الفائدة عند 3.5% إلى 3.75% بأغلبية تسعة أصوات مقابل ثلاثة، فيما طالب المعارضون برفعها ربع نقطة مئوية لمواجهة التضخم المستمر فوق المستوى المستهدف، وفق وول ستريت جورنال.
وستدعم زيادة الوظائف بأكثر كثيراً من 91 ألفاً حجة المعسكر المتشدد؛ لأنها قد تعني أن الشركات ما زالت توظف بوتيرة تسمح بنمو الأجور والإنفاق، رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض.
عندها قد يرى الفدرالي أن الاقتصاد قادر على تحمل زيادة جديدة للفائدة، خصوصاً بعدما ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي 3.3% على أساس سنوي في يونيو، مبتعداً بوضوح عن هدف التضخم البالغ 2%، بحسب رويترز.
وبالحديث عن تباطؤ التوظيف بصورة حادة أو ارتفاع البطالة، فمن شأنه أن يخفض احتمال رفع الفائدة، لا أن يزيده، لأنه سيشير إلى أن السياسة الحالية بدأت تضغط على الطلب وسوق العمل، لكن هذه النتيجة لن تكون مريحة بالضرورة للأسهم؛ إذ قد يستبدل المستثمرون الخوف من التضخم بمخاوف الركود وتراجع الأرباح.
وارش يتخلى عن خريطة الطريق
تزداد حساسية الأسواق للبيانات بعد توجه وارش إلى تقليص «التوجيه المستقبلي»، أي الإشارات التي كان يقدمها الفدرالي إلى المستثمرين بشأن اتجاه الفائدة.
وذكرت فايننشال تايمز أن هذا النهج أثار ارتباكاً في سوق سندات الخزانة، حيث قفز عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.24%، وهو أعلى مستوى منذ 2007.
يرى وارش أن تقليل الإرشادات يمنح الفدرالي مرونة أكبر ويجبر الأسواق على قراءة البيانات بنفسها. لكن النتيجة الأولية كانت اتساع نطاق التقلبات وارتفاع تكاليف الاقتراض الطويل، في وقت لم يقدم فيه رئيس البنك المركزي تفسيراً كافياً لكيفية الجمع بين التعهد بإعادة التضخم إلى 2% والامتناع عن رفع الفائدة في اجتماعين متتاليين.
وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن غياب الإشارات الواضحة من وارش يجعل تقرير يوليو أكثر أهمية لأسواق العملات والسندات، لأن المستثمرين لم يعد لديهم مسار معلن يمكن الاستناد إليه.
ومن المنتظر أن يشكل اجتماع جاكسون هول لاحقاً فرصة لوارش لتوضيح فلسفته، قبل قرار سبتمبر الحاسم.
النفط والسندات يضيّقان هامش الأسهم
يأتي تقرير الوظائف في وقت فقدت فيه الأسهم الأميركية قدراً من زخمها. كان مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أقل بنحو 2.3% من قمته القياسية المسجلة في 2 يونيو/ حزيران، رغم ارتفاعه بأكثر من 8% منذ بداية 2026، وفق رويترز.
وأدى تجدد التصعيد في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة، ما أعاد مخاطر التضخم إلى الواجهة، وكلما ارتفع العائد على السندات طويلة الأجل، تراجعت القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، وهو ما يضغط بصورة أكبر على أسهم التكنولوجيا والنمو ذات التقييمات المرتفعة.
وأصبحت الأسهم عالقة بين خطرين، وهما سوق عمل قوي يدفع الفدرالي إلى التشديد، أو سوق عمل ضعيف يهدد أرباح الشركات، أما السيناريو الأكثر ملاءمة فسيكون تباطؤاً معتدلاً في التوظيف، يكبح التضخم من دون أن يتحول إلى انكماش اقتصادي.
أرباح الشركات خط الدفاع الأخير
من المقرر أن تعلن أكثر من ربع شركات «ستاندرد آند بورز 500» نتائجها خلال الأسبوع، بينها «إيلي ليلي» و«AMD» و«بالانتير» و«كاتربيلر» و«ميرك»، إضافة إلى أول تقرير فصلي لـ«سبيس إكس» منذ طرحها العام، وفق رويترز.
وتشير بيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG) إلى أن أرباح شركات المؤشر تتجه إلى الارتفاع 27.7% على أساس معدل مقارنة بالعام السابق. ويساعد هذا النمو في تبرير التقييمات المرتفعة، لكنه يخفي تفاوتاً واضحاً بين الشركات، خصوصاً داخل قطاع التكنولوجيا.
وسجل سهم «مايكروسوفت» أكبر قفزة يومية منذ 2008 بعد توقعات متفائلة لنمو الحوسبة السحابية، في إشارة إلى أن المستثمرين ما زالوا مستعدين لمكافأة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي عندما يقترن بعائد تجاري واضح، في المقابل، تراجع سهم «ميتا» بعد هبوط حاد في التدفقات النقدية، ما يعكس نفاد صبر السوق تجاه الإنفاق الرأسمالي الضخم حين تتأخر ثماره، بحسب رويترز وبيزنس إنسايدر.
سبتمبر يبدأ من سوق العمل
ويرى خبراء أسواق المال أن تقرير واحد لن يحسم قرار الفدرالي، إذ ستظل بيانات التضخم والنفط والأجور حاضرة قبل الاجتماع، لكنه سيحدد نقطة البداية: قراءة قوية ستمنح المعارضين الثلاثة زخماً لضم أصوات جديدة إلى معسكر رفع الفائدة، بينما ستدفع قراءة ضعيفة المجلس إلى التريث خشية تشديد السياسة في لحظة يتباطأ فيها الاقتصاد.
وبالنسبة إلى وول ستريت، لم يعد السؤال مقتصراً على عدد الوظائف التي أضافها الاقتصاد، بل على كيفية تفسيرها من جانب رئيس للفدرالي اختار أن يترك الأسواق من دون خريطة طريق، ولهذا قد يكون تقرير يوليو/ تموز أول اختبار حقيقي لما إذا كان تقليص التوجيه سيجعل السياسة أكثر مرونة، أم سيحوّل كل بيان اقتصادي إلى مصدر جديد للتقلب.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي