مقال رأي | هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟

نشر
آخر تحديث
مقال رأي| هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟

استمع للمقال
Play

مقال رأي لـ معمر عواد- مدير مكتب CNBC عربية في الدوحة

في السياسة كما في الاقتصاد، لا مكان للصدفة في تحقيق القفزات الكبرى. الدول الصغيرة جغرافياً لا تستطيع منافسة القوى الكبرى بحجمها ، لكن بقدرتها أن تُعيد تعريف مكانتها وتموضعها عبر النفوذ. وهذا بالضبط ما عملت عليه قطر خلال العقود الثلاثة الماضية، حين قررت أن تطوّع الدبلوماسية لتكون جزءاً من أصولها الاقتصادية، لا مجرد أداة لإدارة العلاقات الخارجية.

يصعب على أي باحث قراءة قصة التحول الاقتصادي القطري المثيرة بعيداً عن الحضور السياسي المتنامي للدوحة على الساحة الدولية. فمنذ منتصف التسعينيات، تزامن الاستثمار الضخم في تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال مع بناء سياسة خارجية أكثر استقلالية وحضوراً، أتاحت لقطر التحول من دولة تعتمد على تصدير الطاقة إلى لاعب دولي يبحث عن مكان فاعل بين الكبار، ويقدم نفسه وسيطاً نزيهاً لفض النزاعات السياسية، واستضافة المفاوضات، والمؤتمرات الدولية ، وبناء الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية مع الشرق والغرب في آن واحد.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استطاعت الدبلوماسية القطرية ان تكون محركاً حقيقياً للمشروع الاقتصادي، أم أن المشروع الاقتصادي هو الذي منح الدبلوماسية زخمها وأدواتها؟

الواقع يشير إلى أن العلاقة كانت تبادلية. فالاستقرار السياسي والأمني والانفتاح على مختلف القوى الدولية أسهما في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى الدوحة بما يصل إلى 166 مليار ريال ، وتوسيع الأسواق أمام الغاز القطري أسيويا وأوروبياً، وقدمت نفسها المصدر الأول الموثوق والآمن للطاقة النظيفة في العالم  إلى جانب توقيع اتفاقيات استراتيجية طويلة الأجل مع شركاء عالميين. كما وفرت شبكة العلاقات السياسية مظلة آمنة لتوسع جهاز قطر للاستثمار في عشرات الدول باستثمارات تناهز 600 مليار دولار أميركي ولتمدد الشركات القطرية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والعقارات والخدمات المالية و تستحوذ على أصول أيقونية في كبرى العواصم العالمية .

وللإنصاف ، لم تكن السياسة الخارجية بعيدة عن خدمة صورة الدولة. فقد أدركت الدوحة مبكراً أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُبنى فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً عبر "القوة الناعمة"، فاستثمرت في الإعلام، والرياضة، والتعليم، وكذلك في الوساطة الدبلوماسية. ومن هنا جاءت استضافة الأحداث العالمية، وعلى رأسها كأس العالم 2022، والاستثمار في الجامعات العالمية، وتعزيز الحضور الإعلامي عبر قناتي الجزيرة و (بي إن سبورت)، كجزء من استراتيجية متكاملة لبناء علامة تجارية وطنية تتجاوز حدود الجغرافيا.



غير أن هذا النجاح يفتح الباب أمام قراءة نقدية مشروعة. فهل كان جزء من النشاط الدبلوماسي موجهاً أيضاً لتسويق النموذج القطري وتعزيز المكانة السياسية للدولة أكثر من كونه أداة اقتصادية بحتة؟ الإجابة على الأرجح هي نعم، لكن ذلك لا يُعد استثناءً في العلاقات الدولية. فالقوى الاقتصادية الكبرى، من الولايات المتحدة إلى الصين وسنغافورة، توظف دبلوماسيتها لخدمة مصالحها الاقتصادية وصورتها الدولية في آن واحد. والسياسة الخارجية، في النهاية، ليست عملاً خيرياً، بل استثماراً طويل الأجل في النفوذ والمصالح.

الاختبار الحقيقي لنجاح هذه المقاربة لم يكن في سنوات الوفرة، بل خلال الأزمات فالأزمة الخليجية عام 2017 كشفت أن شبكة العلاقات الدولية التي بنتها قطر لم تكن مجرد واجهة إعلامية، بل تحولت إلى رصيد استراتيجي ساعدها على إعادة توجيه سلاسل الإمداد، وتسريع الاكتفاء الذاتي، وتعميق شراكاتها مع أسواق جديدة. كما أن استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتوسع صادرات الغاز، وارتفاع مكانة جهاز قطر للاستثمار عالمياً، عكس قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات بفضل تنوع أدوات القوة التي تمتلكها الدولة ، كما أن الدور الذي لعبته الدبلوماسية القطرية، إلى جانب الوساطة الباكستانية، في تهيئة الأجواء لإعادة طهران وواشنطن إلى مسار التفاوض-  رغم تعرض قطر نفسها لأضرار جراء الهجمات الإيرانية -  يؤكد تغليب الدبلوماسية القطرية لمنطق التهدئة على التصعيد، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار المنطقة هو الضمانة الحقيقية لأمنها ومصالحها الاقتصادية.


الأزمة الخليجية عام 2017 كشفت أن شبكة العلاقات الدولية التي بنتها قطر لم تكن مجرد واجهة إعلامية، بل تحولت إلى رصيد استراتيجي ساعدها على إعادة توجيه سلاسل الإمداد


واليوم، ومع تصاعد المنافسة الجيوسياسية، وتسارع التحول في أسواق الطاقة، ودخول العالم مرحلة أكثر اضطراباً، تبدو قطر أمام تحدٍ جديد. فنجاح الدبلوماسية الاقتصادية لن يقاس فقط بقدرتها على الحفاظ على النفوذ السياسي، بل بقدرتها على قيادة المرحلة التالية من الاقتصاد القطري؛ اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على الابتكار، والتكنولوجيا، والقطاع الخاص، والاستثمارات المعرفية، استعداداً لعالم تقل فيه أهمية الوقود الأحفوري تدريجياً.

قصارى القول: لم تكن الدبلوماسية القطرية مجرد حملة علاقات عامة لتسويق الدولة، كما أنها لم تكن منفصلة عن مشروعها الاقتصادي. لقد أصبحت جزءاً من نموذج تنموي متكامل، امتزجت فيه السياسة بالاقتصاد، والقوة الناعمة برأس المال، والوساطة بالاستثمار. وربما يكمن التحدي الأكبر في السنوات المقبلة في الحفاظ على هذا التوازن، بحيث تبقى الدبلوماسية أداة لإنتاج الفرص الاقتصادية، لا مجرد وسيلة لتعزيز الصورة السياسية. 


*المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة