المحيطات تغلي.. والحر يلتهم أوروبا

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

تكشف أحدث البيانات الصادرة عن جهات رصد مناخي دولية عديدة أن كوكب الأرض يعيش مرحلة غير مسبوقة من احترار المحيطات، إذ توالت الأرقام القياسية شهرا بعد آخر خلال عام 2026، من الأطلسي إلى الهادئ مرورا بالبحر المتوسط، في مؤشر يصفه العلماء بأنه يجسد تغير المناخ "أمام الأعين" بدلا من كونه توقعا مستقبليا بعيدا. 

 



 

ومع تزامن ارتفاع حرارة المياه مع موجات جفاف وحرائق غابات ضربت أوروبا الغربية، يرصد هذا التقرير أبرز المؤشرات والإحصاءات الصادرة عن جهات مثل كوبرنيكوس ومرسيتور أوشن والإدارة الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، وتداعياتها على النظم البيئية والاقتصادات الساحلية حول العالم.

وفي مشهد يتكرر حول العالم دون تحركات رادعة حقيقية، سجلت درجات حرارة سطح البحر مستوى قياسيا لشهر يوليو/تموز، بينما تسبب الحر الشديد في موجات جفاف وحرائق غابات في أوروبا الغربية، في وقت وصف فيه علماء تغير المناخ بأنه يتكشف أمام الأعين.

حيث أثرت موجات حر بحرية وصفت بالشديدة على أجزاء من المحيطين الأطلسي والهادئ والبحر المتوسط الغربي، وفقا لتقرير خدمة كوبرنيكوس Copernicus التابعة لبرنامج رصد الأرض الأوروبي.

 


 


ارتفاع حرارة المحيطات

حيث بلغ متوسط درجة حرارة سطح البحر للمحيطات خارج المناطق القطبية 20.96 درجة مئوية، متجاوزا الرقم القياسي السابق لشهر يوليو/تموز البالغ 20.89 درجة مئوية والمسجل خلال ظاهرة الاحترار السابقة النينيو El Niño في المحيط الهادئ عام 2023، ويأتي ذلك بعد رقم قياسي آخر سجل في يونيو/حزيران.

وسجل النصف الأول من عام 2026 جاء ثاني أكثر الفترات حرارة على الإطلاق للمحيطات، بمتوسط درجة حرارة سطح بحر بلغ نحو 20.94 درجة مئوية، أي أقل بقليل من الرقم القياسي المسجل عام 2024 والبالغ نحو 21.04 درجة مئوية، وفق بيانات دائرة كوبرنيكوس البحرية Copernicus Marine Service.

موجات الحر البحرية

كما اتسع نطاق موجات الحر البحرية بشكل مطرد خلال الأشهر الستة، إذ بلغت نسبة المحيطات العالمية المتأثرة بموجات حر بحرية متفاوتة الشدة نحو 82% بحلول نهاية يونيو/حزيران، وهو ثاني أكبر امتداد يُسجل بعد عام 2024 حين تأثر نحو 83% من المحيطات به.

كما أظهرت بيانات دائرة مرسيتور أوشن الدولية Mercator Ocean International أن شهر يونيو/حزيران 2026 كان الأشد حرارة على الإطلاق لمحيطات العالم، بمتوسط درجة حرارة بلغ 20.92 درجة مئوية متجاوزا الرقم القياسي السابق المسجل عام 2024، فيما سجل البحر المتوسط بدوره أشد شهر يونيو/حزيران حرارة في تاريخه بمتوسط 24.07 درجة مئوية، متجاوزا الأرقام القياسية السابقة التي سُجلت في عامي 2023 و2025.

وأظهرت البيانات أن نحو 95% من مساحة البحر المتوسط سجلت حرارة أعلى من المعدل، مع تجاوز بعض المناطق في الحوض الغربي عتبة درجتين مئويتين فوق المعدل.

تعليقات خبراء

قال عالم المحيطات والمناخ في المسح البريطاني للقارة القطبية الجنوبية British Antarctic Survey، مايكل ميريديث Michael Meredith، إن درجات حرارة سطح البحر مثيرة للقلق الشديد، مع تسجيل أرقام قياسية بانتظام وتزايد اتساع وثبات موجات الحر البحرية، وفق فينانشال تايمز.

وأضاف ميريديث أن ما يحدث يتطابق تماما مع توقعات العلم بشأن تطور الاحترار العالمي، لكنه وصف رؤية ذلك يتحقق بهذه السرعة أمام الأعين بأنه مثير للدهشة.

وأشار إلى أن بدايات تأثير ظاهرة النينيو في منطقة المحيط الهادئ الاستوائية أسهمت في تفاقم الوضع، إلا أنها تعزز خطا أساسيا متصاعدا باستمرار ناجما عن الاحترار العالمي الذي يسببه الإنسان.

وجاء شهر يوليو/تموز أيضا في المرتبة الثانية مكررة كأكثر الشهور حرارة على الإطلاق من حيث درجات حرارة الهواء العالمية، بمتوسط بلغ 16.9 درجة مئوية، أي أعلى بـ1.47 درجة مئوية من مستويات ما قبل الثورة الصناعية، متعادلا مع يوليو/تموز 2024 ومتخلفا قليلا فقط عن الرقم القياسي المسجل في يوليو/تموز 2023.


 


 

أوروبا الغربية

وشهدت أوروبا الغربية أشد شهر يوليو/تموز حرارة في سجلاتها بمتوسط بلغ 21.62 درجة مئوية.

كما قالت القيادية الاستراتيجية للمناخ في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى European Centre for Medium-Range Weather Forecasts، سامانثا بورجيس Samantha Burgess، إن الشهر الثالث على التوالي من الحر الاستثنائي في أوروبا الغربية رفع متوسط درجة الحرارة المجمع لشهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز إلى رقم قياسي جديد للمنطقة.

وفاقم الحر من انتشار الجفاف، مع تراجع مستويات رطوبة التربة السطحية في أوروبا الغربية بشكل ملحوظ مقارنة بيوليو/تموز 2022، وهو آخر صيف شهد جفافا حادا في المنطقة.

وقالت بورجيس إن التربة الجافة تفقد قدرتها على توفير التبريد الطبيعي، ما يسمح للحرارة بالتراكم بسهولة أكبر، معتبرة أن هذا مثال واضح على كيفية تكثيف تغير المناخ لموجات الحر الشديدة، مع تعزيز الحر والجفاف كل منهما للآخر بشكل متزايد.

وأظهرت بيانات كوبرنيكوس انقساما حادا عبر أوروبا، إذ كانت درجات حرارة الهواء في فرنسا وإسبانيا وإنجلترا وأيرلندا أعلى بشكل ملحوظ من المعدل في يوليو/تموز.

 

مطالبات بتحرك فوري

قال أستاذ علوم نظم الأرض في جامعة كوليدج لندن University College London، مارك ماسلين Mark Maslin، إنه نفدت منه عبارات التعجب لوصف الطقس الذي يحطم الأرقام القياسية في كل مكان حول العالم.

ومن المتوقع أن تشهد المملكة المتحدة هذا الأسبوع خامس موجة حر لها هذا العام، مع توقع مكتب الأرصاد الجوية Met Office بلوغ ذروة تتجاوز 36 درجة مئوية في أجزاء من جنوب شرق إنجلترا.

وأضاف ماسلين أنه رغم صراخ علماء المناخ بالتحذير من "الحريق" لأكثر من 30 عاما، ما زال العالم يتحرك ببطء شديد لإنقاذ أرواح وسبل عيش لا حصر لها في المملكة المتحدة وحول العالم.

وقال أستاذ علوم المناخ في جامعة ريدينج University of Reading، ريتشارد ألان Richard Allan، إن خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري هو السبيل الواقعي الوحيد للحد من تفاقم موجات الجفاف والفيضانات وموجات الحر المتزايدة على اليابسة وفي المحيطات، والتي باتت واضحة تماما في البيانات.

كما أضاف أننا تجاوزنا مرحلة التساؤل عن سبب تفاقم الظواهر الجوية المتطرفة، معتبرا أن ذلك استجابة متوقعة وواضحة لاحترار الكوكب.

 


 


 

الولايات المتحدة

ورصدت الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA موجة حر بحرية كبيرة أخرى قبالة الساحل الغربي للولايات المتحدة، رفعت درجة حرارة المياه هناك نحو 3 إلى 4 درجات فهرنهايت فوق المعدل الطبيعي.

وفي سبتمبر/أيلول من العام الماضي، سجل شمال شرق المحيط الهادئ أعلى متوسط حرارة على الإطلاق عند 20.6 درجة مئوية، أي ما يقارب نصف درجة أعلى من أي رقم سابق، في موجة قاربت من حيث الحجم ودرجات الحرارة موجة "ذا بلوب" (The Blob الشهيرة التي ضربت المنطقة بين عامي 2013 و2016 وتسببت في نفوق مئات من أسود البحر والدلافين والطيور البحرية في وقت سابق.


 


 

الأعوام الأكثر حرارة

وأفاد علماء الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي بأنه بات شبه مؤكد أن يصنف عام 2026 ضمن أكثر عشر سنوات حرارة تُسجل على الإطلاق، مع توقعات بأن ينتهي العام ضمن أشد خمس سنوات حرارة في التاريخ المسجل، فيما سجل متوسط امتداد الجليد البحري تراجعا بنسبة 5% تقريبا دون المعدل المعتاد، حسب منصة earth.org.

وتحذر جهات الرصد الدولية من أن استمرار ارتفاع حرارة المحيطات يحمل تداعيات تتجاوز الأرقام القياسية، إذ يوفر المحيط الأكثر دفئا طاقة إضافية للعواصف ويزيد من معدلات التبخر واحتمالات هطول أمطار غزيرة وفيضانات، فضلا عن إسهامه في التمدد الحراري لمياه البحر وتسريع ذوبان الجليد البري، وهو ما ينعكس مباشرة على ارتفاع مستوى سطح البحر عالميا، وفق بيانات Copernicus Marine Service.

ويشير خبراء المناخ كذلك إلى أن ارتفاع درجات حرارة سطح البحر يزيد من تواتر موجات الحر البحرية ومدتها وشدتها، ما يخل بتوازن السلاسل الغذائية البحرية وتوزيع الأنواع، ويضع ضغوطا متصاعدة على قطاعي الصيد وتربية الأحياء المائية والاقتصادات الساحلية حول العالم.

 



 

نمط متصاعد؟

وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن احترار المحيطات لم يعد ظاهرة موسمية عابرة، بل نمط متصاعد يعيد تشكيل الأنظمة المناخية والبيئية على نطاق عالمي، من تراجع الجليد البحري إلى تفاقم الجفاف وموجات الحر البرية والبحرية على حد سواء.

ومع تحذير العلماء من أن العالم لا يزال يتحرك ببطء مقارنة بوتيرة التغير المسجلة في البيانات، يبقى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بحسب خبراء المناخ، السبيل الوحيد الواقعي للحد من تسارع هذه الظواهر المتطرفة في السنوات المقبلة.

 


تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة