المديرة الإقليمية لمكتبي الكويت ومصر في CNBC عربية

في السياسة لا توجد مصادفات كثيرة.
وأحياناً تمر أمامك أحداث تبدو منفصلة تماماً… حتى تضعها بجوار بعضها، فتكتشف أنها تشكل صورة مختلفة تماماً، مثل قطع الـPuzzle. تبدو بلا علاقة ببعضها البعض، ثم عندما تضع كل قطعة في مكانها الصحيح، تظهر لك الصورة.
خذ هذه القطع مثلاً.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصرح بأن العالم سيشهد إعادة تنظيم لتدفقات الطاقة وتقليص الاعتماد على مضيق هرمز.
تصريح كهذا لا يبدو مجرد تعليق على أزمة عابرة، بل يوحي بأن واشنطن تتحدث عن شكل جديد لسوق الطاقة العالمية. شكل يتقلص فيه دور مضيق هرمز، أي الدور الاستراتيجي لدول الخليج.
الولايات المتحدة تسمح بتصدير النفط بعد عقود من الحظر.
في عام 1975، بعد أزمة النفط العربية عام 1973 والارتفاع الحاد في الأسعار، أصدر الكونغرس قانون "Energy Policy and Conservation Act (EPCA)" الذي فرض حظراً شبه كامل على تصدير النفط الخام الأميركي، بهدف الحفاظ على الإمدادات داخل الولايات المتحدة وخفض الاعتماد على الخارج.
وفي 8 ديسمبر كانون الأول 2015، حدث التحول التاريخي. ألغى الكونغرس الحظر، ووقع الرئيس باراك أوباما القانون الذي سمح بتصدير النفط الخام الأميركي بحرية إلى الأسواق العالمية.
ومنذ عام 2016 حتى اليوم، ارتفعت صادرات النفط الأميركي بسرعة كبيرة، ومع طفرة النفط الصخري أصبحت الولايات المتحدة واحدة من أكبر مصدري النفط في العالم.
أي إن أميركا أصبحت منافساً في سوق النفط، ومن مصلحتها أن يكون دورها أكبر من غيرها.
فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، في يوم وليلة، وفي عملية هوليوودية، وقبل حرب إيران بأشهر، تم خلع رئيس فنزويلا وترحيله إلى الولايات المتحدة، التي أصبحت تتحكم في الثروة النفطية الفنزويلية من خلال حكومة هي من فرضتها (puppet government).
مرة أخرى، خطوة في اتجاه سيطرة أميركا على سوق النفط؟
اضطرابات في مضيق هرمز.
الممر الذي يمر عبره 25% من صادرات النفط والغاز العالمية أصبح تحت الحصار.
وكلما زادت المخاطر هناك، بدأ المشترون يبحثون عن بدائل أكثر أماناً، وبدأ المستثمرون يعيدون رسم خرائطهم.
هنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
هل الهدف تقليم أظافر إيران؟
أم أن هناك إعادة هندسة كاملة لخريطة الطاقة العالمية؟
لو افترضنا أن جزءاً من نفط الخليج لم يعد يمر بسهولة عبر هرمز، فمن المستفيد؟
الدول التي تستطيع التصدير بعيداً عن هذا الممر.
والدول التي تملك القدرة على زيادة الإنتاج سريعاً.
والدول التي تسيطر على طرق الإمداد البديلة.
وهنا تظهر الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً، ليس فقط لأنها منتج ضخم للنفط والغاز، بل لأنها تمتلك أيضاً نفوذاً واسعاً على أسواق وشبكات الطاقة العالمية. ولا ننسى أن أهم زبائن النفط الخليجي هم دول آسيا، وعلى رأسها الصين.
ويبقى السؤال الأهم…
ربما ليس بالكامل.
فمن الصعب تعويض دول الخليج بالكامل، فهي تمتلك أقل تكلفة إنتاج، وأكبر طاقة احتياطية يمكن ضخها بسرعة، وبنية تحتية يصعب منافستها.
الأقرب إلى المنطق أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إقصاء الخليج، بل إلى تقليل اعتماد العالم عليه كمصدر شبه وحيد للطاقة.
بمعنى آخر…
أن يصبح الخليج لاعباً مهماً… لا اللاعب الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
وفي عالم السياسة…
ليس مطلوباً دائماً أن تسيطر على السوق.
يكفي أن تمنع أي طرف آخر من السيطرة عليه وحده.
فهل نحن أمام سلسلة أحداث منفصلة؟
أم أن قطع الـPuzzle بدأت بالفعل تكشف عن صورة أكبر لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية؟
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي