اختار قادة الصين مواجهة تباطؤ الاقتصاد بتسريع إنفاق أُقر بالفعل، لا بإطلاق حزمة مالية جديدة، فالرسالة التي خرج بها اجتماع المكتب السياسي برئاسة الرئيس شي جين بينغ هي أن بكين لا تزال تملك أدوات للدعم، لكنها تريد استخدامها بجرعات محسوبة تحمي النمو من الهبوط الحاد، من دون إعادة إنتاج طفرة الديون والعقارات والطاقة الصناعية الفائضة التي خلّفتها حزم الإنقاذ السابقة.
وتعهدت القيادة الصينية بتسريع الإنفاق المالي على مشروعات البنية التحتية المدرجة في موازنة 2026، مع الإحجام عن إعلان تدابير تحفيزية واسعة، رغم تباطؤ النمو السنوي إلى 4.3% في الربع الثاني، من 5% في الأشهر الثلاثة الأولى، مسجلاً أضعف وتيرة منذ نهاية 2022، وفق رويترز.
بداية قوية تشتري لبكين بعض الوقت
جاء نمو الربع الثاني دون توقعات المحللين البالغة 4.5%، وأقل من الحد الأدنى لهدف الحكومة السنوي الذي يتراوح بين 4.5% و5%، لكن توسع الاقتصاد 4.7% خلال النصف الأول، بفضل البداية الأقوى من المتوقع، يمنح السلطات هامشاً للانتظار قبل اللجوء إلى تدخل استثنائي، وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاء ورويترز.
وتعني هذه الحسابات أن بكين لا تستهدف دفع النمو إلى أعلى مستوى ممكن، بقدر ما تسعى إلى إبقائه داخل نطاق يمكن السيطرة عليه.
وقال تومي شي، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي الآسيوي في بنك (OCBC)، إن غياب الحزمة الضخمة ينسجم مع توقعات بقاء السياسة مركزة على «دعم النمو» بدلاً من تقديم تحفيز واسع، مرجحاً أن ينصب اهتمام الربع الثالث على استخدام الموارد المتاحة بصورة أسرع.
وتعزز بيانات يوليو/ تموز هذا الحذر؛ إذ انخفض مؤشر مديري المشتريات الصناعي الرسمي إلى 49.2 نقطة، دون عتبة الخمسين الفاصلة بين النمو والانكماش، بينما هبط مؤشر الأنشطة غير الصناعية إلى 49 نقطة، في إشارة إلى أن الضعف تجاوز المصانع إلى الخدمات والإنشاءات، بحسب رويترز.
لماذا لا تكرر الصين وصفة 2008؟
تعود تحفظات بكين إلى أن التحفيز القديم اعتمد على الائتمان والعقارات وإنفاق الحكومات المحلية، ونجح في رفع الناتج سريعاً لكنه ترك وراءه أحياء غير مكتملة، وطاقة إنتاجية تفوق الطلب، وديوناً ضخمة لدى الأقاليم وأدواتها التمويلية. ووصفت صحيفة وول ستريت جورنال هذا الإرث بأنه اقتصاد مثقل بفوائض العقارات والديون والقدرات الصناعية.
وتراجعت قدرة الحكومات المحلية على لعب دور قاطرة الاستثمار بعد انهيار إيرادات بيع الأراضي وتراكم الالتزامات خارج الميزانية.
وكانت بكين قد أقرت سابقاً برنامجاً يعادل 1.4 تريليون دولار لإعادة هيكلة الديون المحلية، لكنه استهدف استبدال الديون مرتفعة التكلفة أكثر مما استهدف وضع أموال مباشرة في أيدي المستهلكين، وفق فايننشال تايمز وبيزنس إنسايدر.
وتسعى القيادة هذه المرة إلى منع تباطؤ حاد من دون فتح دورة اقتراض جديدة، وقد دعا المكتب السياسي إلى مواصلة معالجة ظاهرة «التنافس التراجعي»، وهو التعبير الصيني عن حروب الأسعار التي تضحي فيها الشركات بالأرباح لزيادة حصتها السوقية، وضخ أموال غير مشروطة في المصانع قد يفاقم هذه المشكلة، حتى وإن كانت بكين ترفض توصيف شركائها التجاريين لها باعتبارها «فائض طاقة إنتاجية».
تريليون دولار.. لكنه ليس تحفيزاً جديداً
وبحسب خبراء أسواق المال ييرتكز البديل على تسريع تنفيذ مبادرة «الشبكات الست»، التي تضم شبكات المياه والكهرباء والحوسبة والاتصالات الحديثة والخدمات اللوجستية وخطوط الأنابيب الحضرية تحت الأرض.
وتخطط الصين لإنفاق نحو 7 تريليونات يوان، أي قرابة تريليون دولار، على تحديث هذه الشبكات وبنائها خلال 2026، وفق وسائل إعلام حكومية نقلت عنها رويترز.
ولا يمثل هذا الرقم حزمة إضافية أقرها اجتماع المكتب السياسي، بل استثمارات كانت مدرجة بالفعل وتأخر إصدار بعض سنداتها وتنفيذ نفقاتها في النصف الأول، ومن ثم تستطيع الحكومة زيادة النشاط خلال الأشهر المقبلة من خلال تقديم مواعيد المشروعات، من دون رفع العجز المعلن أو ابتكار برنامج إنقاذ منفصل.
ويخدم هذا الاختيار هدفين في آن واحد، وهما توفير طلب قصير الأجل على مواد البناء والمعدات، وبناء بنية أساسية تدعم مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم. لكنه يكشف أيضاً استمرار تفضيل بكين الاستثمار الذي تقوده الدولة على التحويلات النقدية المباشرة إلى الأسر.
مشكلة الطلب ليست نقص السلع
تظل نقطة الضعف الأساسية في الاقتصاد هي المستهلك الصيني، فقد غطى ضعف الإنفاق الأسري في الربع الثاني على قوة التصنيع والصادرات، بينما يضغط ركود العقارات وتباطؤ الدخل وهشاشة سوق العمل على ثقة الأسر.
وأشارت ذا غارديان إلى أن ضعف سوق الإسكان وعدم اليقين الوظيفي أصبحا من أبرز القيود على الاستهلاك.
وانتقل ملايين العمال من الوظائف الرسمية إلى خدمات التوصيل والنقل وغيرهما من أنماط العمل المرن، حيث ساعات العمل الطويلة والدخل المتقلب والحماية الاجتماعية المحدودة.
وتدفع هذه الهشاشة الأسر إلى زيادة الادخار الاحترازي بدلاً من الإنفاق، ما يجعل مشكلة الصين أقرب إلى ضعف الدخل والثقة منها إلى نقص المنتجات أو الائتمان.
وتعهد المكتب السياسي بتعزيز الطلب المحلي وحماية حقوق العاملين في الوظائف المرنة، لكنه لم يعلن تحويلات مالية واسعة أو إصلاحاً كبيراً لشبكة الضمان الاجتماعي.
وقال تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في «بينبوينت لإدارة الأصول»، إن الخطاب ركز على تحسين المعروض من السلع والخدمات أكثر من تركيزه على زيادة نمو الدخول، وفق رويترز.
وبحسب خبراء أسواق المال فأن المشكلة تكمن في المزيد من البنية التحتية قد يمنع النمو من الانزلاق، لكنه لا يضمن إعادة التوازن إلى اقتصاد يعتمد على الاستثمار والصادرات.
وقد دعت تحليلات نقلتها فايننشال تايمز منذ سنوات إلى رفع حصة الأسر من الدخل وتوسيع الحماية الاجتماعية، بينما حذر البنك الدولي من أن التحفيز التقليدي وحده لا يكفي من دون إصلاحات تعيد الثقة إلى المستهلكين.
دعم الأسهم من دون شيك مفتوح
وأفادت ساوث تشاينا مورنينغ بوست بأن المكتب السياسي أشار بصورة نادرة إلى ضرورة تعزيز مرونة أسواق رأس المال والثقة بها، وتعميق إصلاحات الاستثمار والتمويل، بعد فشل محادثات تنظيمية ومشتريات حكومية بنحو 60 مليار يوان، أو 8.9 مليار دولار، في إنهاء موجة البيع.
وارتفع مؤشر «ستار ماركت 50» للتكنولوجيا بنحو 3% يوم الجمعة، لكنه أنهى يوليو منخفضاً قرابة 26%، في أسوأ أداء شهري منذ إطلاقه عام 2020، وفق الصحيفة.
ويُرجح أن يتركز أي دعم جديد على شركات التكنولوجيا والرقائق، ليس فقط لحماية الأسعار، بل لأن سوق الأسهم أصبح أداة لتمويل طموح الصين في الذكاء الاصطناعي والاستقلال التكنولوجي.
ويرى ستيفن إينس، الشريك الإداري في (SPI Asset Management)، أن الإجراءات ستكون مدروسة ومحددة، بينما قال تشو تشاوبينغ من «جيه بي مورغان لإدارة الأصول» إن المستثمرين سيراقبون التنفيذ الفعلي للإنفاق والتيسير النقدي وسياسات العقارات وإصلاح السوق.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي