تريليون دولار على المحك.. هل تحوّل سباق الذكاء الاصطناعي إلى حرب استنزاف مالي؟

نشر
آخر تحديث
الذكاء الاصطناعي - AFP

استمع للمقال
Play

من المتوقع أن يصل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لدى الشركات العملاقة (ذات القيمة السوقية الضخمة) إلى 765 مليار دولار هذا العام، قبل أن يرتفع إلى ما يقرب من 1.2 تريليون دولار في عام 2027، وذلك وفقاً لـ "غولدمان ساكس"، حيث لم تعد الهيمنة على الذكاء الاصطناعي تُقاس فقط بقدرة الشركات على إنتاج النموذج الأكثر تطوراً، بل بحجم الأموال التي تستطيع حشدها لبناء مراكز البيانات وتأمين الرقائق والطاقة.

ومنذ بداية الطفرة في 2023 وحتى نهاية يونيو/ حزيران 2026، أنفقت «ألفابت» و«أمازون» و«مايكروسوفت» و«ميتا» نحو 1.1 تريليون دولار على الاستثمارات الرأسمالية، في رهان يحوّل عمالقة البرمجيات والإعلانات والتجارة الإلكترونية إلى أكبر بناة للبنية التحتية في العالم، وفق فايننشال تايمز.

ولا يمثل الرقم إنفاقاً حصرياً على الذكاء الاصطناعي؛ إذ يشمل أيضاً المستودعات وشبكات التوزيع والمعدات المكتبية والبنية السحابية التقليدية.

وتؤكد إفصاحات الشركات أن مراكز البيانات والخوادم والرقائق المتطورة أصبحت المحرك الأكبر للقفزة الأخيرة، ما يضع تريليون دولار من رأس المال أمام اختبار واحد، وهو هل تنمو إيرادات الذكاء الاصطناعي بالسرعة الكافية لتغطية تكاليفه؟

745 مليار دولار في عام واحد

تخطط الشركات الأربع لإنفاق نحو 745 مليار دولار رأسمالياً خلال 2026، بعدما رفعت «ألفابت» و«أمازون» تقديراتهما.

وكانت التوقعات في فبراير/ شباط تدور حول 650 مليار دولار، ارتفاعاً من 410 مليارات في 2025، قبل أن تتسارع خطط التوسع، وفقاً لرويترز.

ويكشف هذا التحول كيف تخلّت شركات التكنولوجيا عن نموذجها التاريخي منخفض الأصول، لتصبح أكثر شبهاً بشركات الكهرباء والاتصالات، حيث استثمارات ضخمة تُدفع مقدماً، وأصول تحتاج سنوات قبل أن تبدأ في توليد عوائد مستقرة.

ويتوقع بنك مورغان ستانلي، أن إنفاق القطاع على الرقائق والخوادم ومكونات مراكز البيانات قد يبلغ 2.9 تريليون دولار بين 2025 و2028.

وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«أمازون» آندي جاسي أن الفترة بين إنشاء المنشأة وتركيب الخوادم وتشغيلها قد تمتد إلى عامين، ما يضغط على التدفقات النقدية قبل تحصيل رسوم العملاء، ويعني ذلك أن بناء مركز البيانات لا يعني بدء الإيرادات فوراً.

الإيرادات تصل.. ولكن بوتيرة متفاوتة

بدأ الإنفاق بالفعل في دفع أعمال الحوسبة السحابية. فقد زادت إيرادات «AWS» التابعة لـ«أمازون» 37% خلال الربع الثاني، وهو أسرع نمو لها منذ أكثر من أربعة أعوام، ما ساعد السهم على القفز بعدما رأى المستثمرون دليلاً على إمكانية تحويل البنية التحتية إلى مبيعات، وفقاً لرويترز.

وسجلت «مايكروسوفت» نمواً قوياً في «Azure»، بينما أضافت سحابة غوغل نحو 11 مليار دولار إلى إيراداتها مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وأشار تحليل «رويترز بريكينغ فيوز» إلى أن الإنفاق الرأسمالي لمايكروسوفت نما بمتوسط سنوي بلغ 62% بين 2024 و2026، مقابل نمو بنحو 37% لأعمال (Azure)، ما يُظهر أن التكاليف لا تزال تتقدم على العائد.

وبالانتقال إلى شركة ميتا، التي لا تملك منصة سحابية تضاهي منافسيها، فتعتمد على رفع كفاءة الإعلانات وتحسين التفاعل داخل تطبيقاتها.

وارتفعت إيرادات ميتا الفصلية 28% إلى 61 مليار دولار، لكن المستثمرين لم يقتنعوا بأن هذه المكاسب تبرر حجم التوسع.

وهبط تدفقها النقدي الحر 91% إلى 784 مليون دولار، بعدما قفزت النفقات الرأسمالية 83% إلى 31.08 مليار دولار، وفق بيزنس إنسايدر.

900 مليار دولار خارج قائمة الإنفاق

أبرمت «ألفابت» و«ميتا» و«مايكروسوفت» التزامات جديدة مرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تقارب 900 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر، وفق حسابات فايننشال تايمز، وهذه ليست نفقات نقدية فورية، بل عقود إيجار ومشتريات طويلة الأجل وديون ستظهر آثارها تدريجياً في الميزانيات.

 



 

وقّعت ميتا التزامات بنحو 233 مليار دولار في ربع واحد، بينها إيجارات لمراكز البيانات وشبكات واتفاقات لشراء خوادم وقدرات سحابية، ثم أضافت عقود إيجار أخرى بقيمة 68 مليار دولار في يوليو/ تموز، كما أبرمت مايكروسوفت عقود إيجار جديدة لمراكز البيانات تتجاوز 130 مليار دولار.

وبحسب خبراء أسواق المال تقلل هذه العقود مرونة الشركات إذا تباطأ الطلب أو أصبحت الرقائق الحالية قديمة قبل استرداد تكلفتها، وفي المقابل، تمنحها أولوية الوصول إلى قدرة حاسوبية نادرة، وهو ما يفسر استعدادها لحجز الطاقة والخوادم لسنوات مقبلة.

دائرة تمويل تعتمد على المختبرات الناشئة

يعتمد جزء من العائد المتوقع على قدرة (OpenAI) و(Anthropic) على الوفاء بعقود شراء الحوسبة، فقد التزمت أوبن إيه آي بشراء خدمات (Azure) بقيمة 250 مليار دولار، وتعهدت (Anthropic) بإنفاق 200 مليار دولار مع غوغل كلاود خلال خمس سنوات، وأكثر من 100 مليار دولار على تقنيات (AWS) خلال عقد، وفق رويترز.

وقدّرت (HSBC) أن (OpenAI) ربما تحتاج إلى 207 مليارات دولار إضافية بحلول 2030، فيما تستهدف الشركة إنفاق نحو 600 مليار دولار على الحوسبة حتى ذلك التاريخ.

وهكذا تنشأ دائرة مترابطة تشمل شركات التكنولوجيا تستثمر في المختبرات، والمختبرات تستخدم التمويل لشراء الحوسبة من المستثمرين أنفسهم.

السيولة أول ضحايا الحرب

انخفض التدفق النقدي الحر المجمع للشركات الأربع إلى نحو 7 مليارات دولار فقط في الربع الأخير، وهو أدنى مستوى في عقد، بحسب «فايننشال تايمز». كما تتوقع رويترز، استناداً إلى بيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG)، أن يتجاوز إنفاق كبار مزودي الحوسبة السحابية تدفقاتهم النقدية الحرة بحلول 2027؛ إذ قد يحتاج كل دولار إضافي من السيولة التشغيلية إلى 1.57 دولار من الاستثمار.

وأدت شهية مراكز البيانات للرقائق ومكونات الذاكرة إلى اختناقات في سلسلة الإمداد وارتفاع التكاليف على شركات الهواتف، بينما حذرت شركة آبل من قيود على توريد المعالجات والذاكرة، وفق رويترز.

وفي قطاع الطاقة، تستهلك مراكز البيانات بالفعل نحو 6% من الكهرباء في الولايات المتحدة وبريطانيا، وسط تأخر مشروعات الربط بالشبكات وارتفاع كلفة تأمين الطاقة، حسب ما أفادت ذا غارديان.

حرب استنزاف أم حاجز أمام المنافسين؟

تمتلك الشركات الأربعة أعمالاً شديدة الربحية، وطلباً متزايداً على الخدمات السحابية، وقدرة على الاقتراض بشروط أفضل من منافسيها، كما أن الإنفاق الضخم يصنع حاجزاً يصعب على الشركات الأصغر تجاوزه، وهذه العوامل مجتمعة تؤكد أن الضغوط النقدية لا تعني أن الفقاعة أصبحت حتمية.

ويرى خبراء أسواق المال أن معيار السوق تغيّر من حجم الاستثمار إلى سرعة تحويله إلى إيرادات وهوامش ربح، وستصبح الفجوة الزمنية بين بناء مراكز البيانات وتشغيلها القضية الأهم للمستثمرين خلال الأعوام المقبلة، فإذا استمر الطلب في تجاوز العرض، قد يبدو التريليون دولار ثمناً ضرورياً للسيطرة على البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي، أما إذا تباطأ تبني الذكاء الاصطناعي أو تعثرت المختبرات في تمويل التزاماتها، فسيتحول السباق إلى حرب استنزاف تحتجز السيولة في أصول مرتفعة التكلفة وسريعة التقادم لسنوات طويلة.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة