خلافات عائلية تشلّ استثمارات بقيمة 55 مليار يورو

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

تسبب خلاف بين ورثة رجل الأعمال الإيطالي ليوناردو ديل فيكيو Leonardo Del Vecchio في شل قدرة شركة القابضة دلفين Delfin البالغة قيمتها 55 مليار يورو على اتخاذ قرارات استراتيجية، بعدما قسّم النزاع مجلس إدارتها. 

أمضى ديل فيكيو سنوات في تصميم هيكل حوكمة يحمي إمبراطوريته التجارية بعد وفاته، لكن الضمانات التي وضعها باتت اليوم تشل الشركة القابضة التي تمثل جوهر الثروة العائلية، إذ يقسّم خلاف بين الورثة مجلس إدارتها.


 


 

قصة صعود دلفين

تحوّلت دلفين في عهد ديل فيكيو إلى واحدة من أكثر أدوات الاستثمار العائلية نفوذا في أوروبا، مستخدمة حصصها متعددة المليارات في مجموعة النظارات إيسيلور لوكسوتيكا EssilorLuxottica وشركة التأمين جنرالي Generali والبنكين ميديوبانكا Mediobanca ويوني كريديت UniCredit لتشكيل الاستراتيجية المؤسسية عبر القطاعين المالي والصناعي في إيطاليا، وفق فينانشال تايمز.

وتكافح المجموعة اليوم لاتخاذ قرارات استراتيجية، ما يحد من قدرتها على توظيف رأس المال أو إعادة تشكيل محفظتها أو أداء الدور النشط الذي ساعد في رسم الأجندة المالية لإيطاليا لسنوات.

وقال أستاذ ريادة الأعمال والأعمال العائلية في معهد آي إم دي IMD ألفريدو دي ماسيس Alfredo De Massis، إن لهذا الوضع تداعيات مهمة على الرأسمالية الإيطالية ككل.

تقسيم الميراث

حيث قسّمت ملكية دلفين بعد وفاة ديل فيكيو عام 2022 إلى ثماني حصص متساوية بين أبنائه الستة وأرملته وابنها من زواج سابق، وتجادل المساهمون منذ ذلك الحين حول كل شيء بدءا من الأرباح الموزعة والأجور التنفيذية وصولا إلى مستقبل محفظة المجموعة.

واتضح عمق الجمود في يونيو/حزيران عندما سعى ليوناردو ماريا ديل فيكيو Leonardo Maria Del Vecchio للحصول على دعم مجلس الإدارة لمقترح شراء حصتي شقيقين له تبلغ كل منهما 12.5% في محاولة لرفع حصته الخاصة إلى 37.5%.

وصرّح ليوناردو ماريا البالغ من العمر 31 عاما بأن توحيد الحصص سينهي سنوات من التوترات العائلية ويخلق هيكل ملكية أكثر استقرارا، لكن المحاولة فرّقت بين التنفيذيين اللذين عهد إليهما ديل فيكيو بإدارة الإمبراطورية، ما فتح جبهة جديدة من الخصومة.

وعارض الرئيس التنفيذي لدلفين، رومولو باردين Romolo Bardin، دعم الشركة القابضة للعرض، بينما أيده رئيس مجلس الإدارة فرانشيسكو ميلليري Francesco Milleri الذي يشغل أيضا منصب الرئيس التنفيذي لإيسيلور لوكسوتيكا.

وقال ميلليري في أبريل/نيسان إن جعل ليوناردو ماريا المساهم المهيمن سيبسط حوكمة دلفين ويساعد في كسر سنوات من الجمود، في حين حذر شخص مقرب من دلفين من تركيز الكثير من السلطة في يديه، مشيرا إلى أنه ليس والده.

 



 

قاعات المحاكم

وأنهى فشل ليوناردو ماريا في كسب دعم مجلس الإدارة تقريبا محاولته ليصبح المساهم المهيمن في المجموعة، وفي الاجتماع السنوي لدلفين هذا الصيف الذي قاطعه، فشل المساهمون أيضا في الاتفاق على توزيعات أرباح أعلى أو على السماح لأفراد العائلة بتحويل حصصهم إلى كيانات قابضة شخصية.

ووصلت الخلافات إلى قاعات المحاكم في إيطاليا ولوكسمبورغ Luxembourg.

كما طعن روكو باسيليكو Rocco Basilico، نجل أرملة ديل فيكيو نيكوليتا زامبيلو Nicoletta Zampillo من زواج سابق وشقيق ليوناردو ماريا غير الشقيق، في قرارات الموافقة على البيع المقترح لحصتي لوكا وباولا ديل فيكيو Luca and Paola Del Vecchio، فيما طعن ليوناردو ماريا بدوره في أحقية باسيليكو بحصته البالغة 12.5%.

وقال باسيليكو في رسالة قبل الاجتماع السنوي إن الجمود الذي تعيشه العائلة يهدد مستقبل دلفين، واقترح منح المساهمين مخرجا عبر بيع بعض الاستثمارات المالية مع الحفاظ على حصة إيسيلور لوكسوتيكا، لكن ليوناردو ماريا رد في رسالة نُشرت في وسائل الإعلام بأن هذه الخطوة ستقوض إرث والده.


 


 

تاريخ الشركة

ولد ديل فيكيو عام 1935 وصعد من ملجأ أيتام في ميلانو Milan ليبني شركة لوكسوتيكا Luxottica من مورّد مكونات في ستينيات القرن الماضي لتصبح أكبر مجموعة نظارات في العالم، مستحوذا على علامات مثل راي-بان Ray-Ban وأوكلي Oakley قبل دمجها مع شركة إيسيلور Essilor الفرنسية عام 2018.

ولم يجهّز ديل فيكيو أيا من أبنائه ليكون خلفا له، وبدلا من ذلك تولى مستشاره القديم ميلليري منصب الرئيس التنفيذي لإيسيلور لوكسوتيكا، وخلفه بعد وفاته في رئاسة مجلس إدارة دلفين.

يختلف ليوناردو ماريا وباسيليكو اختلافا كبيرا، فعلى عكس والده الذي ابتعد عن الأضواء، بنى ليوناردو ماريا حضورا إعلاميا واسعا من خلال استثمارات مكتبه العائلي في النشر والمطاعم والنوادي، بينما جعلت حياته الشخصية المضطربة منه حاضرا دائما في الصحف الإيطالية الشعبية.

وراثة الثروة

قال ليوناردو ماريا خلال تسلمه شهادة فخرية في يوليو/تموز إنه ولد ثريا وهذا يُعد عبئا في إيطاليا، لكن هناك فرقا بين وراثة الثروة وتحمل المسؤولية، مضيفا أن الإرث يُمنح للمرء بينما المسؤولية شيء يخرج المرء ليطالب به.

ويقدّم باسيليكو الأكبر من شقيقه بأربع سنوات صورة معاكسة تماما، إذ يصفه المقربون من العائلة بأنه شخص متحفظ، ويقيم في أميركا، وترك مؤخرا منصبه في إيسيلور لوكسوتيكا حيث كان يشغل منصب رئيس قسم الأجهزة القابلة للارتداء وأدى دورا محوريا في شراكة المجموعة مع شركة ميتا Meta في مجال النظارات الذكية.

ووصف ليوناردو ماريا ميلليري بأنه أمين إرث والده وأفضل تنفيذي لضمان الاستمرارية، وقال إنه يثق تماما في قدرة ميلليري على تنفيذ رؤية والده.

خلاف عائلي

ويجد ميلليري نفسه في موقف بالغ الصعوبة وهو يحاول التعامل مع الخلاف العائلي مع قيادته لإيسيلور لوكسوتيكا التي تتطلب حوكمتها الفرنسية الإيطالية إدارة دقيقة منذ فترة طويلة.

وتبرز سياسة توزيع الأرباح في دلفين حجم الخلاف، إذ توزع المجموعة على المساهمين الثمانية نسبة 10% الإلزامية فقط من أرباحها السنوية البالغة نحو 1.5 مليار يورو.

ويقول أشخاص مقربون من دلفين إن توزيعات الأرباح الأعلى ستمنح ليوناردو ماريا سيولة نقدية تساعده على سداد نحو مليار يورو من الديون المصرفية التي تراكمت من استثماراته خارج دلفين، بينما يقاوم مساهمون آخرون، من بينهم من يسعون للخروج، رفع التوزيعات، معتبرين الأرباح جزءا من عملية تفاوض أوسع حول السيطرة.

ويزداد الجدل إلحاحا مع إعادة تشكيل عمليات الدمج للقطاع المصرفي الإيطالي.

حصص ملكية متنوعة

وتمتلك دلفين حصة 10% في جنرالي ونحو 3% في يوني كريديت و17.5% في بنك مونتي دي باشي دي سيينا Monte dei Paschi di Siena، بعدما حصلت على حصتها في الأخير مقابل حصتها في ميديوبانكا حين استحوذ البنك التوسكاني على منافسه العام الماضي.

وستبقى دلفين بحصة تتراوح بين 3% و4% في أكبر بنك إيطالي إذا نجحت إنتيسا سانباولو Intesa Sanpaolo في محاولتها للاستحواذ على مونتي دي باشي دي سيينا، لكن دعم دلفين قد يكون حاسما في تحديد النتيجة بينما يستكشف الرئيس التنفيذي لمونتي دي باشي دي سيينا، لويجي لوفاليو Luigi Lovaglio، صفقات بديلة لصد العرض العدائي.

ويرى محللون أن التخلص السريع من حصص تعتبرها روما أصولا استراتيجية وطنية سيكون أمرا صعبا سياسيا، لكنهم يقولون إن شركة قابضة تفتقر لاستراتيجية متماسكة خارج إيسيلور لوكسوتيكا قد تضطر في نهاية المطاف إلى تبسيط محفظتها.



تحديات ملكيات العائلة

وقال دي ماسيس إن دلفين قد تفضل التخلص من بعض الأصول ومنح نفسها هوية أوضح وتقليل تعرضها لملفات حساسة سياسيا لأن ديل فيكيو لم يعد موجودا وليس له نظير داخل العائلة.

وتحوّلت حصة مونتي دي باشي دي سيينا أيضا إلى عبء متزايد على ميلليري، إذ يحقق مدعو ميلانو معه ومع لوفاليو والمستثمر فرانشيسكو غايتانو كالتاجيروني Francesco Gaetano Caltagirone بشأن مزاعم تلاعب بالسوق وعرقلة عمل الجهات الرقابية في ما يتعلق باستحواذ مونتي دي باشي دي سيينا على ميديوبانكا عام 2025، وقد نفى الثلاثة جميعا ارتكاب أي مخالفات.

وقد توفر عمليات بيع الأصول للورثة سيولة تشتد الحاجة إليها وتخفف من الروابط التي تجمعهم عبر دلفين، أما بالنسبة للشركات الإيطالية، فإن السؤال الأهم هو ما إذا كان بإمكان أحد أبرز المستثمرين المحوريين استعادة سلطته لاتخاذ خيارات طويلة الأمد.

وقال دي ماسيس إن ورثة ديل فيكيو مختلفون جدا عن والدهم الراحل، لذا فإن الهيكل يحتاج أيضا إلى تغيير وإلا سيبقى هناك انفصال بين البنية والواقع.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة